الخميس، 4 سبتمبر 2025
روض الرياحين
وسميت هذا الكتاب ( بروض الرياحين ، في حكايات الصالحين ) ولقبته : بنزهة العيون النواظر ، وتحفة القلوب الحواضر ، في حكايات الصالحين والأولياء الأكابر . انتخبته وانتقيته وجمعته وألفته من كتب عديدة ، لأئمة كبار ذوى مناقب حميدة ، منهم الإمام حجة الإسلام أبو حامد الغزالي ، والإمام الأستاذ أبو القاسم القشيري ، والشيخ الإمام شهاب الدين السهروردي ، والشيخ الإمام أبو عبد اللّه محمد بن إبراهيم الخيري ، والشيخ الإمام تاج الدين بن عطاء اللّه الشاذلي السكندرى ، والشيخ أبو العباس أحمد بن علىّ القسطلاني ، والإمام العالم أبو الفرج بن الجوزىّ ، والشيخ الإمام العالم أبو عبد اللّه محمد بن قدامة المقدسىّ ، والشيخ الإمام العالم أبو الليث نصر بن محمد السمرقندي ، والإمام العالم أبو العباس أحمد بن علىّ ، عرف بابن الأطربانى ، وآخرون يطول عددهم ، غير هؤلاء العشرة ، رضى اللّه تعالى عنهم . أودعته خمس مئة حكاية ، وخمسة فصول ، منها فصلان مقدمة ، وفصلان خاتمة ، وفصل خاتمة الخاتمة ؛ وباللّه التوفيق ، وعليه التكلان . الفصل الأوّل من المقدمة في شئ من فضائل الأولياء والصالحين ، والفقراء والمساكين . الثاني : في إثبات كرامات الأولياء السادات الأصفياء . والفصل الأول من الخاتمة : في الجواب عن إنكار وقع من بعض الفقهاء المصنفين في بعض حكاياتهم . والثاني : في بيان مذهبهم في عقائدهم . * وفصل الخاتمة : في توحيد الرحمن ، وطرف من طرف الجنان ، مختوما بمدح خاتم الأنبياء ، وتاج الأصفياء صل اللّه عليه وسلم ، وشرف وكرم وعظم ، والحكايات عن الأولياء والصالحين ، ومشايخ الصوفية وأهل الدين المجذوبين منهم والسالكين ، الصادقين منهم والصدّيقين ، والفقراء المباركين ، والمجاهدين والزاهدين والعابدين ، ينتفع بها إن شاء اللّه تعالى الزهاد والعباد ، وأهل الدين ، وتقوى بها قلوب المريدين ، كما روينا عن تاج العارفين ، قطب العلوم ، سيد الطائفة المشغولة باللّه العارفة ، أبى القاسم الجنيد قدّس اللّه روحه ونوّر ضريحه ، أنه قيل له ما للمريدين في مجاراة
الأحكام ؟ فقال : الحكايات جند من جنود اللّه تعالى ، تقوى بها قلوب المريدين ، قيل له : فهل في ذلك شاهد ؟ فقال رضى اللّه عنه نعم ، قوله تعالى ( وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ ) . وكذلك حكى عن الشيخ الصالح الكبير ، العارف باللّه الخبير ، أبى سليمان الدارانىّ رضي اللّه عنه قال : اختلفت إلى مجلس بعض القصاص ، فأثر كلامه في قلبي ، فلما قمت لم يبق في قلبي منه شئ ، فعدت ثانيا فسمعته ، فبقى في قلبي أثر كلامه في الطريق ، ثم ذهبت فعدت ثالثا ، فبقى أثر كلامه في قلبي حتى رجعت إلى منزلي ، فكسرت آلات المخالفات ، ولزمت الطريق إلى اللّه تعالى . ولما حكى للشيخ العارف الواعظ يحيى بن معاذ الرازي رضي اللّه عنه هذه الحكاية قال : عصفور اصطاد كركيا ، يعنى بالعصفور : القاصّ ، وبالكركى : أبا سليمان الدارانى . وكذلك بلغنا أن الرحمة تنزل عند ذكر الصالحين . ثم إني حذفت أسانيد الحكايات رغبة في الاختصار ، وعلما بأن من ليس له فيهم اعتقاد لا يفيد فيه الإسناد . وأما من اعتقدهم فإنه ينتفع بما سمع عنهم ، ولا يتوقف على ثبوت الأسانيد القوية ، كتوقف الأحاديث النبوية ، إذ ليس يترتب على ذلك شئ من الأحكام الشرعية ، بل مجرّد حكايات وعظية ، فينبغي أن يتعظ بها ولا ينكر ، فقد قال الشيوخ رضى اللّه عنهم : أقلّ عقوبة المنكر على الصالحين ، أن يحرم بركتهم ، قالوا ويخشى عليه سوء الخاتمة ، ونعوذ باللّه من سوء القضاء . * وقال الشيخ العارف باللّه أبو تراب النخشبى رضي اللّه عنه : إذا ألف القلب الإعراض عن اللّه تبارك وتعالى ، صحبته الوقيعة في أولياء اللّه عزّ وجلّ . * وقال الشيخ العارف أبو الفوارس شاه بن شجاع الكرماني رضى اللّه عنه : ما تعبد متعبد بأكثر من التحبب إلى أولياء اللّه تعالى ، لأن محبة أولياء اللّه تعالى ، دليل على محبة اللّه عزّ وجلّ . * وقال الأستاذ أبو القاسم الجنيد رضي اللّه عنه التصديق بعلمنا هذا ولاية ، يعنى الولاية الصغرى دون الكبرى . قلت : والناس على أربعة أقسام : القسم الأول : حصل لهم التصديق بعلمهم ، والعلم بطريقهم ، والذوق لمشروبهم وأحوالهم . والقسم الثاني : حصل لهم التصديق والعلم المذكوران دون الذوق . والقسم الثالث : حصل لهم التصديق
دونهما . والقسم الرابع : لم يحصل لهم من الثلاثة شئ ، ونعوذ باللّه من الحرمان ، ونسأله التوفيق والغفران . * وها أنا معترف بأنى خال عن أحوالهم وذوقهم ، جاهل بعلم تحقيقهم ، عاجز عن سلوك طريقهم ، لكنني محبهم ، وموقن بصدقهم ، وفيهم قلت في المعنى : ألا أيها السادات إن طريقكم * على غيركم وعر صعاب عقابه طريق كحدّ السيف للّه درّ من * يكون على حدّ السيوف ذهابه وإني وإن عجز عرانى محبكم * فأنتم لقلبى خلده ومآبه وهل من فتى فيكم على جذب عاجز * شديد القوى سهل عليه اجتذابه إلهي الفقير اليافعي ليس عنده * سوى حبهم ذا زاده وركابه إلهي بذاك انفعه واحشره معهم * وعمر بنا قلبا تناهى خرابه وصل على من فضلهم فيض فضله * خلاصتهم من ذا اللباب لبابه ومن خير آل في البرايا وصاحب * من الخلق كلّ آله وصحابه محمد المختار من آل هاشم * غياث الورى الغيث الرواء سحابه الفصل الأول من المقدمة في شئ من فضائل الأولياء الصالحين ، والفقراء والمساكين ، مما جاء به القرآن والأخبار والآثار قال عزّ من قائل ( فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً * ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً ) . وقال تعالى ( أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ ، لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ، ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) . وقال سبحانه ( إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ ) * . وقال عزّ وجلّ ( وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا ، وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ) . وقال سبحانه ( يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ) . وقال عزّ وجلّ
( رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ) . وقال تعالى ( إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا ، وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ، نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ ، وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ ، نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ ) . وقال تعالى ( مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ، يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ ، وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ ) . وقال تعالى ( وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ، وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا ، وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا ) . وقال تعالى ( لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ ، يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ ، تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ ، لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً ) فهذه عشر آيات اقتصرت عليها . وأما الأخبار ، فنقتصر منها على عشرة أحاديث صحيحة . * الحديث الأول : روينا في صحيح البخاري ، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه تبارك وتعالى قال : من عاد لي وليا فقد آذنته بالحرب ، وما تقرّب إلىّ عبدي بشئ أحبّ إلىّ مما افترضت عليه ، وما يزال عبدي يتقرّب إليه بالنوافل حتى أحبه . فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشى بها ، وإن سألني أعطيته ، ولئن استعاذنى لأعيذنه » روى استعاذنى ، واستعاذ بي ، بالنون والباء ، وآذنته بالحرب : أعلمته بأنى محارب له ، وأنشدنا بعض شيوخنا لبعضهم : من اعتزّ بالمولى فذاك جليل * ومن رام عزّا من سواه ذليل ولو أن نفسي مذ براها مليكها * مضى عمرها في سجدة لقليل أحبّ مناجاة الحبيب بأوجه * ولكن لسان المذنبين كليل * الحديث الثاني : روينا في صحيح مسلم ، عن أبي هريرة أيضا رضى اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « ربّ أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لا يؤبه له ، لو أقسم على اللّه لأبرّه » وفيهم قلت في أرجوزة مثلثة :
للّه قوم في الحىّ كرام * مستيقظون والورى نيام أولو مقامات علت وأحوال * دارت عليهم في الهوى كؤوس نور البرايا للهدى شموس * ليسوا كشمس في السماء أفال خلعات مولاهم عليهم زهر * تزهو وبين الخلق شعث غبر ما أحمر الكبريت يدرى جهال * مع حبه أعطاهم المعارف إن أقسموا يوما أبرّ الحالف * أحبة أدلوا بكلّ إدلال * الحديث الثالث : روينا في الصحيحين عن أبي سعيد الخدرىّ رضي اللّه عنه قال : « جاء رجل فقال : يا رسول اللّه أىّ الناس أفضل ؟ قال : مؤمن يجاهد بنفسه وما له في سبيل اللّه تعالى ، قال : ثم من ؟ قال : ثم رجل يعتزل في شعب من الشعاب يعبد ربه » ، وفي رواية « يتقى اللّه ، ويدع الناس من شرّه » ، وأنشدوا : أخصّ الناس بالإيمان عبد * خفيف الحاذ مسكنه القفار له في الليل حظّ من صلاة * ومن صوم إذا طلع النهار وقوت النفس يأتي في كفاف * وكان له على ذاك اصطبار وفيه عفة وبه خمول * إليه بالأصابع لا يشار وقل الباكيات عليه لما * قضى نحبا وليس به يسار فذلك قد نجى من كلّ شرّ * ولم تمسسه يوم البعث نار * الحديث الرابع : روينا في صحيح البخاري ، عن ابن عمر رضى اللّه عنهما قال : « أخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بمنكبي وقال : كن في الدنيا كأنك غريب ، أو عابر سبيل » وكان ابن عمر رضى اللّه عنهما يقول : إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح ، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء ، وخذ من صحتك لمرضك ، ومن حياتك لموتك . وأنشدنا بعض شيوخنا لبعضهم : أيا فرقة الأحباب لا بد لي منك * ويا دار دنيا إنني راحل عنك ويا قصر الأيام مالي وللمنى * ويا سكرات الموت ما لي وللضحك وما لي لا أبكى لنفسي بعبرة * إذا كنت لا أبكى لنفسي فمن يبكى ألا أي حىّ ليس بالموت موقنا * وأىّ يقين منه أشبه بالشكّ * الحديث الخامس : روينا في كتاب الترمذي ، عن أبي هريرة رضى اللّه عنه ، قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام » قال الترمذي حديث حسن صحيح . وفي مدح الفقر والفقراء قلت
وقائلة ما المجد للمرء والفخر * فقلت لها شئ لبيض العلا مهر فأما بنو الدنيا ففخرهم الغنى * كزهر نضير في غد ييبس الزهر وأما بنو الأخرى ففي الفقر فخرهم * نضارته تزداد ما بقي الدهر * الحديث السادس : روينا في الصحيحين عن أسامة رضي اللّه عنه ، عن النبىّ صلّى اللّه عليه وسلم ، قال : « قمت على باب الجنة ، فكان عامة من دخلها المساكين وأصحاب الجدّ محبوسون ، غير أن أهل النار قد أمر بهم إلى النار . وقمت على باب النار ، فإذا عامة من دخلها النساء » . يعنى بأصحاب الجدّ بفتح الجيم : الأغنياء . ألا يا غوانى من أرادت سعادة * وتوقى عذابا بالنسا صار محدقا فأكثر أهل النار هنّ حقيقة * روينا حديثا فيه صدقا مصدّقا تخلى التباهى تبدّل اللهو بالبكا * وتبذل كل الجهد في الزهد والتقى وتعتاض عن لين بدنيا خشونة * وعن يابس في الدين أخضر مورقا رعى اللّه غزلانا تبيت قوانتا * ويصبح منها القلب بالخوف محرقا تظلّ عن المرعى الخصيب صوائما * ويمسى سمين البطن بالظهر ملصقا ترى بين عين والسهاد تواصلا * وبين الكرى والعين منها تفرّقا وبين معاء ، والغذاء تقاطعا * وبين خلوف المسك والثغر ملتقى ترى ناحلات قارئات مصاحفا * ولؤلؤ بحر الدرّ في الورد مشرقا فدتها من الآفات كل نفوس من * يخالفها في الوصف غربا ومشرقا خليلىّ إن الموت لا شكّ نازل * وبين الأحبا لا يزال مفرّقا فجدّ الدار لا يزال نعيمها * بها الحسن واللذات والملك والبقا ولقيا حسان ناعمات منعم * بهنّ سعيد سعد ذلك من لقا كواعب أتراب زهت في خيامها * بظلّ نعيم قطّ ما مسّها شقا كدرّ وياقوت وبيض نعامة * كساها البها والنور والحسن رونقا مليحات أوصاف تعالت صفاتها * عن الوصف فوق المرتقى وصفها رقى تغنى بما لم تسمع الخلق مثله * وقد حبرت صوتا رخيما مشوّقا غناهنّ : نحن الخالدات فقط ما * نبيد ونحن الناعمات فلا شقا ولا سخط والراضيات بنا المنى * فطوبى لمن كنا له من أولى التقى
الحديث السابع : روينا في الصحيحين أيضا ، عن سهل بن سعد الساعدي رضي اللّه عنه فقال : « مرّ رجل بالنبىّ صلّى اللّه عليه وسلم ، فقال لرجل جالس عنده : ما رأيك في هذا ؟ فقال رجل من أشراف الناس : هذا واللّه حرىّ إن خطب ينكح ، وإن شفع أن يشفع ، فسكت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ثم مرّ رجل آخر فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ما رأيك في هذا ؟ فقال : يا رسول اللّه ، هذا رجل من فقراء المسلمين ، هذا حرىّ إن خطب أن لا ينكح ، وإن شفع أن لا يشفع ، وإن قال لا يسمع لقوله ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، هذا خير من ملء الأرض مثل هذا » . وأنشد بعضهم : لعمرك ما الإنسان إلا ابن دينه * فلا تترك التقوى اتكالا على النسب لقد رفع الإسلام سلمان فارس * وقد وضع الشرك الحسيب أبا لهب وأنشد آخر ، وقيل إنه لعلىّ كرّم اللّه وجهه : دليلك أن الفقر خير من الغنى * وأنّ قليل المال خير من المثرى لقاؤك عبدا قد عصى اللّه بالغنى * ولم تلق عبدا قد عصى اللّه بالفقر ويروى ، للغنى ، وللفقر : باللام . * الحديث الثامن : روينا في الصحيحين أيضا عن أبي موسى الأشعري رضى اللّه عنه ، أن النبىّ صلّى اللّه عليه وسلم قال : « إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء ، كحامل المسك ونافخ الكير ، فحامل المسك إما أن يحذيك ، وإما أن تبتاع منه ، وإما أن تجد منه ريحا طيبة ، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحا منتنة » قوله يحذيك : أي يعطيك ( بلا مقابل ) . وأنشد بعضهم : تجنب قرين السوء واصرم حباله * فإن لم تجد عنه محيصا فداره وأحبب حبيب الصدق واترك مراءه * نتل منه صفو الودّ ما لم تماره وللّه في عرض السماوات جنة * ولكنها محفوفة بالمكاره * الحديث التاسع : روينا في كتاب الترمذي ، عن معاذ بن جبل رضى اللّه تعالى عنه قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول : « قال اللّه عزّ وجلّ : المتحابون
جلالي لهم منابر من نور ، يغبطهم النبيون والشهداء » ، قال الترمذي : حديث صحيح . وفي موطأ الإمام مالك رضى اللّه تعالى عنه بإسناده الصحيح « يقول اللّه تبارك وتعالى : وجبت محبتي للمتحابين فىّ ، والمتجالسين فىّ ، والمتزاورين فىّ ، والمتباذلين فىّ » وأنشد بعضهم في إغباب زيارة الإخوان وقلتها ، واقتصاد الزائر على حسب ما يختار المزور : إذا شئت أن تقلى فزر متواترا * وإن شئت أن تزداد حبا فزر غبا يقولون لا تملل زيارة صاحب * فإنك إن أمللته كره القربا وأنشد بعضهم : يقلّ إخائى عند من زرت بيته * كثيرا ولكني أقلّ فأكثر وإن زرت من لا يشتهى أن أزوره * كثيرا فما لومى له حين يضجر وأنشد آخر : عليك بإقلال الزيارة إنها * تكون إذا دامت إلى الهجر مسلكا فإني رأيت الغيث يسأم دائما * ويسئل بالأيدي إذا هو أمسكا * الحديث العاشر : روينا في الصحيحين ، عن أبي هريرة رضى اللّه عنه ، عن النبىّ صلّى اللّه عليه وسلم ، قال : « سبعة يظلهم اللّه تحت ظله ، يوم لا ظلّ إلا ظله : إمام عادل ، وشاب نشأ في عبادة اللّه تعالى ، ورجل قلبه معلق بالمسجد ، ورجلان تحابا في اللّه عزّ وجلّ ، اجتمعا عليه وافترقا عليه ، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال : إني أخاف اللّه تعالى ، ورجل تصدّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ، ورجل ذكر اللّه خاليا ففاضت عيناه » وفي هذا الحديث قلت هذه القصيدة المسماة : معالى الرفعة في حديث السبعة : روينا حديثا في الصحيحين سبعة * يظلهم المولى بخير ظلال يظلهمو في ظله اللّه يوم لا * سوى ظله ظلّ فهاك مقالى إمام له عدل ومن في عبادة * نشا بالتقى للّه لا بضلال ومن قلبه يهوى المساجد دائما * تعلقه فيها بغير زوال
وشخصان في اللّه الكريم تحاببا * بحال افتراق منهما ووصال وإني أخاف اللّه من قال عندما * دعت ذات عالي منصب وجمال ومصدق أخفى التصدّق لم يكن * بما أنفقت يمناه علم شمال ومن ذكر الربّ المهيمن خاليا * ففاضت به عيناه خوف نكال وخوف القلى والهجر بعد وصاله * وشوقا إلى رؤيا جمال جلال فأكرم بهم من سبعة طيبي الثنا * وأكرم بها في القوم سبع خصال وأكرم به فخرا سما كلّ مفخر * ومجد فعال فوق كلّ فعال بمقعد صدق تحت عرش مليكهم * تجلى لهم باهى جمال كمال تراهم ملوكا فوق نجب من البها * وغرفات درّ كالنجوم عوال على سرر الياقوت في فرش سندس * وحور من النور المضئ غوال وما تشتهيه النفس من كلّ لذّة * ومن زينة والكلّ ليس ببال وما لم ترى عين وتسمع أذن ذي * سماع ويخطر للأنام ببال هنيئا لهم طوبى لهم تمّ سعدهم * أنيلوا نوالا خير كلّ نوال قلت : وهذه الأحاديث العشرة كلها صحاح كما ترى ، وهذه أحاديث أخرى رواها جماعة من الأئمة بأسانيدهم في كتبهم . منها ما رووا عن أنس بن مالك رضي اللّه عنه ، أن النبىّ صلّى اللّه عليه وسلم قال : « بدلاء أمتي أربعون رجلا ، اثنان وعشرون بالشام ، وثمانية عشر بالعراق ، كلما مات منهم واحد ، أبدل اللّه مكانه آخر ، فإذا جاء الأمر قبضوا » * ورووا عن ابن مسعود رضى اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « إن للّه تبارك وتعالى في الأرض ثلاث مئة رجل قلوبهم على قلب آدم عليه السّلام ، وله أربعون قلوبهم على قلب موسى عليه السّلام ، وله سبعة قلوبهم على قلب إبراهيم عليه السّلام ، وله خمسة قلوبهم على قلب جبريل عليه السّلام ، وله ثلاثة قلوبهم على قلب ميكائيل عليه السّلام ، وله واحد قلبه على قلب إسرافيل عليه السّلام ، فإذا مات الواحد أبدل اللّه مكانه من الثلاثة ، وإذا مات من الثلاثة أبدل اللّه مكانه من الخمسة ، وإذا مات من الخمسة أبدل اللّه مكانه من السبعة ، وإذا مات من السبعة أبدل اللّه مكانه من الأربعين ، وإذا مات من الأربعين أبدل اللّه مكانه من الثلاث
وإذا مات من الثلاث مئة أبدل اللّه مكانه من العامة ، يدفع بهم البلاء عن هذه الأمة » . وذكر بعضهم عزرائيل ولم يذكر موسى وجعل مكانه إبراهيم ، ومكان إبراهيم جبريل ، ومكان جبريل ميكائيل ، ومكان ميكائيل إسرافيل ، ومكان إسرافيل عزرائيل ، صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين ، والواحد المذكور في هذا الحديث ، هو القطب ، وهو الغوث ، ومكانته من الأولياء كالنقطة من الدائرة التي هي مركزها ، به يقع صلاح العالم . وقال بعضهم : لم يذكر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قلبه في جملة قلوب الأنبياء والملائكة والأولياء ، وإذ لم يخلق اللّه تعالى في عالم الخلق والأمر أعزّ وألطف وأشرف من قلبه صلّى اللّه عليه وسلم ، فقلوب الملائكة والأنبياء والأولياء ، صلوات اللّه وسلامه عليهم بالإضافة إلى قلبه ، كإضافة سائر الكواكب إلى كمال الشمس * وقال الشيخ العارف أبو الحسن النوري رضى اللّه عنه : شاهد الحقّ القلوب ، فلم ير قلبا أشوق إليه من قلب سيدنا محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، فأكرمه بالمعراج تعجيلا للرؤية والمكالمة * وقال الشيخ العارف بحر المعارف ذو النون المصري رضى اللّه عنه : ركضت أرواح الأنبياء في ميدان المعرفة ، فسبقت روح نبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلم أرواح الأنبياء إلى رياض الوصال . * ورووا عن علىّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه أنه قال : البدلاء بالشام ، والنجباء بمصر ، والعصائب بالعراق ، والنقباء بخراسان ، والأوتاد بسائر الأرض ، والخضر عليه السّلام سيد القوم * وعن الخضر عليه السّلام أنه قال : ثلاث مئة هم الأولياء ، وسبعون هم النجباء ، وأربعون هم أوتاد الأرض ، وعشرة هم النقباء ، وسبعة هم العرفاء ، وثلاثة هم المختارون ، وواحد منهم هو الغوث رضى اللّه تعالى عنهم أجمعين * ورووا عن أبي الدرداء رضي اللّه عنه أنه قال : إن للّه عبادا يقال لهم الأبدال ، لم يبلغوا ما بلغوا بكثرة الصوم والصلاة والتخشع وحسن الحلية ، ولكن بلغوا بصدق الورع وحسن النية ، وسلامة الصدور والرحمة لجميع المسلمين ، اصطفاهم اللّه بعلمه ، واستخلصهم لنفسه ، وهم أربعون رجلا على مثل قلب إبراهيم صلّى اللّه عليه وسلم ، لا يموت الرجل منهم حتى يكون اللّه قد أنشأ من يخلفه . واعلم أنهم لا يسبون شيئا ولا
يلعنونه ، ولا يؤذون من تحتهم ولا يحتقرونه ، ولا يحسدون من فوقهم ، أطيب الناس خيرا ، وألينهم عريكة ، وأسخاهم نفسا ، لا تدركهم الخيل المجراة ، ولا الرياح العواصف فيما بينهم وبين ربهم ، إنما قلوبهم تصعد في السقوف العلى ، ارتياحا إلى اللّه تعالى في استباق الخيرات ( أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ، أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) وهذا بعض كلامه . * ورووا عن البراء بن عازب رضي اللّه عنه أنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « إن للّه خواصا يسكنهم الرفيع من الجنان ، كانوا أعقل الناس ، قال قلنا يا رسول اللّه ، فكيف كانوا أعقل الناس ؟ قال : كان همتهم المسابقة إلى ربهم عزّ وجلّ ، والمسارعة إلى ما يرضيه ، وزهدوا في الدنيا وفي فضولها ، وفي رياستها ونعيمها ، فهانت عليهم ، فصبروا قليلا واستراحوا طويلا » * ورووا عن أنس بن مالك رضي اللّه عنه قال : بعثت الفقراء إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم رسولا ، فقال : يا رسول اللّه إني رسول الفقراء إليك ، فقال : مرحبا بك وبمن جئت من عندهم ، جئت من عند قوم أحبهم ، فقال : يا رسول اللّه إن الفقراء يقولون لك إن الأغنياء قد ذهبوا بالخير كله » ورواه بعضهم « ذهبوا بالجنة ، هم يحجون ولا نقدر عليه ، ويتصدّقون ولا نقدر عليه ، ويعتقون ولا نقدر عليه ، وإذا مرضوا بعثوا بفضل أموالهم ذخرا لهم ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : بلغ الفقراء عنى أن لمن صبر واحتسب منهم ثلاث خصال ليس للأغنياء منها شئ : أما الخصلة الأولى : فإن في الجنة غرفا من ياقوت أحمر ينظر إليها أهل الجنة كما ينظر أهل الدنيا إلى النجوم في السماء ، ولا يدخلها إلا نبىّ أو فقير أو شهيد فقير أو مؤمن فقير . والخصلة الثانية : تدخل الفقراء إلى الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم ، وهو مقدار خمسمائة عام . والخصلة الثالثة : إذا قال الفقير : سبحان اللّه والحمد للّه ولا إله إلا اللّه واللّه أكبر مخلصا ، وقال الغنىّ مثل ذلك ، لم يلحق الغنى بالفقير في فضله وتضاعف الثواب وإن أنفق الغنىّ معها عشرة آلاف درهم ، وكذلك أعمال البرّ كلها فرجع إليهم الرسول فأخبرهم بذلك ، فقالوا : رضينا يا ربّ رضينا » * ورووا عن الحسن البصرىّ رضي اللّه عنه ، أنه روى عن النبىّ صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « أكثروا من معرفة الفقراء ، واتخذوا عندهم الأيادى ، فإن لهم دولة ، قالوا : يا رسول اللّه وما دولتهم ؟ فقال صلّى اللّه عليه وسلم : إذا كان يوم القيامة ، قيل لهم انظروا إلى من أطعمكم كسرة
أو كساكم ثوبا أو سقاكم شربة في الدنيا ، فخذوا بيده ثم أفيضوا به إلى الجنة » . * ورووا عن الحسن أيضا رضي اللّه عنه بروايته عن النبىّ صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « يؤتى بالعبد الفقير يوم القيامة فيعتذر اللّه عزّ وجلّ إليه ، كما يعتذر الرجل إلى الرجل في الدنيا ، فيقول اللّه عزّ وجلّ : وعزّتى وجلالي ما زويت الدنيا عنك لهوانك علىّ ، ولكن لما أعددت لك من الكرامة والفضيلة ، ولكن يا عبدي اخرج إلى هذه الصفوف وانظر إلى من أطعمك أو كساك وأراد بذلك وجهي ، فخذ بيده فهو لك ، والناس يومئذ قد ألجمهم العرق ، فيتخلل الصفوف وينظر من فعل به ذلك ؛ في الدنيا ، فيأخذ بيده ويدخله الجنة » . * ورووا نحو هذا بأسانيدهم عن أنس بن مالك رضي اللّه عنه ، عن النبىّ صلّى اللّه عليه وسلم ، وقال فيه : « فانظر إلى من أطعمك أو سقاك أو كساك » ثم ذكر الحديث . * ورووا « إن اللّه تعالى أوحى إلى موسى صلّى اللّه عليه وسلم : يا موسى ، إن من عبادي من لو سألني الجنة بحذافيرها لأعطيته ، ولو سألني علاقة سوط من الدنيا لم أعطه ، وليس ذلك من هوان له علىّ ، ولكني أريد أن أدخر له في الآخرة من كرامتي ، وأحميه من الدنيا كما يحمى الراعي غنمه من مراعى الذئب » . * ورووا عن ابن عمر رضى اللّه عنهما قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « لكلّ شئ مفتاح ، ومفتاح الجنة حبّ المساكين والفقراء الصادقين الصابرين ، هم جلساء اللّه يوم القيامة » . * ورووا عن النبىّ صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « اللهمّ أحيني مسكينا وأمتنى مسكينا واحشرنى في زمرة المساكين » . * ورووا الحديث المشهور ، قيل يا رسول اللّه هل لذلك من علامة ؟ قال صلّى اللّه عليه وسلم : نعم ، التجافي عن دار الغرور ، والإنابة إلى دار الخلود ، والاستعداد للموت قبل نزوله » . قلت : فعلى هذا لا يكون النور المذكور إلا لقلب زاهد في الدنيا . * والحديث الحسن في الترمذىّ وغيره عن شدّاد بن أوس رضى اللّه عنه ، عن النبىّ صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على اللّه الأماني » قال العلماء : معنى دان نفسه : أي حاسبها * ورووا عن زيد بن أسلم رضى اللّه عنه ، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إذا أخرج رجل غنىّ من عرض ماله مائة ألف درهم فتصدّق بها ،
وأخرج رجل فقير درهما واحدا من درهمين لا يملك غيرهما طيبة به نفسه ، صار صاحب الدرهم الواحد أفضل من صاحب مائة ألف درهم » . قلت : ويؤيده قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « سبق درهم مائة ألف درهم » الحديث أخرجه الإمام أبو عبد الرحمن النسائي في سننه ، وإلى ذلك أشرت حيث قلت : لئن كان للأموال فخر على الثرى * فللفقر فخر بالثريا معلق وإن أنفق المثرى ألوفا عديدة * فدرهم أهل الفقر يا صاح يسبق وأشرت أيضا إلى ذلك بأوضح من هذا حيث قلت : روينا حديثا بالأسانيد مثبتا * وفي النسائي يلقاه من يتصفح على مائة مع مثلها ألف مرة * لصاحب دنيا درهم الفقر يرجح إذا جاد ذا من درهمين بواحد * ومن عرض مال ذاك في تلك يسمح ويدلّ على فضل صدقة الفقير أيضا قوله تعالى ( وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ ) ، وقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « أفضل الصدقة جهد المقل » . والأخبار في فضائلهم خارجة عن الحصر . ولنقتصر منها على هذا القدر . وأما الآثار عن السلف الصالحين ، والأئمة العاملين رضى اللّه عنهم أجمعين ، فخارجة عن الحصر أيضا . وها أنا أذكر منها نبذة يسيرة محذوفة الأسانيد ، طلبا للاختصار ، وخوفا من الملل في الإكثار . * فعن الضحاك رضى اللّه عنه قال : من مرّ في السوق فرأى شيئا يشتهيه ، لا يقدر عليه فصبر واحتسب ، كان خيرا له من ألف دينار ينفقها كلها في سبيل اللّه تعالى * وعن أبي سليمان الدارانى رضي اللّه عنه قال : تنفس فقير دون شهوة لا يقدر عليها أفضل من عبادة غنىّ ألف عام * وعن إمام الورعين وعلم الزاهدين وسرّ العارفين أبى نصر بشر بن الحارث رضى اللّه عنه قال : العبادة من الفقير كعقد جوهر على جيد حسناء ، والعبادة من الغنىّ كشجرة خضراء على مزبلة . وقيل : ثياب الفقراء من الصوف الخشن والمرقعات والسواد إذا لبسها الزهاد كانت عليهم بهجة ، وإذا لبسها غيرهم كانت عليهم سمجة . * وعن ابن وهب رحمه اللّه قال : وقع حريق في حىّ مالك بن دينار ، فقال شباب الحىّ : منزل أبى يحيى
مالك بن دينار ، منزل أبى يحيى مالك بن دينار ، منزل أبى يحيى مالك بن دينار ، فخرج عليهم مالك متزرا ببارية وفي يده مطهرة وهو يقول : نجا المخفون ، أو قال : فاز المخفون نحن وأنتم ، أو قال : منا ومنكم يوم القيامة . وقال أيضا : يا معاشر الأغنياء موتوا كمدا ، فإن العيش عيش الآخرة ، أو قال في الدار الآخرة . وأيضا درهم الفقير أزكى عند اللّه من دينار الغنىّ . * وعن أبي الدرداء أنه قال : أهل الأموال يأكلون ونأكل ، ويشربون ونشرب ، ويلبسون ونلبس ، ولهم فضول أموال ينظرون إليها وننظر إليها معهم ، وهم يحاسبون عليها ونحن برآء منها ، وقال أيضا ما أنصفنا إخواننا الأغنياء يحبوننا في اللّه تعالى ويفارقوننا في الدنيا ، وإنه سيأتي يوم يسرّهم أن أن يكونوا بمنزلتنا ، ولا يسرّنا أن نكون بمنزلتهم ، وفي هذا المعنى قلت : ولا قط تغبط أهل دنيا فإنهم * غدا يغبطونك يحزنون وتفرح فما ذاك إلا فتنة أىّ فتنة * بها نطقت طه عن الحقّ تفصح أعنى قوله تعالى في سورة طه ( وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ، وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى ) ، وعن أبي الدرداء رضي اللّه عنه أيضا أنه كان يوما جالسا فأتته امرأة فقالت أتجلس بين هؤلاء ؟ فو اللّه ما في البيت هفة ولا سنة من دقيق ، فقال يا هذه إن بين أيدينا عقبة كئودا لا ينجو منها إلا كل مخفّ ، فرجعت وهي راضية : وعن بعض الشيوخ الأكابر : أنه جاءه إنسان فقال : ادع اللّه لي فقد أضرنى العيال ، فقال له الشيخ رضي اللّه عنه : إذا قال لك عيالك ما عندنا دقيق ولا خبز فادع اللّه فإن دعاءك أرجى من دعائي لك في تلك الساعة * وعن بعضهم أيضا : أنه قال له أولاده : ما عندنا عشاء ، فقال : نحن أهون على اللّه من أن يجوّعنا ، إنما يجوّع أحبابه ، أو قال أولياءه * وكان بعضهم يقول إذا أقبل الفقر : مرحبا بشعار الصالحين * وعن الإمام أحمد بن حنبل رضي اللّه عنه : أنه سئل عن استعاذة النبي صلّى اللّه عليه وسلم من الفقر وقد أخبر بما فيه من الثواب ، فقال : أنما معناه فقر القلب لا فقر اليد كما أن الغنى غنى القلب لا غنى اليد * وعن الأستاذ أبى القاسم الجنيد رضي اللّه عنه : أنه جاءه إنسان بخمس مئة درهم ووضعها بين يديه ، وقال تفرقها على هؤلاء الجماعة ، فقال ألك غيرها ؟
قال نعم لي دنانير كثيرة ، قال أتحب زيادة عليها ؟ قال نعم ، قال الجنيد خذها فأنت أحوج إليها منا ولم يقبلها . وأنشد بعض الأخيار : لكسرة من جريش الخبز تشبعنى * وشربة من قراح الماء تروينى وخرقة من خشين الثوب تسترنى * حيا وإن مت تكفيني لتكفيني ولبعضهم أيضا : حذفت فضول النفس حتى رددتها * إلى دون ما يرضى به المتعفف وأملت أن أجرى خفيفا إلى العلى * فإن رمتم أن تلحقوا بي فخففوا لأبتذلنّ النفس حتى أصونها * وغيرى في قيد من الذل يرسف حملت جبال الحب فوقى وإنني * لأعجز عن حمل القميص وأضعف وروى أن الطراز المعلم طيب الثناء جميل الشيم إبراهيم بن أدهم رضي اللّه عنه : أتاه رجل بعشرة آلاف درهم ، فأبى أن يقبلها وقال : تريد أن تمحو اسمى من ديوان الفقراء بعشرة آلاف درهم ؟ لا أفعل ذلك . وللّه در القائل حيث قال : ولست بميال إلى جانب الغنى * إذا كانت العلياء في جانب الفقر وعن الإمام الجليل السيد الحفيل عبد اللّه بن المبارك رضي اللّه عنه : أنه سئل : من الناس ؟ فقال العلماء ، قيل : فمن الملوك ؟ قال الزهاد ، قيل : فمن السفلة ؟ قال الذي يأكل بدينه * وعن إبراهيم بن أدهم رضي اللّه عنه أنه قال : طلبت أبناء الدنيا الراحة في الدنيا فأخطأوا ، ولو علموا أن الملك ما نحن فيه لقاتلونا عليه بالسيف * وعن ذي النون المصري رضي اللّه عنه قال : الزهاد ملوك الآخرة ، وهم فقراء العارفين باللّه تعالى : وعن الشيخ الكبير أبى مدين الشهير رضى اللّه عنه قال : الملك ملكان : ملك البلاد ، وملك قلوب العباد ، والملوك على الحقيقة هم الزهاد . وقال جماعة من العلماء منهم الإمام الشافعي رضي اللّه عنه : إذا أوصى إنسان بماله لأعقل الناس صرف إلى الزهاد في الدنيا * وقال الشيخ الكبير العارف باللّه الخبير أبو عبد اللّه القرشي رضي اللّه عنه : من فوائد الفقر وثمراته وجود ألم الجوع
والعرى والتلذذ بهما والزيادة منهما والمنافسة فيهما . وأنشدوا في ذلك : قالوا غدا العيد ماذا أنت لابسه * فقلت خلعة ساق حبه جرعا فقر وصبرهما ثوباى تحتهما * قلب يرى إلفه الأعياد والجمعا أحرى الملابس أن تلقى الحبيب به * يرم التزاور في الثوب الذي خلعا الدهر لي مأتم إن غبت يا أملى * والعيد ما كنت لي مرأى ومستمعا وعن قطب الإخوان كبير الشأن أبى يزيد البسطامي رضي اللّه عنه أنه قال : إن للّه عبادا لو حجبهم في الجنة عن رؤيته لاستغاثوا من الجنة كما يستغيث أهل النار من النار * وعن الشيخ الكبير باللّه تعالى أبى عثمان المغربي رضي اللّه عنه أنه قال : العارف باللّه تضئ له أنوار العلم فينظر بها عجائب الغيب * وعن الشيخ الكبير العارف باللّه تعالى أبي سعيد الخراز رضي اللّه عنه أنه قال : إذا أراد اللّه أن يتولى عبدا من عبيده فتح عليه باب ذكره ، فإذا استلذّ الذكر فتح عليه باب القرب ، ثم رفعه إلى مجالس الأنس ، ثم أجلسه على مرسى التوحيد ، ثم رفع عنه الحجاب ، وأدخله دار الفردانية ، وكشف له حجاب الجلال والعظمة ، فإذا وقع بصره على الجلال والعظمة بقي بلاهو ، فحينئذ صار العبد زمنا فانيا ، فوقع في حفظه سبحانه وتعالى برئ من دواعي نفسه * وقال إبراهيم بن أدهم رضي اللّه عنه لرجل : أتحبّ أن تكون وليا للّه ؟ قال نعم ، فقال : لا ترغب في شئ من الدنيا والآخرة ، وفرّغ نفسك للّه تعالى وأقبل بوجهك وكليتك عليه ، ليقبل عليك ويواليك * وقال الشيخ أبو نصر السراج رضي اللّه عنه : الناس في الأدب على ثلاث طبقات : أما أهل الدنيا فأكثر آدابهم في الفصاحة والبلاغة وحفظ العلوم وأسمار الملوك وأشعار العرب . وأما أهل الدين فأكثر آدابهم في رياضة النفس وتأديب الجوارح ، وحفظ الحدود ، وترك الشهوات . وأما أهل الخصوصية فأكثر آدابهم في طهارة القلوب ، ومراعاة الأسرار ، والوفاء بالعهود ، وحفظ الوقت ، وقلة الالتفات إلى الخواطر ، وحسن الأدب في مواقف الطلب ، وأوقات الحضور ، ومقامات القرب * وقال الشيخ الكبير إمام السالكين حجة اللّه على العارفين ، قطب المقامات ، كثير الكرامات أبو محمد سهل بن عبد اللّه رضي اللّه عنه : أعمال البرّ كلها في صحائف الزاهدين * قلت : هذا قول عارف صديق
في نهاية التصديق ، وبيانه مختصرا أن أهل الدنيا يخرج بعضهم بعض ماله في بعض أعمال البرّ ، وهو يحبّ كثرة المال واتساعه ، ويتعرّض للفتنة ويشغله عن أنواع الطاعة ، والزهاد خرجوا عن الكل للّه تعالى بالفعل والنية بغضا للدنيا وتفرّغا للطاعات السنية ، وجمعوا بين العبادات القلبية والبدنية والمالية ، واطلع الحقّ سبحانه وتعالى على قلوبهم ، فلم يجد فيها حبا لغيره ، فأكرمهم بقربه ، ووهب لهم ما لا تفهمه العقول من فضله وخيره ، اللهمّ لا تحرمنا خيرك لشرّنا ، وهب لنا من فضلك العظيم ، واجعل بك شغلنا بجاه نبيك محمد الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم ، إنك الملك المنان ذو الفضل العظيم . فهذه قطرة من بحار فضائلهم اقتصرت عليها ، وإن يكن في بعض الأحاديث التي ذكرتها ضعف ، ففي الأحاديث الصحيحة كفاية . منها قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « هذا خير من ملء الأرض مثل هذا » أخرجاه في الصحيحين كما ذكرنا ، وقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « ربّ أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على اللّه لأبرّه » أخرجاه أيضا في الصحيحين كما تقدم ، وقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « قمت على باب الجنة ، فكان عامة من دخلها المساكين ، وأصحاب الجدّ محبوسون » أخرجه مسلم في صحيحه كما مضى ، وقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام » أخرجه الترمذي في جامعه ، وقال : حديث حسن صحيح كما ذكرناه ، وغير ذلك من الأحاديث الصحيحة ، ويكفى حاله صلّى اللّه عليه وسلم وما كان عليه من النظر ، ورفض الدنيا كما هو مشهور في الأحاديث ، وكذلك حال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والأولياء والسلف الصالحين رضى اللّه عنهم * وقال الإمام الكبير العارف باللّه الخبير ، المحقق الورع الشهير أبو عبد اللّه الحارث بن أسد المحاسبي رضى اللّه عنه ، بعد أن ذكر العلماء المائلين إلى الدنيا : يزعمون أن أصحاب محمد صلّى اللّه عليه وسلم كانت لهم أموال ، فيحتجّ المغرورون بذكر الصحابة رضى اللّه عنهم ليعذرهم الناس على جمع المال ، وقد دهاهم الشيطان وما يشعرون ، ويحك أيها المفتون احتجاجك بمال عبد الرحمن بن عوف رضي اللّه عنه مكيدة من الشيطان ، ينطق بها على لسانك لتهلك ، لأنك متى زعمت أن أخيار الصحابة رضى اللّه عنهم أرادوا المال للتكاثر والشرف والزينة ، فقد اغتبت السادة ونسبتهم إلى أمر عظيم ، ومتى زعمت أن جمع المال الحلال أعلى وأفضل من تركه ، فقد أزريت بسيدنا
محمد صلّى اللّه عليه وسلم وبالمرسلين ، صلوات اللّه وسلامه عليه وعليهم أحمعين ، ونسبتهم إلى الجهل إذ لم يجمعوا المال كما جمعت ، ومتى زعمت أن جمع المال الحلال أعلى من تركه ، فقد زعمت أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لم ينصح أمته إذ نهاهم عن جمع المال ، كذبت وربّ السماء على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، بل كان صلّى اللّه عليه وسلم للأمة ناصحا ، وعليهم مشفقا ، وبهم رؤوفا رحيما ؛ ويحك أيها المفتون هذا عبد الرحمن بن عوف رضى اللّه عنه في فضله وتقاه وصنائعه المعروفة ، وبذله الأموال في سبيل اللّه تعالى مع صحبته لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وبشراه بالجنة ، يوقف في عرصة القيامة وأهوالها بسبب مال اكتسبه من حلال للتعفف وصنائع المعروف ، وأنفق منه قصدا وأعطى في سبيل اللّه سبحانه ، منع من السعي إلى الجنة مع الفقراء المهاجرين ، وصار يحبو في آثارهم حبوا ، فما ظنك بأمثالنا الغرقى في فتن الدنيا ؟ وبعد : فالعجب كلّ العجب من كلّ مفتون متمرغ في تخاليط الشبهات والسحت ، يكالب على أوساخ الناس ، ويتقلب في الشهوات والزينة والمباهاة وفتن الدنيا ثم يحتجّ بعبد الرحمن بن عوف رضي اللّه عنه ، ثم قال المحاسبي رضي اللّه عنه بعد كلام طويل حسن ذكر فيه الصحابة رضى اللّه عنهم : كانوا للمسكنة محبين ، ومن خوف الفقر آمنين ، وباللّه تعالى في أرزاقهم واثقين ، وبمقادير اللّه عزّ وجلّ مسرورين ، وفي البلاء راضين ، وفي الرخاء شاكرين ، وفي الضرّاء صابرين ، وفي السرّاء حامدين ، وكانوا للّه متواضعين ، وعلى أنفسهم مؤثرين ، وعن حبّ العلو والتكاثر ورعين ، وكانوا إذا أقبلت عليهم الدنيا حزنوا ، وإذا أقبل عليهم الفقر قالوا : مرحبا بشعار الصالحين ، فباللّه عليك أكذلك أنت ؟ واللّه إنك لبعيد الشبه بالقوم ، حالك ضد أحوالهم ، تطغى عند الغنى ، وتبطر عند الرخاء ، وتفرح عند السرّاء ، وتغفل عند أداء شكر النعماء ، وتقنط عند الضرّاء ، وتسخط عند البلاء ، ولا ترضى بالقضاء ، وتبغض الفقر ، وتأنف من المسكنة ، وتجمع المال لتنعم بالدنيا وزهرتها وشهواتها ولذاتها ، ولقد كانوا فيما أحلّ اللّه لهم أزهد منك فيما حرّم اللّه عليك ، وكانوا للزلة الصغرى أشدّ استعاظاما منك من كبار المعاصي ، فليت أطيب أموالك وأحلها مثل شبهات أموالهم ، وليتك أشفقت من سيئاتك كما أشفقوا من حسناتهم أن لا تقبل ، وليت صومك مثل إفطارهم ، وسهرك مثل نومهم ، وليت حسناتك مثل واحدة من حسناتهم ، ويحك
ينبغي لك أن ترضى بالبلغة ، وتعتبر بذوي الأموال إذا وقفوا للسؤال ، وتسبق في الرعيل الأول في زمرة المصطفى صلّى اللّه عليه وسلم لا حبس عليك ولا حساب ، فقد قال صلّى اللّه عليه وسلم « يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمس مئة عام » . انتهى كلام المحاسبي رحمه اللّه ، وهذا بعض كلامه * وقال بعض الشيوخ الكبار : رأيت النبىّ صلّى اللّه عليه وسلم في المنام وهو يحدثني بفضائل الفقراء ، وشرف الفقير على الغنى ، فحفظت من قوله صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال لي : حسبك أن عائشة رضى اللّه عنها تدخل الجنة قبل أغنيائها بخمس مئة عام ، وإن ابنتي فاطمة رضوان اللّه عليها تدخل الجنة قبل عائشة بأربعين سنة ، لأنها نالت من الدنيا أقل من عائشة رضوان اللّه عليهما . * وروينا عن الشيخ العارف الجليل المعظم أبى عبد الرحمن حاتم الأصمّ رضي اللّه عنه أنه دخل الرىّ ومعه ثلاث مئة وعشرون رجلا يريدون الحج ، وعليهم جباب الصوف ، وليس معهم جراب ولا طعام ، فدخلوا على رجل من التجار متقشف يحبّ المساكين ، فأضافهم تلك الليلة فلما كان من الغد قال الرجل لحاتم : ألك حاجة ؟ فإني أريد أن أعود فقيها لنا هو عليل ، فقال حاتم : عيادة المريض فيها فضل ، والنظر إلى الفقيه عبادة ، وأنا أجىء أيضا معك ، وكان العليل محمد بن مقاتل قاضى الرىّ ، فلما جاءوا إلى الباب إذا هو يشرق حسنا ، فبقى حاتم متفكرا يقول : يا رب عالم على هذا الحال ؟ ثم أذن لهم فدخلوا ، فإذا دار قوراء لها سعة وفيها ستور ، فبقى حاتم رضي اللّه عنه متفكرا ثم دخلوا إلى المجلس الذي هو فيه ، فإذا بفرش وطيئة ، وهو راقد عليها ، وعند رأسه غلام وبيده مذبة ، فقعد الرازي وحاتم قائم ، فأومأ إليه ابن مقاتل أن اجلس ، فقال لا أجلس فقال لعلّ لك حاجة ؟ فقال نعم ، فقال ما هي ؟ قال مسألة أسألك عنها ، فقال : سل ، قال قم فاستو جالسا حتى أسألك ، فاستوى جالسا ، قال حاتم رضي اللّه عنه : علمك هذا من أين أخذته ؟ قال من الثقات حدثونى به ، قال عمن ؟ قال عن أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، قال : وأصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عمن ؟ قال عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، قال : والنبي صلّى اللّه عليه وسلم عمّن ؟ قال : عن جبريل عليه السّلام ، قال : وجبريل عليه السّلام عمن ؟ قال : عن اللّه عزّ وجلّ ، قال حاتم : ففيما أداه جبريل عن اللّه تبارك وتعالى إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وأداه النبي صلّى اللّه عليه وسلم إلى أصحابه رضى اللّه عنهم ، وأصحابه إلى الثقات ، والثقات إليك ، هل سمعت من كان في داره أميرا وكان
في داره الثروة والمتاع الحسن ، وكانت داره واسعة كانت له عند اللّه تعالى المنزلة الكبرى ؟ قال لا ، قال فكيف سمعت ؟ قال سمعت من زهد في الدنيا ورغب في الآخرة وقدم لآخرته وأحبّ المساكين كانت له عند اللّه المنزلة الكبرى العالية ، قال : فأنت بمن اقتديت ؟ أبالنبى صلّى اللّه عليه وسلم وبأصحابه الصالحين ؟ أم بفرعون وهامان ؟ يا علماء السوء ، مثلكم يراه الجاهل المتكالب على الدنيا الراغب فيها ، فيقول : العالم على هذه الحالة ، لا أكون أنا شرّا منه ، ثم خرج من عنده فازداد ابن مقاتل مرضا * وأنشدوا في أن السعادة بالتقوى لا بالدنيا ولا بجمع المال : ولست أرى السعادة جمع المال * ولكن التقى هو السعيد فتقوى اللّه خير الزاد ذخرا * وعند اللّه للأتقى مزيد وما لابدّ أن يأتي قريب * ولكن الذي يمضى بعيد قلت : وحاتم الأصمّ المذكور رضي اللّه عنه من كبار شيوخ الصوفية ، وقد اجتمع به الإمام أحمد بن حنبل رضي اللّه عنه وسمع كلامه وسأله ؛ فأجابه واستحسن جوابه ، ولم تزل العلماء الصلحاء قديما وحديثا يعتقدون طائفة الصوفية ويزورونهم ويتبركون بمجالستهم ودعائهم وآثارهم ، من ذلك ما جاء عن الإمام سفيان الثورىّ في مجالسته لرابعة رضى اللّه عنها وتأدّبه معها . وما جاء عن الإمامين : الشافعي ، وأحمد في مجالستهما لشيبان الراعي رضى اللّه عنهم ، وحكايته المشهورة معهما ، فقد روينا أن الإمام أحمد كان عند الشافعي ، فجاء شيبان الراعي ، فقال أحمد : أريد يا أبا عبد اللّه أن أنبه هذا على نقصان علمه ليشتغل بتحصيل بعض العلوم . فقال له الشافعي : لا تفعل ، فلم يسمع ، فقال لشيبان : ما تقول فيمن نسي صلاة من خمس صلوات في اليوم والليلة ، ولم يدر أي صلاة نسيها ، ما الواجب عليه يا شيبان ؟ فقال شيبان : يا أحمد هذا قلب غفل عن اللّه ، فالواجب أن يؤدب حتى لا يغفل عن مولاه ثم يعيدهنّ بعد ، فغشى على أحمد . وفي رواية أخرى : فالواجب أن أن يؤدب بإعادة الخمس ، فلما أفاق أحمد من غشيته ، قال الإمام الشافعي : ألم أقل لك لا تحرّك هذا ؟ . وفي رواية أخرى أنه سأله عن الزكاة أيضا في كم تجب ؟ فقال شيبان : أما على مذهبكم فتجب في الإبل في كذا وكذا ، وفي البقر في كذا
وكذا ، وفي الغنم في كذا وكذا وفي الفضة في كذا وكذا وفي الذهب في كذا وكذا ، وفي الزرع والثمار في كذا وكذا ، وأما على مذهبي فالكل له ، وستجىء حكايته فيما بعد مع الإمام سفيان الثوري رضى اللّه تعالى عنهما لما اعترض لهم الأسد في طريق الحج * وكذلك روينا أن فقيها من أكابر الفقهاء كانت حلقته بجنب حلقة الشيخ الكبير العارف باللّه تعالى أبى بكر الشبلي رضى اللّه عنه في جامع المنصور ، وكان يقال لذلك الفقيه أبو عمران ، وكان يتعطل عليه وعلى أصحابه حلقتهم بكلام الشبلي ، فسأل أصحاب أبي عمران يوما الشبلي عن مسئلة في الحيض وقصدوا إخجاله فذكر مقالات الناس في تلك المسئلة والخلاف فيها ، فقام أبو عمران وقبل رأس الشبلي وقال : يا أبا بكر استفدت في هذه المسئلة عشر مقالات لم أسمعها ، وكان عندي من جملة ما قلت ثلاثة أقاويل * وكذلك روينا أنه اجتاز أبو العباس بن سريج الفقيه الإمام الشافعي المذهب الملقب بالباز الأشهب ؛ بمجلس الأستاذ الإمام العارف بحر المعارف ، أبى القاسم الجنيد رضى اللّه عنهما ، فسمع كلامه ، فقيل ما تقول في هذا ؟ فقال : لا أدرى ما أقوله ، ولكني أقول : أرى لهذا الكلام صولة ليست بصولة مبطل ؛ وما مات ابن سريج حتى اعتقد الصوفية واستحسن طريقهم . وقال بعضهم : حضرت مجلس أبى العباس بن سريج فتكلم في الفروع والأصول بكلام حسن أعجبت منه ، فلما رأى إعجابي قال : أتدري من أين هذا ؟ هذا من بركة مجالستى أبا القاسم الجنيد . وقيل لعبد اللّه بن سعيد بن كحلان : أنت تتكلم على كلام كل أحد ، وههنا رجل يقال له الجنيد ، فانظر هل تعرض عليه ، فحضر حلقته فسأل الجنيد عن التوحيد ، فأجابه فتحير عبد اللّه وقال : أعد علىّ ما قلت ، فأعاده ولكن لا بتلك العبارة ، فقال عبد اللّه ليس يمكنني حفظ ما تقول فأمله علىّ ، فقال : إن كنت أجريه فأنا أمليه ، فقام عبد اللّه وقال بفضله ، واعترف بعلوّ شأنه * وأنشد بعضهم : أنعى إليك قلوبا طالما هطلت * سحائب الوحي فيها أبحر الحكم وقيل لأبى القاسم الجنيد : ممن استفدت هذه العلوم ؟ فقال : من جلوسى بين يدي اللّه عزّ وجلّ ثلاثين سنة تحت تلك الدرجة ، وأشار إلى درجة في داره . وقال رضي اللّه عنه : لو علمت أن للّه تبارك وتعالى علما تحت أديم السماء أشرف
من هذا العلم الذي نتكلم فيه مع أصحابنا وإخواننا لسعيت إليه وأخذته . وقال أيضا رضي اللّه عنه : ما أخذنا التصوّف من القيل والقال ولكن عن الجوع وترك الدنيا وقطع المألوفات والمستحسنات ، وكثرة الذكر للّه عزّ وجلّ ، وأداء فروضه وواجباته وسننه ، والاتباع لجميع ما أمر به ، والانتهاء عن جميع ما نهى عنه * وروى أن النجيب ابن النجيب أبا المعالي إمام الحرمين رضي اللّه عنه كان يدرس يوما في المسجد بعد صلاة الصبح ، فمرّ به بعض شيوخ الصوفية ومعه أصحابه من الفقراء ، وقد دعوا إلى بعض المواضع ، فقال إمام الحرمين في نفسه : ما شغل هؤلاء إلا الأكل والشرب والرقص ؛ فلما رجع الشيخ من الدعوة مرّ عليه وقال : يا فقيه : ما تقول فيمن يصلى الصبح وهو جنب ، ويقعد في المسجد ويدرس العلوم ويغتاب الناس ، فذكر إمام الحرمين أنه كان عليه غسل ، ثم حسن اعتقاده بعد ذلك في الصوفية * وروى أن الإمام أحمد رضي اللّه عنه كان مع جلالة قدره يكثر التردد إلى بعض الصوفية العارفين ، فقيل له : أتتردّد لرواية عند هذا الشيخ ؟ فقال : عنده رأس الأمر تقوى اللّه ، أو قال معرفة اللّه * وكذلك لما سعى بالصوفية إلى بعض الخلفاء أمر بضرب رقابهم ؛ فأما الجنيد فتستر بالفقه ، وكان يفتى على مذهب أبي ثور ، وأما الشحام والرقام والنوري فقبض عليهم وبسط النطع لضرب رقابهم ، فتقدم الشيخ العارف باللّه أبو الحسن النوري رضي اللّه عنه ، فقال له السياف : أتدري لماذا تبادر ؟ فقال نعم ، فقال وما يعجلك ؟ فقال أوثر أصحابي بحياة ساعة فتحير السياف وأنهى الأمر إلى الخليفة ، فتعجب الخليفة ومن عنده من ذلك ! وكان القاضي عنده ، فاستأذن الخليفة أن يذهب إليهم ليبحث معهم ويختبر حالهم ، فأذن له الخليفة في ذلك فأتاهم ، وقال : يخرج إلىّ واحد منكم حتى أبحث معه فخرج إليه أبو الحسين النوري ، فألقى عليه القاضي مسائل فقهية ، فالتفت عن يمينه ثم ألتفت عن يساره ثم أطرق ساعة ، ثم أجابه عن الكلّ ، ثم جعل يقول : وبعد ، فإن للّه عبادا إذا قاموا قاموا باللّه ، وإذا نطقوا نطقوا باللّه ، وسرد كلاما كثيرا أبكى القاضي ، ثم سأله القاضي عن التفاته ، فقال سألتني عن المسائل ولا أعلم لها جوابا ، فسألت عنها صاحب اليمين فقال : لا علم لي ، ثم سألت عنها صاحب الشمال فقال لا علم لي ، فسألت قلبي فأخبرني قلبي عن ربى ، فأجبتك بذلك ، فأرسل القاضي
إلى الخليفة يقول له : إن كان هؤلاء زنادقة فليس على وجه الأرض مسلم * وكذلك جاء جماعة من فقهاء اليمن إلى الشيخ الكبير بحر الحقائق وموضح الدقائق ، العارف باللّه تعالى أبى الغيث بن جميل قدس اللّه روحه ونوّر ضريحه ونفعنا والمسلمين ببركته يمتحنونه في شئ ، فلما دنوا منه قال : مرحبا بعبيد عبدي ، فاستعظموا ذلك ، فلقوا شيخ الطريقين وإمام الفريقين الفقيه العالم العارف باللّه أبا الذبيح إسماعيل بن محمد الحضرمي رضي اللّه عنه ونفعنا به ، وأخبروه بما قاله الشيخ أبو الغيث له ، فضحك وقال : صدق أنتم عبيد الهوى ، والهوى عبده . وكان الشيخ أبو الغيث المذكور أميا ويحضر مجلسه الفقهاء ويسألونه المسائل الدقيقة فيجيبهم . وللمشايخ مع الفقهاء حكايات يطول ذكرها ، وسنذكر شيئا من ذلك إن شاء اللّه تعالى في حكايات الكتاب * وقال الأستاذ الإمام أبو القاسم القشيري رضي اللّه عنه في رسالته المشهورة : أما بعد ، فقد جعل اللّه هذه الطائفة صفوة أوليائه ، وفضلهم على الكافة من عباده بعد رسله وأنبيائه ، صلوات اللّه عليهم أجمعين ، جعل قلوبهم معادن أسراره ، واختصهم من بين الأمة بطوالع أنواره ، صفاهم من الكدورات البشرية ، ورقاهم إلى مجال المشاهدات لما تجلى لهم من حقائق الأحدية ، ووفقهم للقيام بآداب العبودية ، وأشهدهم مجارى أحكام الربوبية ، وهذا من بعض كلامه ؛ ثم قال في آخر الرسالة : والناس إما أصحاب النقل والأثر ، وإما أرباب العقل والفكر ، وشيوخ هذه الطائفة ارتقوا عن هذه الجملة ، فأما الذي للناس غيب فلهم ظهور ، وأما الذي للخلق من المعارف مقصود فلهم من الحق سبحانه موجود ، فهم أهل الوصال ، والناس أهل الاستدلال ، وهم كما قال القائل : ليلى بوجهك مشرق * وظلامه في الناس سارى والناس في سدف الظلا * م ونحن في ضوء النهار قال ولم يكن عصر من الأعصار في مدة الإسلام وفيه شيخ من شيوخ هذه الطائفة ممن له علوّ في التوحيد وإمامة القوم ، إلا وأئمة ذلك الوقت من العلماء استسلموا لذلك الشيخ وتواضعوا له وتبركوا به انتهى كلامه . وللّه درّ قائلهم في هذه الأبيات
كانت لقلبى أهواء مفرّقة * فاستجمعت مذ رأتك العين أهوائى وصار يحسدنى من كنت أحسده * وصرت مولى الورى مذ صرت مولائى تركت للخلق دنياهم ودينهم * شغلا بحبك يا ديني ودنيائى وللّه درّ القائل الآخر : فأجسامهم في الأرض قتلى بحبهم * وأرواحهم في الحجب نحو العلى تسرى قلوبهم جوالة بمعسكر * به أهل ودّ اللّه كالأنجم الزهر وللّه درّ القائل الآخر : على مثل حدّ السيف تسرى إلى العلا * فمن زاغ لا أرض تقلّ ولا سما فمن فاز بالتوفيق فاللّه صانه * ولولا جميل اللطف واللّه ما نما وللّه درّ القائل الآخر : إذا جيّش الأحباب جيشا من الجفا * بنينا من الصبر الجميل حصونا وإن ركبوا خيل الصدود مغيرة * أقمنا عليها للوصال كمينا وإن جرّدوا أسيافهم لقتالنا * لقيناهم بالذلّ مدرّعينا وإن لم يروا في ودّنا ووصالنا * صبرنا على أحكامهم ورضينا وللّه درّ القائل الآخر : ولو طردونى كنت عبدا لعبدهم * وإن أبعدونى زدت في الحبّ والودّ ولي عندهم هجر كما حكم الهوى * وهم أهل فضل لي ومنزلة عندي وللّه درّ القائل الآخر : وكنت قديما أطلب الوصل منهم * فلما أتاني الحلم وارتفع الجهل تيقنت أن العبد لا طلب له * فإن قربوا فضل وإن أبعدوا عدل وإن أظهروا لم يظهروا غير وصفهم * وإن ستروا فالستر من أجلهم يحلو
وللّه درّ القائل : ولقد جعلتك في الفؤاد محدثي * وأبحت جسمي من أراد جلوسى فالجسم منى للجليس مؤانس * وحبيب قلبي في الفؤاد أنيسى وللّه درّ القائل الآخر : فليتك تحلو والحياة مريرة * وليتك ترضى والأنام غضاب وليت الذي بيني وبينك عامر * وبيني وبين العالمين خراب إذا صحّ منك الودّ يا غاية المنى * فكلّ الذي فوق التراب تراب وللّه درّ القائل الآخر : نفس المحبّ على الأسقام صابرة * لعلّ مسقمها يوما يداويها لا يعرف الشوق إلا من يكابده * ولا الصبابة إلا من يعانيها اللّه يعلم أنّ النفس قد تلفت * شوقا إليك ولكني أسليها فنظرة منك يا سؤلي ويا أملى * أشهى إلىّ من الدنيا وما فيها وقال آخر : إن كان سفك دمى أقصى مرادكم * فما غلت نظرة منكم بسفك دمى الفصل الثاني في إثبات كرامات الأولياء رضي الله تعالى عنهم وظهور الكرامات على الأولياء جائز عقلا وواقع نقلا . أما جوازه عقلا فإنه ليس بمستحيل في قدرة اللّه عزّ وجلّ ، بل هو من قبيل الممكنات كظهور معجزات الأنبياء صلوات اللّه وسلامه عليهم ، هذا مذهب أهل السنة من المشايخ العارفين ، والنظار الأصوليين ، والفقهاء والمحدثين رضي اللّه تعالى عنهم أجمعين ، وتصانيفهم ناطقة بذلك شرقا وغربا وعجما وعربا ، ثم القول الصحيح المحقق المختار عند جمهور الأئمة المحققين من أهل السنة ، أن كل
جاز للأنبياء من المعجزات ، جاز للأولياء مثلها من الكرامات ، بشرط عدم التحدّى ، ولا يرد على ذلك القرآن للزومه التحدي ، ولا يصحّ قول من يقول : إن ذلك يؤدّى إلى الالتباس بين الكرامات والمعجزات ، لأن المعجزة يجب على النبىّ صلّى اللّه عليه وسلم أن يتحدّى بها ويظهرها ؛ والكرامة يجب على الولىّ أن يخفيها ويسترها ، إلا عند الضرورة ، أو إذن ، أو حال غالب لا يكون له فيه اختيار ، أو لتقوية يقين بعض المريدين ، كما فعل بعضهم ، غرف عسلا من الجوّ ووضعه في فم مريد له * وروى أن رجلا أرى غيره الكعبة من بلاد بعيدة . وآخر أرى بعض المنكرين الكعبة يطوف بها ، وقد سمعنا سماعا محققا أن جماعة منهم شوهدت الكعبة تطوف بهم طوافا محققا . ورأيت بعضا ممن شاهد ذلك من الثقات الأتقياء ، بل من السادات العلماء ، وغير ذلك مما يطول ذكره ، وما ذهب إليه الإمام أبو إسحاق الإسفراينى رحمه اللّه تعالى من إثبات بعض الكرامات دون بعض ، فهو مخالف لمذهب الجمهور الصحيح المشهور . وأما وقوع ذلك نقلا ، أعنى ظهور الكرامات ، فقد جاء في القرآن وفي الأخبار والآثار بالإسناد ما يخرج عن الحصر والتعداد * فمن ذلك في القرآن ، ما أخبر اللّه تعالى عن مريم بنت عمران رضي اللّه تعالى عنها في قوله عزّ وجلّ ( كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً ، قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا ؟ قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ) * وقوله سبحانه وتعالى لمريم ( وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا ) وكان في غير أوان الرطب كما جاء في التفسير . * ومن ذلك ما أخبر اللّه عزّ وجلّ من العجائب على يد الخضر عليه الصلاة والسلام مع موسى النبي صلّى اللّه عليه وسلم * وكذلك قصة ذي القرنين رضوان اللّه عليه ، وتمكين اللّه سبحانه وتعالى له ما لم يمكنه لغيره * وكذلك قصة أهل الكهف رضي اللّه تعالى عنهم ، والأعاجيب التي ظهرت من كلام الكلب معهم وغير ذلك * وكذلك قصة آصف بن برخيا رضى اللّه تعالى عنه مع سليمان صلّى اللّه عليه وسلم في عرش بلقيس في قوله تعالى ( قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ) وكلّ هؤلاء المذكورين ليسوا بأنبياء * ومن ذلك في الأخبار ، الحديث الصحيح المشهور في الصحيحين ، حديث جريج الراهب الذي كلمه طفل في المهد حين قال له : يا غلام من أبوك ؟ فقال : فلان الراعي
ومن ذلك حديث أصحاب الغار الذين انطبقت عليهم الصخرة ، وهو حديث صحيح متفق على صحته ، وهو مشهور في الصحيحين ، وفي آخره « انفرجت الصخرة فخرجوا يمشون » * ومن ذلك حديث البقرة التي حمل عليها صاحبها أو راكبها على اختلاف الرواية ، فالتفت إليه فكلمته ، فقالت : إني لم أخلق لهذا ، ولكني خلقت للحرث ، فقال الناس : سبحان اللّه تعجيبا وفزعا : أبقرة تتكلم ! فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « فإني أومن بذلك أنا وأبو بكر وعمر » ، وهذا أيضا حديث صحيح مشهور مذكور في الصحيحين وغيرهما ، وهو متفق على صحته ، أعنى اتفقوا على تكلم البقرة المذكورة . وإن اختلفوا في بعض ألفاظ الحديث ، ومن ذلك الحديث الصحيح المتفق على صحته المذكور في الصحيحين في أبى بكر الصديق رضي اللّه عنه مع ضيفه الذي قال فيه : وأيم اللّه ما كنا نأخذ لقمة إلا ربا من أسفلها أكثر منها ، فأكلوا حتى شبعوا وصارت أكثر مما كانت قبل ذلك ، فنظر إليها أبو بكر رضى اللّه تعالى عنه فقال لامرأته : يا أخت بنى فراس ما هذا ؟ قالت وقرة عيني ، لهى الآن أكثر منها قبل ذلك بثلاث مرّات * ومن ذلك أيضا الحديث الصحيح المتفق على صحته ، المخرج في الصحيحين قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « لقد كان فيمن قبلكم من الأمم محدّثون ، فإن يك في أمتي أحد منهم فإنه عمر » * ومن ذلك أيضا ما صحّ عن عمر رضى اللّه تعالى عنه أنه قال : يا سارية الجبل الجبل ، في حال خطبته في يوم الجمعة ، فبلغ صوته إلى سارية في ذلك الوقت ، فتحذّر من العدوّ في مكان من الجبل في تلك الساعة ، فكان في ذلك لعمر كرامتان بينتان : إحداهما ما كشف له عن حال سارية وأصحابه من المسلمين ، وحال العدوّ ؛ والثانية : بلوغ صوته إلى سارية من بلاد بعيدة * ومن ذلك الحديث المتفق على صحته في سعد بن أبي وقاص الذي قال فيه أبو سعدة : أصابتنى دعوة سعد . أخرجاه في الصحيحين * ومن ذلك الحديث المتفق على صحته أيضا في سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل رضي اللّه عنه الذي قال فيه للتي ادّعت عليه أنه أخذ شيئا من أرضها ، فقال : اللّهم إن كانت كاذبة فأعم بصرها واقتلها في أرضها ، فما ماتت حتى ذهب بصرها ، وبينما هي تمشى في أرضها إذ وقعت في حفرة فماتت . أخرجاه أيضا في الصحيحين *
ومن ذلك الحديث الصحيح حديث البخاري الذي قال فيه : قالت : واللّه ما رأيت أسيرا خيرا من خبيب رضي اللّه عنه ، فو اللّه لقد وجدته يوما يأكل قطفا من عنب في يده ، وإنه لموثق في الحديد ، وما بمكة ثمرة ، وكانت تقول : إنه لرزق رزقه اللّه خبيبا ، يعنى بهذه المرأة بنت الحارث بن عامر بن نوفل كما ذكر في الحديث * ومن ذلك الحديث الصحيح حديث البخاري أيضا في أسيد بن حضير وعباد بن بشر رضي اللّه تعالى عنهما الذي قال فيه : خرجا من عند النبىّ صلّى اللّه عليه وسلم في ليلة مظلمة ، ومعهما مثل المصباحين بين أيديهما ، فلما افترقا صار مع كلّ واحد منهما واحد حتى أتى أهله * ومن ذلك الحديث الصحيح حديث الرجل الذي سمع صوتا في السحاب يقول : اسق حديقة فلان * وما جاء أن ابن عمر رضى اللّه تعالى عنهما ، قال : للأسد الذي منع الناس الطريق : تنحّ ، فبصبص بذنبه ، وذهب فمشى الناس ، فقال ابن عمر رضى اللّه تعالى عنه ، صدق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « من خاف اللّه خوّف اللّه منه كل شئ » * ومن ذلك ما جاء أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بعث العلاء بن الحضرمىّ رضى اللّه تعالى عنه في غزاة ، فحال بينهم وبين الموضع قطعة من البحر ، فدعا اللّه باسمه الأعظم ، فمشوا على الماء * وما جاء أنه كان بين سلمان وأبى الدرداء رضى اللّه تعالى عنهما قصعة ، فسبحت حتى سمعا التسبيح * وما جاء أن عمران بن الحصين رضى اللّه تعالى عنه كان يسمع تسليم الملائكة عليه ، حتى اكتوى فانحبس عنه ذلك سنة ، ثم أعاده اللّه عليه * ومن ذلك الحديث الصحيح ، حديث مسلم المتقدّم ذكره « ربّ أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على اللّه لأبرّه » . قلت ولو لم يكن إلا هذا الحديث لكفى دليلا * وقد ورد عن السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ما بلغ حدّ الاستفاضة ، وقد صنف العلماء في ذلك كتبا كثيرة . وسيأتي حديث أويس إن شاء اللّه تعالى فيما بعد ، وحكايات كثيرة عن السلف والخلف في الكرامات * فإن قيل : ما بال الصحابة رضى اللّه تعالى عنهم لم يشتهر عنهم من الكرامات الكثيرة مثل ما اشتهر عن الأولياء بعدهم ؟ .
فالجواب ، ما أجاب به الإمام أحمد بن حنبل رضى اللّه تعالى عنه لما قيل له : يا أبا عبد اللّه ، إن الصحابة لم يرو عنهم من الكرامات مثل ما قد روى عن الأولياء والصالحين ، فكيف هذا ؟ فقال : أولئك كان إيمانهم قويا فما احتاجوا إلى زيادة شئ يقوّون به ، وغيرهم كان إيمانهم ضعيفا لم يبلغ إيمان أولئك ، فقوّوا بإظهار الكرامات لهم * قلت : وفي هذا المعنى قال بعض الشيوخ الكبار في كرامات مريم ابنة عمران كانت في بدايتها يتعرّف إليها بخرق العادات بغير سبب تقوية لإيمانها ، وتكميلا ليقينها ، فكانت كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا ، فلما قوى إيمانها ، وكمل يقينها ، ردّت إلى السبب ، وقيل لها ( وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا ) * وكذلك قال الشيخ الإمام العارف باللّه المحقق ، شيخ الطريقة ولسان الحقيقة شهاب الدين السهروردي رضي اللّه عنه : وخرق العادة إنما يكاشف به لوضع ضعف يقين المكاشف رحمة من اللّه تعالى لعباده ثوابا معجلا لهم ، فلا حاجة لهم إلى مدد من المخرقات ، ورؤية القدرة والآيات ، ولهذا المعنى ما نقل عن أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كثير من ذلك إلا القليل ، ونقل عن المتأخرين من المشايخ والصادقين أكثر من ذلك ، لأن أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ؛ لبركة صحبة النبىّ صلّى اللّه عليه وسلم ، ومجاورة نزول الوحي ، وتردّد الملائكة وهبوطها ، تنوّرت بواطنهم ، وعاينوا الآخرة ، وزهدوا في الدنيا ، وتزكت نفوسهم ، وانخلعت عاداتهم ، وانصقلت مرايا قلوبهم ، فاستغنوا بما أعطوا عن رؤية الكرامة ، والتماع أنواع القدرة ، ومن بلغ من قوّة اليقين هذا المبلغ ، يرى في إجراء عالم الحكمة ما يرى الغير من القدرة ، ويرى القدرة ممكنة ، بل متجلية من سجف الحكمة ، فلو تجرّدت له القدرة ، وانكشفت له ما استغرب ، والمستغرب للقدرة يقوى يقينه بها ، لأنه محجوب بالحكمة عن القدرة ، قال : وقد تكون للأولياء أنواع من الكرامات كسماع الهواتف من الهواء ، والنداء من بواطنهم ، وتطوى لهم الأرض ؛ وقد تنقلب لهم الأعيان ، وقد ينكشف لهم ما في الضمير ، ويعلمون بعض الحوادث قبل تكوّنها من بركة متابعتهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فأوفر الناس حظا من الصحبة والقرب والعبودية ، أوفرهم حظا من متابعته صلّى اللّه عليه وسلم ، قال اللّه تعالى ( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ) * قال : وكرامات الأولياء من تتمة معجزات
الأنبياء ، وكلّ رسول كان له أتباع ظهرت لهم كرامات ومخرقات للعادات ، هذا بعض كلامه رضي اللّه عنه * وقال الأستاذ الإمام أبو القاسم القشيري رضي اللّه عنه : وكلّ نبىّ ظهرت كرامته على واحد من أمته ، فهي معدودة من جملة معجزاته . قال : ثم هذه الكرامات قد تكون إجابة دعوة ، وقد تكون إظهار طعام في أوان فاقة من غير سبب ظاهر ، أو حصول ماء في زمان عطش ، أو تسهيل قطع مسافة في مدة قريبة ، أو تخليصا من عدوّ ، أو سماع خطاب من هاتف أو غير ذلك من فنون الأفعال الناقضة للعادة . انتهى كلام الأستاذ أبى القاسم رحمه اللّه تعالى * قلت : فإن قال قائل : تشتبه الكرامات بالسحر ؟ فالجواب ما أجاب به المشايخ العارفون العلماء المحققون في الفرق بينهما ، أن السحر يظهر على أيدي الفساق والزنادقة والكفار الذين هم على غير الالتزام بالأحكام الشرعية ، ومتابعة السنة . وأما الأولياء فهم الذين بلغوا في متابعة السنة وأحكام الشريعة وآدابها الدرجة العليا فافترقا ، وقد تقدم الفرق بين الكرامات والمعجزات . قلت : والناس في إنكار الكرامات مختلفون * فمنهم من ينكر كرامات الأولياء مطلقا ، وهؤلاء أهل مذهب معروف عن التوفيق مصروف * ومنهم من يكذّب بكرامات أولياء زمانه ، ويصدّق بكرامات الأولياء الذين ليسوا في زمانه ، كمعروف وسهل والجنيد وأشباههم رضى اللّه تعالى عنهم ، فهؤلاء كما قال الشيخ أبو الحسن الشاذلىّ رضي اللّه عنه : واللّه ما هي إلا إسرائيلية ، صدّقوا بموسى ، وكذّبوا بمحمد صلّى اللّه عليه وسلم ، لأنهم أدركوا زمنه * ومنهم من يصدّق بأن للّه تعالى أولياء لهم كرامات ، ولكن لا يصدّق بأحد معين من أهل زمانه ، فهؤلاء محرومون أيضا ، لأن من لم يسلم لواحد معين لم ينتفع بأحد . نسأل اللّه تعالى التوفيق وحسن الخاتمة في عافية ، لنا وللمسلمين ولمشايخنا ووالدينا وأمة محمد صلّى اللّه عليه وسلم أجمعين . وسئل بعض العلماء الكبار عن كرامات الأولياء ، فقال : ومن ينكر هذا إن كنت لم تعرف من هذا شيئا ولم تعقله ، فارجع إلى أن اللّه سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء ، ويحكم ما يريد ، وفي معناه أنشدوا : إذا كنت المكذّب يا جهول * عن الآيات تصدّقك العقول فكن بالفهم ترجع نحو شئ * له الدّين المصدّق والرسول بأن إلهنا ما شاء يقضى * قدير ليس يعجزه المهول قلت : والعجب كلّ العجب ممن ينكر الكرامات ، وقد جاءت في الآيات
الكريمات والأحاديث الصحيحات ، والآثار المشهورات ، والحكايات المستفيضات الصادرات عن العيان والمشاهدات من السلف والخلف ، وبلغت في الكثرة والشهرة في جميع البلاد مبلغا يخرج عن الحصر والتعداد . ثم إن كثيرا من المنكرين لو رأوا الأولياء والصالحين يطيرون في الهواء لقالوا هذا سحر ، أو قالوا هؤلاء شياطين ، لا شكّ أن من حرم التوفيق فكذّب بالحقّ غيبا وحدسا كذّب به عيانا وحسا ، كما قال اللّه تعالى وهو أصدق القائلين ( وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ ، لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ) فوا عجباه ! كيف ينسب السحر وفعل الشياطين إلى الأولياء المقرّبين ، والأبرار الصالحين الزاهدين العابدين الصابرين الشاكرين الخائفين الراجين المتقين الورعين المتوكلين الراضين المخبتين العارفين المطهرين من الصفات المذمومات ، المتحلين بمحاسن الصفات المحمودات ، المتخلقين بأخلاق المولى جلّ وعلا ، المستمرّين في طاعة اللّه تعالى ، المتأدّبين بآداب الشريعة الشريفة والسنة الغرّاء ، المرتفعين عن حضيض الرخص إلى معالى عزائم ذروة العلى ، المقبلين على المولى المعرضين عن الدنيا ، بل وعن الأخرى ، الذين كنست بنفوسهم المزابل لما أماتوها لتحيا ، فأحياها الحىّ القيوم ، وجمال جلاله لقلوبهم تجلى لما جاهدوا في اللّه تعالى حقّ جهاده ، أنجز لهم ما وعدهم بقوله تبارك وتعالى ( وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا ) فيا ليت شعري من أولى بهذه الآية ، وبقوله تعالى ( وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ) وبقوله سبحانه ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ، وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً ، وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) ، وبقوله عزّ وجلّ : ( إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا ، وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) وبقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في الصحيحين : « الذين لا يرقون ولا يسترقون ولا يتطيرون ، وعلى ربهم يتوكلون » وهل هؤلاء أهل العزائم ، أم هم المترخصون ؟ وبقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « ربّ أشعث أغبر » الحديث الصحيح المشهور ، وبقوله صلّى اللّه عليه وسلم لما رأى مصعب بن عمير رضي اللّه عنه متجرّدا في إهاب كبش دعاه حبّ اللّه ورسوله إلى ما ترون ، وبقوله صلّى اللّه عليه وسلم لما سئل عن الإحسان : « أن تعبد اللّه كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك » الحديث الصحيح المشهور ، وهل هذا إلا للمراقبين الحاضرين ، وبقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « إن البذاذة من الإيمان » يعنى بها رثاثة الهيئة ، وترك فاخر اللباس ، وهل هذا إلا للمتقشفين الزاهدين وغير ذلك ، كحديث أويس رضي اللّه عنه ، وما كان فيه
من رثاثة الحال والتوحش والانعزال ، وغير ذلك مما لا يمكن فيه الاستيعاب ، ولا يسع بعضه هذا الكتاب من أولى بهذه المذكورات وأشباهها ، ومن المشكور الممدوح بحسن ثنائها أهل هذه الأوصاف المذكورات المحمودات ، أم أهل أضدادها من الصفات المذمومات ؟ فأىّ الفريقين أولى بالهداية ، أهل المجاهدات أم غيرهم ؟ وقد قال اللّه تعالى ( وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا ) وأيهما أولى بعزل سلطان الشيطان عنه ، أهل التوكل أم غيرهم ؟ وقد قال اللّه تعالى : ( إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا ، وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) وأيهما أولى بالرجولية ، الذين قال اللّه تعالى فيهم ( رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ) ، أم الذين قال اللّه فيهم ( أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ ) ؟ وأي الفريقين أولى بقوله صلّى اللّه عليه وسلم في الحديث الصحيح « ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه » ؟ وأيهما أولى بفساد الدين : أهل الحرص والطمع ، أم أهل الزهد والورع ؟ وأيهما أولى بقوله تعالى ( إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى ) الأغنياء أم الفقراء ؟ وأيهما أولى بقوله صلّى اللّه عليه وسلم « إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة » الحديث المتفق على صحته أهل المال والثروة ، أم أهل الفقر والقلة ؟ وأيهما عباد الرحمن المذكورون في سورة الفرقان والذين قال فيهم الملك المنان ( إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ ) * وأيهما عبيد الدنيا والشيطان اللعين الذين قال اللّه سبحانه فيهم ( وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ) والذين قال فيهم النبي صلّى اللّه عليه وسلم « تعس عبد الدينار والدرهم » وأيهما أولى باتباع السنة والاقتداء بالشريعة : أهل الزهد والجدّ والأخذ بالعزائم الرفيعة ، أم أهل الرخص والتوانى وحبّ الدنيا الوضيعة الذين يحسبون أن السنة في متابعة الحظوظ النفسية ، ولا يدرون أن أشرف الاتباع رفض الدنيا والاتصاف بالصفات السنية ، فكم من زاعم أنه مقتد بالسنة ومتبعها وهو تارك للفروض ومضيعها ، كما قال السيد الجليل العارف بشر بن الحارث رضي اللّه عنه لما قيل له الناس يقولون إنك تارك للسنة يعنون ترك التزوّج ، فقال : قل لهم أنا مشغول بالفرض عن السنة . وهل الفرض المتعين إلا إزالة الصفات المذمومات من القلب من الحقد والحسد والرياء والعجب والكبر والأمل والغيبة والنميمة والكذب والتصنع والسمعة والخيلاء والشحّ ، والنفاق ، وغير ذلك من رذائل الأخلاق التي تطهر منها أهل الخوف والإشفاق والأكياس الحذّاق ، أم الفرض المذكور معرفة البيوع والطلاق التي قدّمها الجهال
الأحماق ، وهل يشرق النور في مرآة القلوب المصقولة بالزهد والهدى ، أم المظلمة بالذنوب والعيوب والصدأ ؟ وهل يستوى ذمّ ( وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا ) ومدح الذين يذكرون اللّه قياما وقعودا وعلى جنوبهم ، أم هل يستوى من باع دينه بدنياه ، وبذل نفسه في هواه ، وقال لسان حاله في معناه : بذلت النفس في طلب المعاني * معالى المجد في جاه ومال ومن باع دنياه بدينه رابحا ، وبذل نفسه في حبّ مولاه سامحا ، وقال لسان حاله مطربا وسائحا ما قلت تائبا محبا : يا سادتي إن قبلتم مهجتي ودمى * بنظرة في الجمال الغالب العالي فقد أنلتم جميل الفضل عبدكم * وقد ربحت ببيع الدون بالغالى قلت : وقد تمت المقدمة الموعودة ، وها أنا أبتدئ إن شاء اللّه تعالى بحكايات الصالحين المحمودة ، ولست ألتزم في ذلك ترتيبا بينهم في التقديم ، لا بالفضائل ولا بالأسنان ولا بالأمكنة ولا بالأزمان وقد أجمع في الحكاية الواحدة بين حكايتين أو أكثر ، إما لصغر الحكاية ، أو للمناسبات ، أو لكونها صدرت عن شخص واحد في بعض الحالات ، وقد أغير بعض الألفاظ في بعض الحكايات ، إما باختصار ، أو بتقديم وتأخير ، أو بإصلاح شعر مختلّ ؛ عند من هو خبير في حكم الوزن والإعراب ، أو في حكم الشرع والآداب ، وقد أحذف الشعر من بعض الحكايات لكونه غير مناسب ، أو عاريا عن الحسن ، أو ركيكا ليس السمع فيه براغب . وقد أودعت هذا الكتاب شيئا من نسيجى المهلهل ، بعضه أنشأته جديدا ، وبعضه من نسيجى الأوّل ، وفي عدم جودته قلت : يقولون لم لا قلت شعرا تفيده * فقلت لأنى إن أقل لا أجيده إذا رمت غزلان المعاني نفرن من * شباك اصطيادى وابن عرس تصيده فلا الجيد العالي العزيز يريدنى * ولا الدنىّ الدون الدنىء أريده وأنا أسأل اللّه الكريم ، البرّ الرحيم ، أن يرزقنا التوفيق والهدى والسلامة عن الزيغ والردى ، وأن ينفعنا بعباده الصالحين ، ويجعلنا من حزبه المفلحين ، وأن ينفع بهذا الكتاب ، ويعظم به الأجر والثواب ، ويجعله خالصا لوجهه الكريم ، ويهب لنا من فضله العظيم ، وأحبابنا والمسلمين آمين ، إنه الملك الديان ، ذو الطول والإحسان ، وهو حسبنا ونعم الوكيل ، ولا حول ولا قوة إلا باللّه العلىّ العظيم
حكايات الصالحين رضي الله عنهم وأقدم عليها كالشاويش لها هذه القصيدة المسماة : الشهد الجالى : في فضل الصالحين ومقامهم العالي : أيا عاشقا عالي جمال صفاتهم * وحالي حلى فيهم صلاح فوائق وعالي مقامات وأحوال سادة * وزاهى كرامات عظام خوارق ومكنون أسرار وباهى معارف * ومشهود أنوار بواه بوارق ووصل لأحباب وراح محبة * إذا شمها في الغرب من في المشارق تمايل نشوانا بها طول دهره * فكيف بمن منها بكاساتها سقى لهم في الهوى كم من غريب عجائب * وكم من لطيفات المعاني دقائق وكم من شواج للقلوب رقائق * وكم من معان للعلوم حقائق وكم من جهيد للنفوس مخالف * وكم من مليح للعقول موافق تسمع حكايات يطيب سماعها * ويحلو كطعم الشهد في ثغر ذائق كساها جمال القوم حسنا به كست * كتابي وكم طيب من القوم عابق وخمس مئين عدّها في كتابنا * نجاب زهت يختارها كل حاذق تنزّه برؤيا حسنها حين تجتلى * عرائسها اللائي سبت لبّ عاشق فها هي في روض الرياحين قد بدت * بغالى جمال فائق الحسن رائق محاسن غرّ سادة لا ينالها * سوى كلّ كفء في المحبة صادق أبت ترتضى خطابها غير ممهر * لها الصدق في الدنيا ونفس مفارق فإن كنت للمهر الذي عزّ قادرا * فنافس وسابق نحوها كلّ سابق وإن كنت مثلي عاجزا فارض بالدنا * فبالدون يرضى الدون عند العلائق رعى اللّه من أمسى وأضحى مشمرا * لنيل المعالي قاطعا كلّ عائق إلى أن علا فوق المقامات في العلى * وغال المنى من قرب مولى الخلائق فطوبى له في حضرة القدس يجتلى * جمال جلال حلّ عن وصف ناطق ويسقى كؤوس الوصل من خمرة الهوى * فيهنيه ما يلقى هناك وما لقى
الحكاية الأولى عن أبي الفيض ذي النون المصري رضى اللّه تعالى عنه ) قال : وصف لي رجل من السادة باليمن قد برز على الخائفين ، وسما على المجتهدين ، بسيما بين الناس معروف ، وباللب والحكمة والتواضع والخشوع موصوف . قال : فخرجت حاجّا إلى بيت الحرام ، فلما قضيت الحج قصدت زيارته لأسمع من كلامه وأنتفع بموعظته أنا وأناس كانوا معي يطلبون ما أطلب من البركة ، وكان معنا شاب عليه سيما الصالحين ومنظر الخائفين ، وكان مصفرّ الوجه من غير سقم ، أعمش العينين من غير رمد ، يحب الخلوة ويأنس بالوحدة ، تراه كأنه قريب عهد بمصيبة ، وكنا نعذله على أن يرفق بنفسه ، فلا يجيب قولنا وعذلنا ، ولا يزداد إلا مجاهدة واجتهادا ، ولسان حاله يقول : أيها العاذلون في الحبّ مهلا * حاش لي عن هواه أن أتسلى كيف أسلو وقد تزايد وجدى * وتبدّلت بعد عزّى ذلا قيل تبلى فقلت تبلى عظامي * وسط لحدي وحبكم ليس يبلى حبكم قد شربته في فؤادي * في قديم الزمان مذ كنت طفلا قال : ولم يزل ذلك الشاب في جملتنا حتى انتهى معنا إلى اليمن ، وسألنا عن منزل الشيخ فأرشدنا إليه ، فطرقنا الباب فخرج إلينا كأنما يخبر عن أهل القبور ، فجلسنا إليه ، فبدأه الشاب بالسلام والكلام ، فصافحه وأبدى له البشر والترحيب من دوننا ، وسلمنا كلنا عليه ، ثم تقدم إليه الشاب وقال : يا سيدي إن اللّه قد جعلك وأمثالك أطباء لأسقام القلوب ، ومعالجين لأوجاع الذنوب ، وبي جرح قد نغل ، وداء قد استكمن وأعضل ، فإن رأيت أن تتلطف بي ببعض مراهمك فافعل ، فأنشد الشيخ هذه الأبيات : إن داء القلوب عظيم * كيف لي بالخلاص من داء ذنبي هل طبيب مناصح لي فإني * أعجز الخلق والأطباء طبي آه واخجلتى ويا طول حزنى * من وقوفي إذا وقفت لربى وانقطاع الجواب منى ولم لا * وبلائي قد جلّ عن كل خطب
فقال الشاب للشيخ : فإن رأيت أن تتلطف بي ببعض مراهمك فافعل ، فقال له الشيخ : سل عما بدا لك ، فقال له : ما علامة الخوف من اللّه تعالى ؟ قال أن يؤمنك خوف اللّه من كل خوف غير خوفه ، فانتفض الفتى جزعا ثم خرّ مغشيا عليه ساعة ، فلما أفاق قال : رحمك اللّه متى يتقين العبد خوفه من اللّه ؟ قال إذا أنزل نفسه من الدنيا منزلة العليل السقيم ، فهو محتم من أكل الطعام مخافة طول السقام ، وتصبر على مضض الدواء مخافة طول الضنا ، قال : فصاح الشاب صيحة ظننا أن روحه قد خرجت ، ثم قال : يرحمك اللّه ما علامة المحبة للّه تعالى ؟ فقال : يا حبيبي إن درجة المحبة للّه رفيعة ، فقال الشاب : أحبّ أن تصفها لي ، فقال يا حبيبي إن المحبين للّه تعالى شقّ لهم عن قلوبهم فأبصروا بنور القلوب إلى جلال عظمة الإله المحبوب ، فصارت أرواحهم روحانية ، وقلوبهم حجبية ، وعقولهم سماوية تسرح بين صفوف الملائكة الكرام ، وتشاهد تلك الأمور باليقين والعيان ، فعبدوه بمبلغ استطاعتهم له ، لا طمعا في جنته ولا خوفا من ناره ، فشهق الشاب شهقة فمات رحمة اللّه تعالى عليه ، فجعل الشيخ يقبله ويبكى ويقول : هذا تصرّع الخائفين ، هذه درجة المحبين ، هذه روح حنت فأنت فسمعت فاشتاقت فشهقت فماتت . وأنشد بعضهم : على قدر علم المرء يعظم خوفه * فلا عالم إلا من اللّه خائف فآمن مكر اللّه باللّه جاهل * وخائف مكر اللّه باللّه عارف ( الحكاية الثانية : عن ذي النون المصري أيضا رضى اللّه تعالى عنه ) قال : بينما أنا أسير في نواحي الشام إذ وقعت إلى روضة خضراء وفي وسطها شاب قائم يصلى تحت شجرة تفاح ، فتقدمت إليه وسلمت عليه ، فلم يردّ علىّ السلام ، فسلمت ثانيا ، فأوجز في صلاته ثم كتب في الأرض بإصبعه : منع اللسان من الكلام لأنه * كهف البلاء وجالب الآفات فإذا نطقت فكن لربك ذاكرا * لا تنسه واحمده في الحالات قال ذو النون رضي اللّه عنه : فبكيت طويلا ، وكتبت بأصبعى في الأرض : وما من كاتب إلا سيبلى * ويبقى الدهر ما كتبت يداه فلا تكتب بكفك غير شئ * يسرك في القيامة أن
قال : فصاح الشاب صيحة فارق الدنيا فيها ، فقمت لآخذ في غسله ودفنه ، فإذا بقائل يقول : خلّ عنه ، فإن اللّه عزّ وجلّ وعده أن لا يتولى أمره إلا الملائكة . قال ذو النون : فملت إلى شجرة فركعت عندها ركعات ، ثم أتيت الموضع الذي مات فيه الشاب فلم أجد له أثرا ولا عرفت له خبرا ، رضى اللّه تعالى عنه . ( الحكاية الثالثة : عنه أيضا رضي اللّه عنه ) قال : بينما أنا أسير في بعض جبال بيت المقدس ، إذ سمعت صوتا وهو يقول : ذهبت الآلام عن أبدان الخدام ، ولهت بالطاعة عن الشراب والطعام ، وألفت أبدانهم طول القيام بين يدي الملك العلام ؛ قال رضي اللّه عنه : فتتبعت الصوت فإذا بشاب أمرد قد علا وجهه اصفرار ، يميل مثل الغصن إذا ميلته الريح ، عليه شملة قد اتزر بها ، وأخرى قد اتشح بها ؛ فلما رآني توارى عنى بالشجر ، فقلت له : أيها الغلام ليس الجفاء من أخلاق المؤمنين ، فكلمني وأوصني ، فخرّ ساجدا للّه تعالى ، وجعل يقول : هذا مقام من لاذ بك ، واستجار بمعرفتك ، وألف محبتك ، فيا إله القلوب وما تحويه من جلال عظمتك ، احجبنى عن القاطعين لي عنك ، ثم غاب عنى ، فلم أره رضي اللّه عنه : وقال أيضا رضى اللّه تعالى عنه : بينما أنا أسير بين جبال الشام ، إذا أنا بشيخ على تلعة من الأرض قد سقط حاجباه على عينيه كبرا ، فسلمت عليه ، فردّ علىّ السلام ، ثم جعل يقول : يا من دعاه المذنبون فوجدوه قريبا ، ويا من قصده الزاهدون فوجدوه حبيبا ، ويا من استأنس به المجتهدون فوجدوه مجيبا ، ثم أنشأ يقول : وله خصائص مصطفون لحبه * اختارهم في سالف الأزمان اختارهم من قبل فطرة خلقه * فهم ودائع حكمة وبيان ( الحكاية الرابعة : عن الأستاذ أبى القاسم الجنيد رضى اللّه تعالى عنه ) قال : حضرت إملاك ( زفاف ) بعض الأبدال من الرجال ببعض الأبدال من النساء ، فما كان في جماعة من حضر أحد إلا وضرب بيده إلى الهواء وأخذ شيئا فطرحه من درّ وياقوت وما أشبهه . قال الجنيد : فضربت بيدي ، فأخذت زعفرانا فطرحته ، فقال لي الخضر عليه الصلاة والسلام : ما كان في الجماعة من أهدى ما يصلح للعرس غيرك * وقال بعض العارفين : كوشفت بأربعين
حوراء رأيتهن يتساعين في الهواء ، عليهنّ ثياب من فضة وذهب وجوهر ، فنظرت إليهنّ نظرة ، فعوقبت أربعين يوما ، ثم كوشفت بعد ذلك بثمانين حوراء ، فوقهنّ في الحسن والجمال ، وقيل لي : انظر إليهنّ ، فسجدت وغمضت عينىّ في السجود ، قلت : أعوذ بك مما سواك ، لا حاجة لي بهذا ، ولم أزل أتضرّع حتى صرفهنّ عنى . ( الحكاية الخامسة : عن الشيخ عبد الواحد بن زيد رضي اللّه عنه ) قال : أصابتنى علة في ساقى ، فكنت أتحامل عليها للصلاة ، فقمت عليها من الليل ، فاجتهدت وجعا ، فجلست ثم لففت إزاري في محرابى ، ووضعت رأسي عليه ونمت ، فبينما أنا كذلك ، إذ أنا بجارية تفوق الدمى حسنا وجمالا ، تخطر بين جوار مزينات حتى وقفت علىّ وهنّ خلفها ، فقالت لبعضهنّ : ارفعنه ولا توقظنه ، فأقبلن نحوى فاحتملننى وأنا أنظر إليهنّ في منامي ، ثم قالت لغيرهنّ من الجواري اللاتي معها : افرشن له ، ومهدن له ، ووطئن له ووسدنه ، قال : ففرشن تحتى سبع حشايا لم أر لهنّ في الدنيا مثلا ، ووضعن تحت رأسي مرافق خضرا حسانا ، ثم قالت للآتي حملننى : اجعلنه على الفرش رويدا لا تهجنه ، قال : فجعلننى على تلك الفرش وأنا أنظر إليها ، وما تأمرهن به من شأني ، ثم قالت : أحففنه بالريحان ، فأتى بياسمين فحففن به الفرش ، ثم قامت إلىّ فوضعت يدها على موضع العلة التي كنت أجد في ساقى ، فمسحت ذلك المكان بيدها ثم قالت : قم شفاك اللّه إلى صلاتك غير مضرور ، فاستيقظت واللّه كأني قد نشطت من عقال ، فما اشتكيت تلك العلة بعد ليلتي تلك ، ولا ذهب من قلبي حلاوة منطقها بقولها : قم شفاك اللّه إلى صلاتك غير مضرور . ( الحكاية السادسة : عن عبد الواحد أيضا رضى اللّه تعالى عنه ) قال : نمت عن وردى ليلة ، فإذا أنا بجارية لم أر أحسن منها وجها ، عليها ثياب حرير خضر ، وفي رجليها نعلان يسبحان ، والزمامان يقدسان ، وهي تقول : يا ابن زيد جدّ في طلبي فإني في طلبك ، ثم جعلت تقول : من يشترينى ومن يكن سكنى * يأمن في ربحه من الغبن قال : فقلت يا جارية ما ثمنك ؟ فأنشأت تقول : محبة اللّه ثم طاعته * وطول فكر يشاب بالحزن
فقلت : لمن أنت يا جارية ؟ فقالت : لمالك لا يردّ لي ثمنا * من خاطب قد أتاه بالثمن قال : فانتبه عبد الواحد وآلى على نفسه أن لا ينام الليل ، وكان من الجماعة الذين صلوا الصبح بوضوء العشاء أربعين سنة من السلف الصالح رضى اللّه عنهم ، ونفعنا بهم . ( الحكاية السابعة : عن الشيخ مطهر السعدي ) روى أن الشيخ مطهرا السعدىّ رضي اللّه عنه بكى شوقا إلى اللّه تعالى ستين سنة ، فرأى في المنام كأنه بجنب نهر يجرى بالمسك الأذفر ، حافتاه شجر اللؤلؤ وقضبان الذهب ، وإذا بجوار مزينات يقلن بصوت واحد : سبحان المسبّح بكل لسان سبحانه ، سبحان الموجود بكل مكان سبحانه ، سبحان الدائم في كلّ الأزمان سبحانه ، قال : فقلت من أنتنّ ؟ فقلن : خلق من خلق الرحمن سبحانه ، فقلت ما تصنعن ههنا ؟ فقلن : برانا إله الناس ربّ محمد * لقوم على الأقدام بالليل قوّم يناجون ربّ العالمين إلههم * فتسرى هموم القوم والناس نوّم ( الحكاية الثامنة : عن الشيخ أبى بكر الضرير رضى اللّه تعالى عنه ) قال : كان في جواري شابّ حسن الوجه ، يصوم النهار ولا يفطر ، ويقوم الليل ولا ينام ، فجاءنى يوما وقال : يا أستاذ إني نمت عن وردى الليلة ، فرأيت كأن محرابى قد انشق ، وكأني بجوار قد خرجن من المحراب ، لم أر أحسن منهنّ وجها ، وإذا فيهنّ واحدة شوهاء فوهاء ، لم أر أقبح منها منظرا ، فقلت لمن أنتنّ ؟ ولمن هذه ؟ فقلن : نحن لياليك التي مضت ، وهذه ليلة نومك ، ولو متّ في ليلتك هذه ، لكانت هذه حظك ، ثم أنشأت الشوهاء تقول : اسأل لمولاك وارددنى إلى حالي * فأنت قبحتنى من بين أشكالى لا ترقدنّ الليالي ما حييت فإن * نمت الليالي فهن الدهر أمثالي نحن السرور لمن نال السرور بنا * جوف الظلام بسكنى المنزل العالي فقد أردت بخير إذ وعظت بنا * فأبشر فأنت من المولى على بال
أبشر بخير فقد نلت المنى أبدا * في جنة الخلد في روضات جنات نحن الليالي اللوائى كنت تسهرها * تتلو القران بترجيع ورنات نحن الحسان اللواتي كنت تخطبنا * جوف الظلام بلوعات وزفرات أبشر فقد نلت ما ترجوه من ملك * برّ يجود بأفضال وفرحات غدا تراه تجلى غير محتجب * تدنى إليه وتحظى بالتحيات قال : ثم شهق شهقة خرّ ميتا ، رحمة اللّه تعالى عليه . ( الحكاية التاسعة : عن بعض العارفين ) قال : نمت ليلة عن حزبي ، فرأيت في المنام جارية حسناء لم أر أحسن منها وجها ، ولا أطيب منها ريحا ، فناولتني رقعة في يدها فقالت : اقرأ ما فيها ، فقرأته ، فإذا هو : لذذت بنومة عن خير عيش * مع الولدان في غرف الجنان تعيش مخلدا لا موت فيها * وتبقى في الجنان مع الحسان تيقظ من منامك إنّ خيرا * من النوم التهجد بالقران قال : فاستيقظت مرعوبا ، فو اللّه ما ذكرتها قطّ إلا طار نومى ، رحمه اللّه تعالى . ( الحكاية العاشرة : عن الشيخ السرى السقطي ) روى أن الشيخ السرىّ السقطي رضى اللّه تعالى عنه ، دخل عليه أبو القاسم الجنيد رضى اللّه تعالى عنه وهو يبكى ، فقال له : ما يبكيك ؟ فقال : جاءتني البارحة الصبية ، فقالت : يا أبت هذه ليلة حارّة ، وهذا الكوز أعلقه ههنا لك حتى يبرد ، فقلت نعم ، قال السرىّ رضى اللّه تعالى عنه : فغلبتني عيناي ، فنمت فرأيت جارية من أحسن الخلق قد نزلت من السماء ، فقلت لمن أنت ؟ فقالت لمن لا يشرب الماء المبرّد في الكيزان ، فانتبهت وتناولت الكوز وضربت به الأرض . قال الجنيد رضى اللّه تعالى عنه : فرأيت الخزف المكسور لم يرفعه أحد عفى عليه التراب . وقال الشيخ أبو سليمان الدارانى رضى اللّه تعالى عنه : نمت عن وردى ليلة ، فإذا أنا بحوراء تقول : يا أبا سليمان تنام وأنا أربى لك في الخيام منذ خمس مئة عام ، أو كما قالت من الكلام
الحكاية الحادية عشرة : عن الشيخ عبد الواحد بن زيد رضي اللّه عنه ) قال : بينما نحن ذات يوم في مجلسنا هذا ، قد تهيأنا للخروج إلى الغزو ، وقد أمرت أصحابي أن يتهيئوا لقراءة آيتين فقرأ رجل في مجلسنا ( إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ) فقام غلام في مقدار خمس عشرة سنة أو نحو ذلك ، وقد مات أبوه وورّثه ما لا كثيرا ، فقال : يا عبد الواحد بن زيد ( إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ) فقلت : نعم يا حبيبي ، فقال : إني أشهدك أنى قد بعت نفسي ومالي بأن لي الجنة ، فقلت له : إن حدّ السيف أشدّ من ذلك وأنت صبىّ ، وأنا أخاف أن لا تصبر وتعجز عن ذلك ، فقال : يا عبد الواحد ، أبايع اللّه تعالى بالجنة ، ثم أعجز أنا ؟ أشهد اللّه تعالى أنى قد بايعته ، أو كما قال رضي اللّه عنه : قال عبد الواحد : فتقاصرت إلينا أنفسنا ، وقلنا : صبىّ يعقل ، ونحن لا نعقل ، فخرج من ماله كله ، وتصدّق به إلا فرسه وسلاحه ونفقته ؛ فلما كان يوم الخروج ، كان أول من طلع علينا ، فقال السلام عليك يا عبد الواحد ، فقلت وعليك السلام ربح البيع . ثم سرنا وهو معنا يصوم النهار ويقوم الليل ويخدمنا ويخدم دوابنا ويحرسنا إذا نمنا ، حتى إذا انتهينا إلى دار الروم ، فبينا نحن كذلك إذا به قد أقبل وهو ينادى : واشوقاه إلى العيناء المرضية ، فقال أصحابي : لعله وسوس لهذا الصبى واختلط عقله ، فقلت حبيبي وما هذه العيناء المرضية ؟ فقال إني غفوت غفوة فرأيت كأنه أتاني آت فقال لي اذهب إلى العيناء المرضية فهجم بي على روضة فيها نهر من ماء غير آسن ، وإذا على شط النهر جوار عليهنّ من الحلىّ والحلل ما لا أقدر أن أصفه ، فلما رأيننى استبشرن بي وقلن هذا واللّه زوج العيناء المرضية ، فقلت السلام عليكنّ أفيكنّ العيناء المرضية ؟ فقلن نحن خدمها وإماؤها امض أمامك . فمضيت أمامى فإذا أنا بنهر من لبن لم يتغير طعمه ، في روضة فيها من كل زينة ، فيها جوار لما رأيتهن افتتنت بحسنهنّ وجمالهن ؛ فلما رأيننى استبشرن بي وقلن هذا واللّه زوج العيناء المرضية ، فقلت السلام عليكنّ أفيكن العيناء المرضية ؟ قلن لا ، نحن خدمها وإماؤها فتقدم أمامك ، فتقدمت فإذا أنا بنهر من خمر لذّة للشاربين وعلى شطّ الوادي جوار أنسيننى من خلفت ، فقلت السلام عليكنّ أفيكن العيناء المرضية ؟ قلن يا ولىّ اللّه نحن خدمها وإماؤها
فامض أمامك ، فمضيت أمامى فوصلت إلى خيمة من درّة بيضاء . وعلى باب الخيمة جارية عليها من الحلى والحلل ما لا أقدر أن أصفه ، فلما رأتني استبشرت ونادت من في الخيمة أيتها العيناء المرضية هذا بعلك قد قدم ، قال فدنوت من الخيمة ودخلت ، فإذا هي قاعدة على سرير من ذهب مكلل بالدرّ والياقوت ، فلما رأيتها افتتنت بها وهي تقول : مرحبا بك يا ولىّ الرحمن ، قد دنا لك القدوم علينا ، فذهبت لأعتنقها ، فقالت مهلا ، فإنه لم يأن لك أن تعانقنى ، لأن فيك روح الحياة ، وأنت تفطر الليلة عندنا إن شاء اللّه تعالى ، قال فانتبهت يا عبد الواحد ولا صبر لي عنها ، قال عبد الواحد : فما انقطع كلامنا حتى ارتفعت لنا سرية من العدوّ ، فحمل الغلام عليهم فعددت تسعة من العدوّ قتلهم وكان هو العاشر ، فمررت به ، وهو يتشحط في دمه وهو يضحك ملء فيه حتى فارق الدنيا رضى اللّه تعالى عنه : وللّه درّ القائل : يا من يعانق دنيا لا بقاء لها * يمسى ويصبح مغرورا وغرارا هلا تركت من الدنيا معانقة * حتى تعانق في الفردوس أبكارا إن كنت تبغى جنان الخلد تسكنها * فينبغي لك أن لا تأمن النارا ( الحكاية الثانية عشرة : عن بعض الصالحين ) حكى عن بعض الصالحين أنه عبد اللّه عزّ وجلّ أربعين سنة ، فلما كان في بعض الليالي أخذته دلة على اللّه عزّ وجلّ فقال : إلهي أرني ما قد أعددت لي في الجنة وأخبرني ما قد أعددت لي من الحور العين الحسان ، فما استتم الكلام حتى انشق المحراب فخرجت منه حورية لو خرجت إلى الدنيا لفتنت من فيها ، فقال لها إنسية أنت أم جنية ؟ فأنشأت تقول : شكوت إلى المولى وقد علم الشكوى * وأعطاك ما ترجو وقد كشف البلوى وأرسلني أنسا إليك وإنني * أناجيك طول الليل لو تسمع النجوى فقال ، يا جارية لمن أنت ؟ فقالت أنا لك ، فقال كم لي مثلك حورية ؟ قالت مئة حورية ، ولكل حورية مئة خادمة ، ولكل خادمة مئة وصيفة ، ولكلّ وصيفة مئة قهرمانة ، ففرح وقال : يا حورية هل أعطى أحد أكثر منى ؟ قالت يا مسكين
عطاؤك عطاء البطالين الذين يقولون أستغفر اللّه العظيم فيغفر لهم ، ثم يستغفرون اللّه تعالى عند غروب الشمس فيغفر لهم ، ثم أنشأت تقول : وله خصائص مصطفون لحبه * اختارهم في سالف الأزمان اختارهم من قبل فطرة خلقه * فهم ودائع حكمة وبيان وأنشدت أيضا تقول : نشرت لهم أعلام حب حبيبهم * فتبايعوا وتناهبوا الأعلاما يا حسنهم في ظلّ عرش مليكهم * كل يقود من النجيب زماما حتى إذا صاروا بحضرة قدسه * كشف المليك حجابه إكراما فهم الملوك العارفون بربهم * والدائبون ببابه خداما قلت : وهذه خمسة أبيات قلتها وألحقتها بهذه الأبيات الأربعة : من عال ياقوت وزاهى جوهر * يعلوه نور يسكنون خياما ومع الحسان الحور عين لو بدت * ليلا أنارت بالجمال ظلاما ولعطرت كل الوجود وزخرفت * ولمات كل بالجمال غراما يا حسنها بين الجواري عندما * تمشى لتلقى قادمين كراما يجزون غرفات بها فوق المنى * وتحية يلقونها وسلاما ( الحكاية الثالثة عشرة : عن الشيخ عبد الواحد بن زيد رضى اللّه تعالى عنه ) قال : كنت في مركب فطرحتنا الريح إلى جزيرة وإذا بها فيها رجل يعبد صنما ، فقلنا له يا رجل ما تعبد ؟ فأومأ إلى الصنم ، فقلنا له : إن إلهك هذا مصنوع وعندنا من يصنع مثله ، ما هذا بإله يعبد ، قال فأنتم من تعبدون ؟ قلنا نعبد الذي في السماء عرشه وفي الأرض بطشه وفي الأحياء والأموات قضاؤه ، تقدّست أسماؤه وجلت عظمته وكبرياؤه ، قال وما أعلمكم بهذا ؟ قلنا وجه إلينا هذا الملك رسولا كريما ، فأخبرنا بذلك ، قال فما فعل الرسول ؟ قلنا لما أدّى إلينا الرسالة ، قبضه الملك إليه واختار له ما لديه ، قال فهل ترك عندكم من علامة ؟
المكي
51
روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )
قلنا نعم ، ترك عندنا كتاب الملك ، قال فأروني كتاب الملك فإنه ينبغي أن تكون كتب الملوك حسانا ، فأتيناه بالمصحف فقال ما أعرف هذا ، فقرأنا عليه سورة ، فلم يزل يبكى حتى ختمنا السورة ، فقال ينبغي لصاحب هذا الكلام أن لا يعصى ، ثم أسلم وحسن إسلامه ، وعلمناه شرائع الدين وسورا من القرآن ، فلما كان الليل صلينا العشاء وأخذنا مضاجعنا ، فقال يا قوم هذا الإله الذي دللتمونى عليه إذا جنّ الليل ينام ؟ قلنا لا ينام ، يا عبد اللّه ، وهو عظيم حىّ قيوم لا تأخذه سنة ولا نوم ، قال : فبئس العبيد أنتم تنامون ومولاكم لا ينام ، فأعجبنا كلامه ؛ فلما عزمنا على الانصراف عنه قال خذونى معكم فأخذناه ، فلما قدمنا عبادان قلت لأصحابي هذا قريب عهد بالإسلام ، فجمعنا دراهم وأعطيناه ، فقال ما هذا ؟ قلنا دراهم تنفقها ، فقال لا إله إلا اللّه ، دللتمونى على طريق لم تسلكوها ، أنا كنت في جزيرة أعبد صنما من دونه فلم يضيعني وأنا لا أعرفه ، فكيف يضيعني الآن وأنا أعرفه ؟ فلما كان بعد ثلاثة أيام قيل لي إنه في الموت ، فأتيته فقلت له : هل لك من حاجة ؟ قال قد قضى حوائجي من جاء بكم إلى الجزيرة ، قال عبد الواحد : فغلبتني عيناي فنمت عنده ، فرأيت روضة خضراء فيها قبة وفي القبة سرير وعلى السرير جارية حسناء لم ير أحسن منها وهي تقول : باللّه إلا ما عجلتم به إلىّ فقد اشتد شوقى إليه ، فاستيقظت فإذا به قد فارق الدنيا ، رحمه اللّه تعالى ، فغسلته وكفنته وواريته ، فلما كان الليل رأيت في منامي تلك الروضة ، وفيها تلك القبة ، وفي القبة ذلك السرير ، وعلى السرير تلك الجارية وهو إلى جانبها وهو يقرأ هذه الآية ( وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ ، سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ) رضى اللّه عنه . ( الحكاية الرابعة عشرة : عن الشيخ أبى عبد اللّه القرشي رضي اللّه عنه ) قال : كنت عند الشيخ أبي إسحاق إبراهيم بن ظريف ، فأتى إليه إنسان فسأله : هل يجوز للإنسان أن يعقد على نفسه عقدة لا يحلها إلا بنيل مطلوبه ؟ فقال له : نعم ، واستدل بحديث أبى لبابة الأنصاري رضى اللّه تعالى عنه في قصة بني قريظة ، وقوله صلى اللّه عليه وسلم « أما إنه لو أتاني لاستغفرت له ، ولكنه إذ قد فعل ذلك بنفسه فدعوه حتى يحكم اللّه تعالى فيه » قال : فسمعت هذه المسئلة وعقدت على نفسي أنى لا أتناول شيئا إلا بإظهار قدرة ، فمكثت ثلاثة أيام وكنت إذ
أعمل صناعتي في الحانوت ، فبينا أنا جالس على الكرسي إذ ظهر لي شخص بيده شئ في إناء ، فقال لي اصبر إلى العشاء تأكل من هذا ، ثم غاب عنى ، فبينما أنا في وردى بين العشاءين إذا انشق الجدار وظهرت لي حوراء بيدها ذلك الإناء الذي كان بيد ذلك الشخص فيه شئ يشبه العسل ، فتقدّمت إلىّ وألعقتنى منه ثلاثا فصعقت وغشى علىّ ، ثم أفقت وقد ذهبت ولم يطب لي بعد ذلك طعام ولا شراب وأشرب قلبي تلك الصورة ، فما استحسنت بعدها شخصا ولا كنت أتمكن من سماع كلام الخلق ، وأقمت على ذلك مدة . ( الحكاية الخامسة عشرة عن مالك بن دينار رضي اللّه عنه ) : أنه كان يوما ماشيا في أزقة البصرة ، فإذا هو بجارية من جواري الملوك راكبة ومعها الخدم ، فلما رآها مالك نادى أيتها الجارية أيبيعك مولاك ؟ فقالت كيف قلت يا شيخ ؟ قال قلت أيبيعك مولاك ؟ قالت ولو باعني كان مثلك يشترينى ؟ قال نعم وخيرا منك ، فضحكت وأمرت به أن يحمل إلى دارها ، فحمل فدخلت إلى مولاها فأخبرته ، فضحك وأمر أن يدخل به إليه ، فأدخل فألقيت له الهيبة في قلب السيد ، فقال ما حاجتك ؟ فقال بعني جاريتك ، قال أو تطيق أداء ثمنها ؟ قال قيمتها عندي نواتان مسوّستان ، فضحكوا وقالوا كيف كان ثمنها عندك هذا ؟ قال لكثرة عيوبها قال وما عيوبها ؟ قال إن لم تتعطر ذفرت ، وإن لم تستك بخرت ، وإن لم تمتشط وتدهن قملت وشعثت ، وإن عمرت عن قليل هرمت ، ذات حيض وبول وأقذار وحزن وغمّ وأكدار ، ولعلها لا تودّك إلا لنفسها ، ولا تحبك إلا لتنعمها ، لا تفي بعهدك ولا تصدق في ودّك ، ولا تخلف عليها أحدا بعدك إلا رأته مثلك ، وأنا أجد بدون ما سألت في جاريتك من الثمن جارية خلقت من سلالة الكافور والمسك والزعفران والجوهر والنور لو مزج بريقها أجاج لطاب ، ولو دعى بكلامها ميت لأجاب ، ولو بدا معصمها للشمس لأظلمت دونه وكسفت ، ولو بدت في الظلمات لأنارت به وأشرقت ، ولو واجهت الآفاق بحليها وحللها لتعطرت بها وتزخرفت ، نشأت في رياض المسك والزعفران وقضبان الياقوت والمرجان ، وقصرت في خيام النعيم وغذيت بماء التسنيم ، لا تخلف عهدها ولا تبدل ودّها ، فأيهما أحقّ بدفع الثمن ؟ قال الذي وصفت ؟ قال فإنها الموجودة الثمن ، القريبة الخطب في كلّ زمن ، قال فما ثمنها رحمك اللّه ؟ قال : اليسير
المبذول لنيل الخطير المأمول ، أن تتفرّغ في ليلك ساعة ، فتصلى ركعتين تخلصهما لربك ، وأن تضع طعامك فتذكر جائعك فتؤثره للّه عزّ وجلّ على شهوتك ، وأن ترفع عن الطريق حجرا أو قذرا ، وأن تقطع أيامك بالبلغة والقلة ، وترفع همك عن دار الغرور والغفلة فتعيش في الدنيا بعزّ القناعة ، وتأتى إلى موقف الكرامة آمنا غدا ، وتنزل في الجنة دار النعيم في جوار الملك الكريم مخلدا ، فقال الرجل يا جارية ، أما سمعت ما قال شيخنا هذا ؟ قالت نعم ، قال أفصدق أم كذب ؟ قالت بل صدق وبرّ ونصح ، قال فأنت إذن حرة لوجه اللّه تعالى ، وضيعة كذا وكذا صدقة عليك ، وأنتم أيها الخدم أحرار ، وضيعة كذا وكذا لكم ، وهذه الدار بما فيها صدقة مع جميع مالي في سبيل اللّه تعالى ، ثم مد يده إلى ستر خشن كان على بعض أبوابه فاجتذبه وخلع جميع ما كان عليه واستتر به ، فقالت الجارية لا عيش لي بعدك يا مولاي ، فرمت بكسوتها ولبست ثوبا خشنا وخرجت معه ، فودعهما مالك بن دينار ودعا لهما ، وأخذ طريقا غيره ، فتعبدا جميعا حتى الموت ، فنقلهما على حال العبادة رحمة اللّه عليهما . ( الحكاية السادسة عشرة عن جعفر بن سليمان رحمه اللّه تعالى ) قال : مررت أنا ومالك بن دينار رضي اللّه عنه بالبصرة ؛ فبينما نحن ندور فيها مررنا بقصر يعمر ، وإذا شاب جالس ما رأيت أحسن وجها منه ، وإذا هو يأمر ببناء القصر ويقول افعلوا واصنعوا ، فقال لي مالك أما ترى إلى هذا الشاب وحسن وجهه وحرصه على هذا البناء ، ما أحوجني إلى أن أسأل ربى أن يخلصه ، فلعله يجعله من شباب أهل الجنة ؛ يا جعفر ادخل بنا إليه ، قال جعفر : فدخلنا إليه فسلمنا عليه ، فردّ السلام ولم يعرف مالكا ، فلما عرفه قام إليه ، فقال ألك حاجة ؟ فقال : كم نويت أن تنفق على هذا القصر ؟ قال مئة ألف درهم فقال ألا تعطيني هذا المال فأضعه في حقه ، وأضمن لك على اللّه عزّ وجلّ قصرا في الجنة خيرا من هذا القصر بولدانه وخدمه وقببه وخيمة من ياقوتة حمراء مرصعة بالجواهر ، ترابه الزعفران وملاطه المسك أفيح من قصرك هذا ، لا يخرب أبدا ، ولم تمسه يد ، ولم يبنه بان ، بل قال له الجليل سبحانه : كن فكان ، قال فأجلنى الليلة وبكر علىّ غدا ، فقال نعم ، قال جعفر فبات مالك وهو يفكر في ذلك الشاب ، فلما كان وقت السحر دعا فأكثر من الدعاء ، فلما أصبحنا
غدونا فإذا بالشاب جالس على باب قصره ، فلما عاين مالكا هشّ إليه ثم قال ما تقول فيما قلت بالأمس ؟ قال تفعل ؟ قال نعم ، فأحضر البدر ، ودعا بدواة وقرطاس ثم كتب : بسم اللّه الرحمن الرحيم ، هذا ما ضمن مالك بن دينار لفلان ابن فلان : إني قد ضمنت لك على اللّه تعالى قصرا بدل قصرك بصفته كما وصفت ، والزيادة على اللّه تعالى ، واشتريت لك بهذا المال قصرا في الجنة ، أفيح من قصرك هذا ، في ظلّ ظليل بقرب العزيز الجليل ، ثم طوى الكتاب ودفعه إلى الشاب ، وحملنا المال ، فما أمسى حتى ما بقي مقدار ليلة ، وما أتى على الشاب أربعون يوما حتى وجد مالك رضى اللّه عنه كتابا موضوعا في المحراب عندما انفتل من صلا الغداة ، فأخذه ونشره فإذا في ظهره مكتوب بلا مداد : هذه براءة من اللّه العزيز الحكيم لمالك بن دينار ، وفّينا الشاب القصر الذي ضمنت له وزيادة سبعين ضعفا ، قال فبقى مالك رضي اللّه عنه متعجبا وأخذ الكتاب ؛ فقمنا فذهبنا إلى منزل الشاب فإذا الباب مسودّ والبكاء في الدار ، فقلنا ما فعل الشاب ؟ قالوا مات بالأمس ، فأحضرنا الغاسل فقلنا له : ما فعلت أنت غسلته ؟ قال نعم ، قال مالك : فحدثنا كيف صنعت ؟ قال : قال لي قبل الموت : إذا أنا مت وغسلتنى وكفنتنى اجعل هذا الكتاب بين كفنى وبدني ، فجعلت الكتاب بين كفنه وبدنه ودفنته معه ، فأخرج مالك الكتاب ، فقال الغاسل هذا الكتاب بعينه والذي قبضه ، لقد جعلته بين كفنه وبدنه بيدي ، قال فكثر البكاء . فقام شاب فقال : يا مالك خذ منى مائتي ألف درهم واضمن لي مثل هذا ، قال هيهات كان ما كان وفات ما فات ، واللّه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، قال فكان مالك كلما ذكر الشاب بكى ودعا له ، رحمة اللّه تعالى عليه . ( الحكاية السابعة عشرة : عن محمد بن السماك رضي اللّه تعالى عنه ) قال : كان موسى بن محمد بن سليمان الهاشمي من أنعم بنى أمية عيشا وأرخاهم بالا ؛ يعطى نفسه شهوتها من صنوف اللذات في المأكل والمشرب والملبس والطيب والجواري والغلمان ، ليست له فكرة ولا همة إلا في الذي هو فيه من عيشته ولذّته ، وكان شابا جميلا ، وجهه كاستدارة القمر ، كانت نعمة اللّه عليه سابغة يستغل في كلّ حول نحوا من ثلاثمائة ألف درهم وثلاثة آلاف دينار ، يصرف هذا كله فيما هو فيه من النعيم ، وكان له مستشرف عال يقعد
فيه بالعشيات ويشرف فيه على الناس ، له أبواب مشرعة إلى الجادة ، وأبواب مشرعة إلى بساتينه ، وقد ضرب فيه قبة عاج مضببة بالفضة ، مطلية بالذهب ، وهو على سرير عليه غلالة قصب ، وعلى رأسه عمامة مكللة باللآلئ ، ومعه في القبة يراهن ، إذا اشتهى سماع القينات نظر نحو الستارة ، وإن أراد سكوتهن أومأ بيده إلى الستارة فأمسكن ، هذا دأبه إلى أن يذهب الليل ويذهب عقله ، فتخرج الندماء ويخلو مع من شاء ، فإذا أصبح اشتغل بالنظر إلى اللعابين بين يديه بالشطرنج والنرد ، ولا يذكر بين يديه موت ولا مرض ولا سقم ولا شئ فيه ذكر الغمّ إلا ذكر الفرح والسرور والنوادر التي تضحك ، ويتطيب كل يوم بأنواع الطيب والمشمومات مما يكون في أوانه حتى مضت له سبع وعشرون سنة ، فبينما هو ذات ليلة في قبته وقد مضى بعض الليل إذ سمع نغمة من حلق شجىّ خلاف ما يسمع من مطربيه ، فأخذ بقلبه ولها عما كان فيه ، وأومأ إليهم أن أمسكوا وأخرج رأسه من بعض طاقات القبة إلى جهة الجادة يتسمع الذي وقع بقلبه ، فإذا النغمة ربما سمعها وربما خفيت عليه ، فصاح بغلمانه وقال اطلبوا صاحب هذا الصوت ، وكان قد عمل فيه الشراب ، فخرج الغلمان يطوفون ، فإذا هم بشاب نحيل الجسم دقيق العنق مصفر اللون ذابل الشفتين شعث الرأس ، قد لصق بطنه بظهره ، وعليه طمران لا يتوارى بغيرهما ، حافى القدمين قائم في المسجد يناجى ربه سبحانه وتعالى ، فأخرجوه من المسجد ، وانطلقوا به ، لا يكلمونه حتى وقفوا به بين يديه ، فنظر إليه فقال : من هذا ؟ فقالوا صاحب النغمة التي سمعت ، قال أين أصبتموه ؟ قالوا في المسجد قائما يصلى ويقرأ ، فقال أيها الشاب ما كنت تقرأ ؟ قال كلام اللّه عزّ وجلّ ، قال فأسمعنى تلك النغمة ، فقال أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم ( إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ ) إلى قوله تبارك وتعالى ( عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ ) أيها المغرور إنها خلاف مجلسك ومستشرفك وفرشك ، إنها أرائك مفروشة بفرش مرفوعة ، بطائنها من إستبرق على رفرف خضر وعبقرىّ حسانّ يشرف ولىّ اللّه تعالى منها على عينين تجريان في جنتين فيهما من كل فاكهة زوجان ، لا مقطوعة ولا ممنوعة ، في عيشة راضية ، في جنة عالية ، لا يسمع فيها لاغية ، فيها عين جارية ، فيها سرر مرفوعة ، وأكواب موضوعة ، ونمارق مصفوفة ، وزرابىّ مبثوثة ،
في ظلال وعيون ، أكلها دائم وظلها ، تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار ، نار وأي نار ؟ إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون في ضلال وسعر ، يوم يسحبون في النار على وجوههم ، ذوقوا مس سقر ، في سموم وحميم وظل من يحموم ، يود المجرم لو يفتدى من عذاب يومئذ ببنيه وصاحبته وأخيه ، وفصيلته التي تؤويه ، ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه ، كلا إنها لظى نزاعة للشوى . تدعو من أدبر وتولى ، وجمع فأوعى ، في جهد جهيد ، وعذاب شديد ، ومقت من رب العالمين ، وما هم منها بمخرجين ، فقام الهاشمىّ من مجلسه ، وعانق الشاب ، وبكى وصاح وقال : انصرفوا عنى ، وخرج إلى صحن داره ، وقعد على حصير مع الشاب ، ينوح على شبابه ، ويندب نفسه ، والشاب يعظه إلى أن أصبح ، وقد عاهد اللّه تعالى أن لا يعود لمعصيته أبدا ؛ فلما أصبح أظهر توبته ، ولزم المسجد والعبادة ، وأمر بالذهب والفضة والجواهر والملابس فبيعت كلها ، وتصدّق بها ، وقطع الأجراء عن نفسه ، وردّ الضياع المقتطعة ، وباع ضياعه وعبيده وجواريه ، وأعتق من اختار العتق وتصدّق به كله ، ولبس الصوف والخشن وأكل الشعير ، وكان يحيى الليل كله ويصوم النهار ، حتى كان يزوره الصالحون والأخيار ويقولون له ارفق بنفسك فإن المولى كريم ، يشكر اليسير ، ويثيب عليه الكثير فيقول : يا قوم أنا أعرف بنفسي جرمي عظيم إن عصيت مولاي في الليل والنهار ، ويبكى ويكثر البكاء ، ثم خرج حاجا على قدميه حافيا ، ما عليه إلا خيشه ، وما معه إلا ركوة وجراب ، حتى قدم مكة وقضى حجه ، فأقام بها إلى أن توفى رحمه اللّه تعالى ، وكان يدخل الحجر بالليل وينوح على نفسه ويقول : سيدي كم لم أراقبك في خلواتى . كم أبازرك بالمعاصي ، سيدي ذهبت حسناتي وبقيت تبعاتى فالويل لي يوم ألقاك ، والويل لي ثم الويل لي من صحيفتي إذا نشرت ، مملوءة من فضائحى وخطيئاتي ، بل حلّ لي الويل من مقتك إياي وتوبيخك لي في إحسانك إلىّ ، ومقابلة نعمتك بالمعاصي وأنت مطلع على فعالى ؛ سيدي إلى من أهرب إلا إليك ، وإلى من ألتجىء وعلى من أعتمد إلا عليك ؟ سيدي إني لا أستأهل أن أسألك الجنة ، بل أسألك الجنة ، بل أسألك بجودك وكرمك وفضلك أن تغفر لي وترحمني فإنك أهل التقوى وأهل المغفرة ، وأنشدوا في هذا المعنى :
عصيتك جاهلا يا ذا المعالي * ففرّج ما ترى من سوء حالي إلى من يرجع المملوك إلا * إلى مولاه يا مولى الموالى وقد ألحقت هذين البيتين بثالث فقلت : فإنك أهل مغفرة وعفو * وتواب ومفضال النوال ( الحكاية الثامنة عشرة عن ابن هارون الرشيد ) حكى أنه كان لهارون الرشيد ولد قد بلغ من العمر ست عشرة سنة ، وكان قد وافق الزهاد والعباد ، وكان يخرج إلى المقابر ويقول : قد كنتم قبلنا وقد كنتم تملكون الدنيا ، فما أراها منجيتكم وقد صرتم إلى قبوركم ، فيا ليت شعري ما قلتم وما قيل لكم ؟ ويبكى بكاء شديدا ، وكان رضي اللّه تعالى عنه ينشد : تروّعنى الجنائز كل يوم * ويحزنني بكاء النائحات فلما كان في بعض الأيام مرّ على أبيه وحوله وزراؤه وكبار دولته وأهل مملكته ، وعليه جبة صوف وعلى رأسه مئزر صوف ، فقال بعضهم لبعض : لقد فضح هذا الولد أمير المؤمنين بين الملوك ، فلو عاتبه لعله يرجع عما هو عليه ، قال فكلمه في ذلك وقال : يا بنىّ لقد فضحتني بما أنت عليه ، فنظر إليه ولم يجبه ، ثم نظر إلى طائر وهو على شرافة من شراريف القصر ، فقال أيها الطائر ، بحق الذي خلقك إلا جئت على يدىّ ، فانقضّ الطائر على كفّ الغلام ، ثم قال له : ارجع إلى موضعك ، فرجع إلى موضعه ، فقال بحقّ من خلقك إلا ما سقطت في كفّ أمير المؤمنين ، فما نزل ، فقال له الغلام : أنت الذي فضحتني بحبك الدنيا ، وقد عزمت على مفارقتك ، ففارقه ولم يتزود منه بشئ إلا مصحف كريم وخاتم ، وانحدر إلى البصرة ، وكان يعمل مع الفعلة في الطين ، وكان لا يعمل إلا يوم السبت بدرهم ودانق يتقوّت في كل يوم دانقا ؛ قال أبو عامر البصري : وقد كان وقع في جداري حائط ، فخرجت أطلب من يعمل لي في الحائط ، إذ رأيت غلاما لم أر أحسن منه وجها وبين يديه زنبيل وهو يقرأ في مصحف ، فقلت له يا غلام أتعمل ؟ قال ولم لا أعمل وللعمل خلقت ؟ ولكن أخبرني في أي الأعمال تستعملني ؟ فقلت في الطين ، فقال بدرهم ودانق
وأصلى صلاتي فقلت لك ذلك ، ثم مضيت به إلى العمل رتركته يعمل ؛ فلما كان المغرب جئته فوجدته قد عمل عمل عشرة رجال ، فوزنت له درهمين ، فقال يا أبا عامر ما أصنع بهذا ؟ وأبى أن يقبل ، فوزنت له درهما ودانقا ؛ فلما كان الغد خرجت إلى السوق في طلبه فلم أجده ، فسألت عنه ، فقيل لي إنه لا يعمل إلا يوم السبت ولا تراه إلا يوم السبت الثاني ، فأخرت العمل إلى السبت الثاني ، ثم أتيت السوق فإذا هو على تلك الحال ، فسلمت عليه ثم عرضت عليه العمل ، فقال كمقالته الأولى ، فمضيت به إلى العمل ، فوقفت أنظر إليه من بعيد وهو لا يراني ، فأخذ كفا من الطين وتركه على الحائط وإذا الحجارة يتركب بعضها على بعض ، فقلت : هكذا أولياء اللّه تعالى معانون ؛ فلما أراد أن ينصرف وزنت له ثلاثة دراهم فأبى أن يقبل إلا درهما ودانقا ، فوزنت له ذلك ؛ فلما كان السبت الثالث جئت إلى السوق فلم أره ، فسألت عنه ، فقيل لي : له ثلاثة أيام وجع في خرابة يعالج سكرات الموت ، فوهبت أجرة لمن يدلني عليه ، ومشينا حتى وقفنا عليه ، في خراب بلا باب ، وإذا هو مغشىّ عليه ، فسلمت عليه وإذا تحت رأسه نصف لبنة وهو في حال الموت ، فسلمت عليه ثانية فعرفني ، فأخذت رأسه وجعلتها في حجري ، فمنعني من ذلك وأنشأ يقول : يا صاحبي لا تغترر بتنعم * فالعمر ينفد والنعيم يزول وإذا علمت بحال قوم مرّة * فاعلم بأنك عنهم مسؤول وإذا حملت إلى القبور جنازة * فاعلم بأنك بعدها محمول ثم قال : يا أبا عامر إذا فارقت روحي جسدي ، فغسلني وكفنى في جبتى هذه ، فقلت يا حبيبي ولم لا أكفنك في ثياب جديدة ، فقال لي الحىّ أحوج إلى الجديد من الميت ، الثياب تبلى والعمل يبقى ، وخذ زنبيلى ومئزرى فادفعهما للحفار ، وخذ هذا المصحف والخاتم وامض بهما إلى أمير المؤمنين هارون الرشيد ، ولا تدفعهما إلا من يدك إلى يده وقل له : يا أمير المؤمنين معي وديعة من غلام غريب وهو يقول لك : لا تموتنّ على غفلتك هذه أو قال على غرتك هذه ، ثم خرجت روحه رضي اللّه عنه ، فعلمت أنه ولد الخليفة وعملت بجميع ما أوصاني به ، وأخذت المصحف والخاتم ودخلت بغداد ، وقصدت قصر الخليفة هارون الرشيد ، ووقفت على موضع مشرف ؛ فخرج موكب عظيم فيه تقدير ألف
فارس ، ثم تبعه عشرة مواكب في كلّ موكب ألف فارس ، وخرج أمير المؤمنين في الموكب العاشر ، فناديت بقرابتك من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يا أمير المؤمنين إلا ما وقفت لي قليلا ، فلما رآني قلت : يا أمير المؤمنين معي وديعة من غلام غريب ، ثم دفعت إليه المصحف والخاتم وقلت له : هذا ما أوصاني به ، فنكس رأسه وأسبل دمعته وأوصى علىّ بعض الحجاب وقال ليكن هذا عندك إلى أن أسألك عنه ؛ فلما رجع هو وأصحابه أمر بالستور فرفعت ، ثم قال للحاجب هات الرجل وإن كان يجدّد علىّ أحزانى ، فقال لي الحاجب : يا أبا عامر إن أمير المؤمنين محزون مهموم ، فإذا أردت أن تكلمه عشر كلمات فاجعلها خمسا ، فقلت نعم ودخلت عليه فإذا مجلسه خال ، فلما رآني قال : ادن منى ، يا أبا عامر ، فدنوت منه ، فقال : أتعرف ولدى ؟ قلت نعم قال في أي شئ كان يعمل ؟ قلت في الطين والحجارة ، قال استعملته أنت ؟ قلت نعم ، فقال استعملته وله اتصال برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ؟ فقلت المعذرة للّه تعالى ثم إليك يا أمير المؤمنين ، فإني ما علمت من هو إلا عند وفاته ، قال أنت غسلته بيدك ؟ قلت نعم ، قال هات يدك ، فأخذها ووضعها على صدره وهو يقول : بأبى كيف كفنت العزيز الغريب ؟ ثم أنشأ يقول : يا غريبا عليه قلبي يذوب * ولعيني عليه دمع سكوب يا بعيد المكان حزنى قريب * كدر الموت كل عيش يطيب كان بدرا على قضيب لجين * فهوى البدر في الثرى والقضيب قال ثم تجهز وخرج إلى البصرة وأنا معه حتى انتهى إلى القبر ، فلما رآه غشى عليه ، فلما أفاق أنشد هذه الأبيات : يا غائبا لا يئوب من سفره * عاجله موته على صغره يا قرة العين كنت لي أنسا * في طول ليلى نعم وفي قصره شربت كأسا أبوك شاربها * لابد من شربها على كبره أشربها والأنام كلهم * من كان من بدوه ومن حضره فالحمد للّه لا شريك له * قد كان هذا القضاء من قدره قال أبو عامر : فلما كان تلك الليلة ، قضيت وردى وأضجعت ، وإذا بقبة من نور عليها سحاب من نور ، وإذا قد كشف السحاب فإذا الغلام ينادى : يا
عامر جزاك اللّه عنى خيرا ، فقلت يا ولدى إلى ماذا صرت ؟ قال إلى ربّ كريم راض غير غضبان ؛ أعطاني ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، وآلى على نفسه أن لا يخرج عبد من الدنيا مثل خروجي إلا أكرمه مثل كرامتي ، فاستيقظت فرحا به وبما قال لي ، وبشرني به رضي اللّه تعالى عنه . قلت : حكيت هذه الحكاية على غير هذه الصفة من طريق آخر ، قال الراوي : سئل هارون الرشيد عنه فقال : إنه ولد لي قبل أن أبتلى بالخلافة ، فنشأ نشئا حسنا ، وتعلم القرآن والعلم ؛ فلما وليت الخلافة تركني ولم ينل من دنياي شيئا ، فدفعت إلى أمه هذا الخاتم وهو ياقوت يساوى مالا كثيرا ، وقلت لها تدفعين هذا إليه ؟ وكان برّا بأمه رحمة اللّه تعالى عليه . ( الحكاية التاسعة عشرة : عن عبد اللّه بن مهران رحمه اللّه تعالى ) قال : حج هارون فوافى الكوفة فأقام بها أياما ، ثم ضرب بالرحيل ، فخرج الناس وخرج بهلول المجنون رضى اللّه تعالى عنه فيمن خرج ، فجلس بالكناسة والصبيان يؤذونه ويولعون به ، إذ أقبلت هوادج هارون فكف الصبيان عن الولوع به ، فلما جاء هارون نادى البهلول بأعلى صوته : يا أمير المؤمنين ، يا أمير المؤمنين ؛ فكشف هارون السجاف بيده وقال لبيك يا بهلول لبيك يا بهلول ، فقال يا أمير المؤمنين ، حدثنا أيمن بن نائل عن قدامة بن عبد اللّه العامري قال : « رأيت النبي صلّى اللّه عليه وسلم بمنى على جمل وتحته رحل رثّ ، فلم يكن ضرب ولا طرد ولا إليك إليك ، وتواضعك في سفرك هذا يا أمير المؤمنين خير لك من تكبرك وتجبرك ، فبكى هارون حتى سقطت الدموع على الأرض ثم قال : يا بهلول زدنا يرحمك اللّه تعالى ، فقال : هب أنك قد ملكت الأرض طرّا * ودان لك العباد فكان ماذا ؟ أليس غدا مصيرك جوف قبر * ويحثو الترب هذا ثم هذا ؟ فبكى هارون ثم قال أحسنت يا بهلول ، هل غيره ؟ قال نعم يا أمير المؤمنين ، رجل آتاه اللّه مالا وجمالا فأنفق من ماله وعفّ في جماله كتب في خالص ديوان اللّه تعالى من الأبرار ، فقال أحسنت يا بهلول مع الجائزة ، فقال أردد الجائزة على من أخذتها منه فلا حاجة لي فيها ، قال يا بهلول إن يكن
عليك دين قضيناه فقال يا أمير المؤمنين لا يقضى دين بدين ، أردد الحق إلى أهله ، واقض دين نفسك من نفسك ، فقال يا بهلول فنجرى عليك ما يكفيك ، فرفع بهلول رأسه إلى السماء ثم قال : يا أمير المؤمنين : أنا وأنت من عباد اللّه تعالى فمحال أن يذكرك وينسانى . فأسبل هارون السجاف ومضى . ( الحكاية العشرون ) حكى أنه لما خرج هارون الرشيد حاجا إلى مكة ، فرش له من جوف العراق إلى الحرم لبود مرعزى ، وكان حلف أن لا يحج إلا راجلا ، فاستند يوما إلى ميل وقد تعب ، وإذا بسعدون المجنون قد عارضه وهو يقول : هب الدنيا تواتيكا * أليس الموت يأتيكا فما تصنع بالدنيا * وظل الميل يكفيك ألا يا طالب الدنيا * دع الدنيا لشانيكا كما أضحكك الدهر * كذاك الدهر يبكيكا قال فشهق هارون الرشيد شهقة خرّ مغشيا عليه حتى فاتته ثلاث صلوات ، فلما أفاق طلبه فلم يقع له على أثر وبقي متلهفا عليه . ويروى أن هارون قال في حجته هذا الكلام : الركوب على الخنافس ولا المشي على الطنافس . ( الحكاية الحادية والعشرون : عن محمد بن الصباح رحمه اللّه تعالى ) قال : خرجنا نستسقى بالبصرة ، فلما أصحرنا إذا نحن بسعدون المجنون قاعدا على الطريق ، فلما رآني قام وقال لي : أين ؟ قلت نستسقى ، قال بقلوب سماوية : أم بقلوب خاوية : قلت سماوية ، قال فأجلسوا ههنا واستسقوا ، فجلسنا حتى ارتفع النهار وما تزداد السماء إلا صحوا ولا الشمس إلا حرّا فنظر إلينا وقال : يا بطالون لو كانت قلوبكم سماوية لسقيتم ، ثم توضأ وصلى ركعتين ولحظ إلى السماء بطرفه فتكلم بكلام لم أفهمه ، فو اللّه ما استتم كلامه حتى رعدت السماء وأبرقت وأمطرت مطرا جيدا ، فسألناه عن الكلام الذي تكلم به فقال : إليكم عنى ، إنما هي قلوب حنت فرنت فعاينت فعلمت وعملت وعلى ربها توكلت ، ثم أنشأ يقول : اعرض عن الهجران والتمادي * وارحل لمولى منعم جواد ما العيش إلا في جوار قوم * قد شربوا من صافي الوداد
الحكاية الثانية والعشرون : عن مالك بن دينار رضي اللّه عنه ) قال دخلت جبانة البصرة فإذا أنا بسعدون المجنون رضي اللّه عنه ، فقلت له كيف حالك وكيف أنت ؟ فقال يا مالك كيف يكون حال من أصبح وأمسى يريد سفرا بعيدا بلا أهبة ولا زاد ، ويقدم على ربّ عدل حاكم بين العباد ، ثم بكى بكاء شديدا ، فقلت ما يبكيك ؟ فقال واللّه ما بكيت حرصا على الدنيا ولا جزعا من الموت والبلاء ، ولكن بكيت ليوم مضى من عمرى لم يحسن فيه عملي ، أبكاني واللّه قلة الزاد وبعد المفازة والعقبة الكئود ، ولا أدرى بعد ذلك أصير إلى الجنة أم إلى النار ؟ فسمعت منه كلام حكمة فقلت : إن الناس يزعمون أنك مجنون ، فقال وأنت اغتررت بما اغتر به بنو الدنيا ، زعم الناس أنى مجنون وما بي جنة ، ولكن حبّ مولاي قد خالط قلبي وأحشائى ، وجرى بين لحمي ودمى وعظامي ، فأنا واللّه من حبه هائم مشغوف ، فقلت يا سعدون فلم لا تجالس الناس وتخالطهم ؟ فأنشأ يقول : وما زلت مذ لاح المشيب بمفرقى * أفتش عن هذا الورى ثم أكشف فما إن عرفت الناس إلا ذممتهم * جزى اللّه خيرا كل من لست أعرف فما كل من تهوى يحبك قلبه * ولا كل من تحبب يكن لك منصف وما الناس بالناس الذين عهدتهم * ولا الدار بالدار التي كنت تألف ( الحكاية الثالثة والعشرون : عن ذي النون المصري رضي اللّه عنه ) قال بينما أنا أطوف وقد هدأت العيون ببيت اللّه الحرام إذ أنا بشخص قد حاذى البيت وهو يقول رب عبدك المسكين الطريد الشريد من بين يديك ، أسألك من الأمور أقربها ومن الطاعات أحبها ، وأسألك بأصفيائك من خلقك الكرام من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، إلا سقيتنى بكأس محبتك ، وكشفت عن قلبي أغطية جهل معرفتك ، حتى أرقى بأجنحة الشوق إليك ، فأناجيك في أركان الحق بين رياض العرفان . ثم بكى حتى سمعت وقع دموعه على الحصى ثم ضحك وانصرف ، فتبعته وقلت في نفسي : هذا إما عارف وإما مجنون ، فخرج من المسجد وأخذ نحو خراب مكة ثم التفت إلىّ وقال : مالك ارجع أمامك ، فقلت ما اسمك يرحمك اللّه ؟ قال عبد اللّه . قلت ابن من ؟ قال ابن عبد اللّه ، قلت قد علمت أن الخلق كلهم عبيد اللّه وبنو عبيده ، فما اسمك ؟ قال سماني أبى
سعدون ، قلت المعروف بالمجنون ؟ قال نعم ، قلت فمن القوم الذين سألت اللّه تعالى بهم وبحرمتهم ؟ قال أولئك قوم ساروا إلى اللّه تعالى سيرا من نصب المحبة بين عينيه وتجردوا تجرد من أخذت الزبانية بقلبه ثم التفت إلىّ وقال : يا ذا النون ، قلت نعم ، قال بلغني أنك تقول قل شيئا أسمع من أسباب المعرفة ، قلت أنت الذي يقتبس من علمك ؟ فقال حق السائل الجواب ، ثم أنشأ يقول : قلوب العارفين تحن حتى * تحل بقربه في كل راح صفت في ود مولاها فليست * لها عن ودّ مولاها براح ( الحكاية الرابعة والعشرون عن سعدون ) قيل كان سعدون المجنون رضي اللّه تعالى عنه يدور في شوارع البصرة ويقف على كل دار مر بها ويقرأ ( يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ) ويبكى وينشد : فلو لم يكن شئ سوى الموت والبلى * وتفريق أعضاء ولحم مبدد لكنت حقيقا يا ابن آدم بالبكا * على نائبات الدهر مع كل مسعد وكان إذا اشتد به الجوع أنشد : إلهي أنت قد آليت حقا * بأنك لا تضيع من خلقتا وأنك ضامن للرزق حتى * تؤدى ما ضمنت كما قسمتا وإني واثق بك يا إلهي * ولكنّ القلوب كما علمتا وكان عليه جبة صوف مكتوب على كمها الأيمن سطر : عصيت مولاك يا سعيد * ما هكذا تفعل العبيد وعلى الكم الأيسر مكتوب سطران : تبا لمن قوته رغيف * يأتي به السيد اللطيف يعصى إلها له جلال * وهو به راحم رؤوف ومن خلفه سطران : كل يوم يمر يأخذ بعضي * يذهب الأطيبين شئ ويمضى نفس كفى عن المعاصي وتوبي * ما المعاصي على العباد بفرض
ومن بين يديه سطران : أيها الشامخ الذي لا يرام * نحن من طينة عليك السلام إنما هذه الحياة متاع * ثم موت به تساوى الأنام وعلى عكازه مكتوب سطران : اعمل وأنت بذى الدنيا على وجل * واعلم بأنك بعد الموت مبعوث واعلم بأنك ما قدمت من عمل * يحصى عليك وما خلفت موروث فقيل له : أنت حكيم لست بمجنون ، فقال أنا مجنون الجوارح لست بمجنون القلب ، ثم ولى هاربا رضي اللّه عنه . ( الحكاية الخامسة والعشرون : عن أبي الجوال المغربي رحمه اللّه تعالى ) قال : كنت جالسا مع رجل صالح ببيت المقدس وإذا قد طلع علينا شاب والصبيان حوله يقذفونه بالحجارة ويقولون مجنون ، فدخل المسجد وهو ينادى اللهمّ ارحمني من هذه الدار ، فقلت له هذا كلام حكيم فمن أين لك هذه الحكمة ؟ فقال من أخلص له الخدمة أورثه طرائف الحكمة ، وأيده بأسباب العصمة وليس بي جنون وزلق بل قلق وفرق ، ثم جعل يقول : هجرت الورى في حبّ من جاد بالنعم * وعفت الكرى شوقا إليه فلم أنم وموّهت ذهني بالجنون على الورى * لأكتم ما بي من هواه فما انكتم فلما رأيت الشوق بالحبّ بائحا * كشفت قناعى ثم قلت نعم نعم فإن قيل مجنون فقد جننى الهوى * وإن قيل مسقام فما بي من سقم وحق الهوى والحبّ والعهد بيننا * وحرمة روح الأنس في حندس الظلم لقد لامنى الواشون فيك جهالة * فقلت لطرفى أفصح العذر فاحتشم فعاتبهم طرفي بغير تكلم * وأخبرهم أن الهوى يورث السقم فبالحلم يا ذا المنّ لا تبعدننى * وقرب مزارى منك يا بارئ النسم قال فقلت أحسنت لقد غلط من سماك مجنونا فنظر إلىّ وبكى وقال أو لا تسألني عن القوم كيف وصلوا فاتصلوا ؟ قلت بلى أخبرني ، فقال طهروا
الأخلاق ، ورضوا منه بيسير الأرزاق ، وهاموا من محبته في الآفاق واتزروا بالصدق وارتدوا بالإشفاق ، وباعوا العاجل الفاني بالآجل الباقي ، وركبوا في ميدان السباق وشمروا تشمير الجهابذة الحذاق ، حتى اتصلوا بالواحد الرزاق ، فشرّدهم في الشواهق وغيبهم عن الخلائق ، لا تؤويهم دار ولا يقرّ بهم قرار ، فالنظر إليهم اعتبار ومحبتهم افتخار ، وهم صفوة أبرار ورهبان أحبار ، ومدحهم الجبار ووصفهم النبي المختار ، إن حضروا لم يعرفوا ، وإن غابوا لم يفقدوا وإن ماتوا لم يشهدوا ، ثم أنشأ يقول : كن مع جميع الخلق مستوحشا * مستأنسا بالواحد الحق واصبر فبالصبر تنال المنى * وارض بما يجرى من الرزق واحذر من النطق وآفاته * فآفة المؤمن في النطق وجد في السير وشمر كما * شمر أهل السبق للسبق أولئك الصفوة ممن سما * وخيرة اللّه من الخلق قال : فأنسيت الدنيا عند حديثه ، ثم ولى هاربا وأنا متأسف عليه رضي اللّه عنه . ( الحكاية السادسة والعشرون : عن ابن القصاب الصوفي رحمه اللّه تعالى ) قال : دخلنا جماعة إلى المارستان ، فرأينا فيه فتى مصابا شديد الهوس ، فولعنا به وزدنا في الولع فاتبعناه ، فصاح وقال : انظروا إلى ثياب مطرزة وأجساد معطرة ، قد جعلوا الولع بضاعة والسخف صناعة ، وجانبوا العلم رأسا ، ليسوا من الناس ناسا ، فقلنا له أفتحسن العلم فنسألك ؟ فقال إي واللّه إني لأحسن علما جما فاسألون ، فقلنا من السخىّ في الحقيقة ؟ فقال الذي رزق أمثالكم وأنتم لا تساوون قوت يوم ، فضحكنا وقلنا : من أقلّ الناس شكرا ؟ فقال من عوفي من بلية ثم رآها في غيره ، فترك العبرة والشكر واشتغل بالبطالة واللهو ، قال فكسر قلوبنا ، وسألناه عن بعض الخصال المحمودة فقال : خلاف ما أنتم عليه ، ثم بكى وقال : يا ربّ إن لم تردّ علىّ عقلي فردّ علىّ يدي لعلى أصفع كل واحد من هؤلاء صفعة ، فتركناه وانصرفنا . ( الحكاية السابعة والعشرون : عن عبد الواحد بن زيد رضي اللّه تعالى عنه ) قال : سألت اللّه عزّ وجلّ ثلاث ليال أن يرينى رفيقي في الجنة ، فقيل لي
يا عبد الواحد رفيقك في الجنة ميمونة السوداء ، فقلت وأين هي ؟ فقيل لي في بنى فلان بالكوفة فخرجت إلى الكوفة وسألت عنها ، فقالوا هي مجنونة ترعى غنيمات ، فقلت أريد أن أراها فقالوا اخرج إلى الجبانة فخرجت فإذا هي قائمة تصلى وإذا بين أيديها عكاز وعليها جبة صوف مكتوب عليها : لا تباع ولا تشترى ، وإذا الغنم مع الذئاب فلا الذئاب تأكل الغنم ولا الغنم تخاف من الذئاب ، فلما رأتني أوجزت في صلاتها ثم قالت : ارجع يا ابن زيد فليس الموعد ههنا إنما الموعد غدا ، فقلت يرحمك اللّه من أعلمك أنى ابن زيد ؟ فقالت أما علمت أن الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف ؟ فقلت لها عظينى ، فقالت وا عجبا لواعظ يوعظ ، إنه بلغني ما من عبد أعطى من الدنيا شيئا فابتغى إليه ثانيا إلا سلبه اللّه حبّ الخلوة معه وبدّله بعد القرب بعدا وبعد الأنس وحشة ، ثم أنشأت تقول : يا واعظا قام لاحتساب * تزجر قوما عن الذنوب تنهى وأنت السقيم حقا * هذا من المنكر العجيب لو كنت أصلحت قبل هذا * عيبك أو تبت من قريب كان لما قلت يا حبيبي * موقع صدق من القلوب تنهى عن الغىّ والتمادي * وأنت في النهى كالمريب فقلت لها : إني أرى هذه الذئاب مع الغنم ، فلا الغنم تفزع من الذئاب ولا الذئاب تأكل الغنم ، فلأىّ شئ هذا ؟ فقالت إليك عنى ، فإني أصلحت ما بيني وبين سيدي ، فأصلح ما بين الذئاب والغنم . رضى اللّه تعالى عنها ونفعنا بها آمين . ( الحكاية الثامنة والعشرون : عن أبي الربيع ) قال : بتّ أنا ومحمد بن المنكدر وثابت البناني عند ريحانة المجنونة رضي اللّه تعالى عنها وعنهم أجمعين ، قال فقامت أول الليل وهي تقول : قام المحبّ إلى المؤمل قومة * كاد الفؤاد من السرور يطير فلما كان جوف الليل سمعنا هاتفا يقول : لا تأنس بمن توحشك نظرته * فتمنعن من التذكار في الظلم واجهد وكدّ وكن في الليل ذا شجن * يسقيك كأس وداد العزّ والكرم
فلما ذهب الليل نادت : واحزناه ؛ واسلباه ، فقلت مم ذا ؟ فقالت : ذهب الظلام بأنسه وبإلفه * ليت الظلام بأنسه يتجدّد ( الحكاية التاسعة والعشرون : عن عتبة الغلام رضي اللّه تعالى عنه ) قال : خرجت من البصرة فإذا أنا بخباء أعراب قد زرعوا زرعا ، وإذا بخيمة مضروبة ، وإذا في الخيمة جارية مجنونة عليها جبة صوف مكتوب عليها لا تباع ولا تشترى فدنوت منها فسلمت عليها فلم تردّ على السلام ثم سمعتها تقول : أفلح الزاهدون والعابدونا * إذا لمولاهم أجاعوا البطونا أسهروا الأعين القريحة فيه * فمضى ليلهم وهم شاهدونا جيرتهم محبة اللّه حتى * حسب الناس أن فيهم جنونا هم ألباء ذوو عقول ولكن * قد شجاهم جميع ما يعرفونا قال : فدنوت إليها فقلت : لمن الزرع ؟ فقالت لنا إن سلم ، فتركتها وأتيت بعض الأخبية ، فأرخت السماء مطرا كأفواه القرب ، فقلت واللّه لآتينها وأنظر قصتها في هذا المطر ، فإذا بالزرع قد غرق وإذا هي قائمة وهي تقول : والذي أودع قلبي من صروف صفاء مودّة محبتك إن قلبي ليوقننّ منك بالرضا ، ثم التفتت إلىّ وقالت : يا هذا إنه الذي زرعه فأنبته ، وأقامه فسنبله ، وركبه فشققه ، وأرسل عليه غيثا فسقاه ، واطلع عليه فحفظه ، فلما دنا حصاده أهلكه ؛ ثم رفعت رأسها نحو السماء وقالت : كلّ العباد عبادك وأرزاقهم عليك فاصنع ما شئت ، فقلت لها : كيف صبرك ؟ فقالت اسكت يا عتبة إن إلهي لغنىّ حميد ، في كلّ يوم منه رزق جديد ، الحمد للّه الذي لم يزل يفعل بي أكثر مما أريد ، قال عتبة : فو اللّه ما ذكرت كلامها إلا هيجنى وأبكاني . ( الحكاية الثلاثون : عن ذي النون المصري رضي اللّه تعالى عنه ) قال : وصف لي رجل من أهل المعرفة في جبل لكام ، فقصدته فسمعته يقول بصوت حزين في بكاء وأنين : يا ذا الذي أنس الفؤاد بذكره * أنت الذي ما إن سواك أريد تقنى الليالي والزمان بأسره * وهواك غضّ في الفؤاد جديد
قال ذو النون فتبعت الصوت فإذا بفتى حسن الوجه حسن الصوت ، وقد ذهبت تلك المحاسن وبقيت رسومها ، نحيل قد اصفر واحترق ، وهو يشبه الوله الحيران ، فسلمت عليه ، فردّ على السلام وبقي شاخصا يقول : أعميت عيني عن الدنيا وزينتها * فأنت والروح منى غير مفترق إذا ذكرتك وافى مقلتى أرق * من أول الليل حتى مطلع الفلق وما تطابقت الأحداق عن سنة * إلا رأيتك بين الجفن والحدق ثم قال : يا ذا النون مالك وطلب المجانين قلت : أو مجنون أنت ؟ قال قد سمعت به . قلت مسئلة ، قال سل ، قلت أخبرني ما الذي حبب إليك الانفراد وقطعك عن المؤانسين وهيمك في الأودية والجبال ؟ فقال حبى له هيمنى وشوقى إليه هيجنى ، ووجدى به أفردنى ، ثم قال : يا ذا النون أعجبك كلام المجانين ؟ قلت إي واللّه وأشجانى ، ثم غاب عنى فلا أدرى أين ذهب رضي اللّه عنه . ( الحكاية الحادية والثلاثون : عن ذي النون المصري أيضا رضي اللّه عنه ) قال : بلغني أن بجبل المقطم جارية متعبدة فأحببت لقاءها ، فخرجت إلى المقطم أطلبها فلم أجدها ، فلقيت جماعة من المتعبدين فسألتهم عنها ، فقالوا أتترك العقلاء وتسأل عن المجانين ؟ فقلت دلوني عليها وإن كانت مجنونة ، فقالوا هي في الوادي الفلاني ، فذهبت إلى الوادي فلما أشرفت عليه سمعت صوتا حزينا وهو يقول : يا ذا الذي أنس الفؤاد بذكره * أنت الذي ما إن سواك أريد قال : فاتبعت الصوت فإذا بجارية جالسة على صخرة عظيمة ، فسلمت عليها ، فردّت علىّ السلام وقالت : يا ذا النون مالك وللمجانين تطلبهم ؟ فقلت لها وأنت مجنونة ؟ فقالت لو لم أكن مجنونة لما نودي علىّ بالجنون ، فقلت لها ما الذي جننك ؟ قالت يا ذا النون ، حبه جننى ، وشوقه هيمنى ، ووجده أقلقني ، لأن الحبّ في القلب والشوق في الفؤاد والوجد في السر ، فقلت يا جارية ، الفؤاد غير القلب ؟ فقالت نعم ، الفؤاد نور القلب ، والسرّ نور الفؤاد ؛ فالقلب يحبّ ، والفؤاد يشتاق ، والسرّ يجد ، قلت وما يجد ؟ قالت يجد الحقّ ، قلت وكيف
يجد الحقّ ؟ قالت يا ذا النون وجدان الحقّ بلا كيف ، ثم أنشأت تقول : إن كنت بالوجد موجودا فلا وجدت * نفسي وجودك إلا بعد موجودى فقلت يا جارية ، ما صدق وجدانك للحقّ ؟ فبكت بكاء شديدا حتى كادت نفسها تفيض ، ثم غشى عليها ، فلما أفاقت نادت تقول : أوّاه أوّاه منك ، ثم أنشأت تقول : فوجدى به وجد بوجد وجوده * ووجد وجود الواجدين لهيب لئن متّ حقا في محبة سيدي * فإنّ المنايا في الفؤاد تطيب ثم صاحت صيحة وقالت : هكذا يموت الصادقون ، وغشى عليها ساعة ، فحركتها فإذا هي ميتة ، فطلبت شيئا أحفر لها به قبرا ، فإذا هي قد غيبت عنى ، فلم أجدها رحمة اللّه عليها . ( الحكاية الثانية والثلاثون : عن الفضيل بن عياض رضي اللّه تعالى عنه ) قال : مكثت في جامع الكوفة ثلاثة أيام ، لم أطعم طعاما ولم أشرب شرابا ، فلما كان اليوم الرابع هزلنى الجوع ، فبينما أنا جالس ، إذ دخل علىّ من باب المسجد رجل مجنون وبيده حجر كبير ، وفي عنقه غلّ ثقيل ، والصبيان من ورائه ، فجعل يجول في المسجد حتى إذا حاذانى جعل يتفرّس فىّ ، ففزعت في نفسي منه ، فقلت إلهي وسيدي ، أجعتنى وسلطت علىّ من يقتلني ؟ فالتفت إلىّ وقال : محلّ نبات الصبر فيك غريزة * فياليت شعري هل لصبرك آخر قال الفضيل : فزال عنى جزعي ، وطار عنى هلعى ، وقلت : يا سيدي لولا الرجاء لم أصبر ، قال : فأين مستقرّ الرجاء منك ؟ قلت بحيث مستقرّ هموم العارفين ، قال : أحسنت واللّه يا فضيل ، إنها لقلوب الهموم عمرانها ، والأحزان أوطانها ، عرفته فاستأنست به وارتحلت إليه ؛ فعقولهم صحيحة ، وقلوبهم غارقة ، بالأنوار مشرقة ، وأرواحهم بالملكوت الأعلى معلقة ، ثم ولى وأنشأ يقول : فهام ولىّ اللّه في القفر سائحا * وحطت على سير القدوم رواحله فعاد بخير قد جرى في ضميره * تذوب به أحشاؤه ومفاصله
قال الفضيل : فو اللّه لقد بقيت عشرة أيام لم أطعم طعاما ، ولم أشرب شرابا وجدا بكلامه ، فطوبى لمن استوحش من الخلق ، وأنس بالحقّ ، وأنشد بعضهم : أنست بوحدتى ولزمت بيتي * فطاب الأنس لي وصفا السرور وأدّبنى الزمان فلا أبالي * هجرت فلا أزار ولا أزور ولست بسائل ما عشت يوما * أسار الجند أم ركب الأمير وأنشد آخر : كفاني من اللذّات أن لا يروعنى * وزير ولا يسطو علىّ أمير ( الحكاية الثالثة والثلاثون : عن الشبلي رضى اللّه تعالى عنه ) قال : مرّ بي بهلول المجنون في بعض الأيام وهو خارج إلى الجبانة ، ومعه قصبة قد جعلها فرسه ، وبيده مقرعة وهو يعدو ، فقلت : إلى أين يا بهلول ، فقال : إلى العرض على اللّه عزّ وجلّ ، قال فجلست حتى رجع وقد انكسرت القصبة ، واحمرّت عيناه من البكاء ، فقلت له : ما كان منك ؟ قال : وقفت بين يديه على أن يكتبني من الخدّام فلما عرفني طردني ، قلت : هذا القول من بهلول قول عارف محبّ مقبول ، صدر من قلب حزين بالخوف مشغول - وفي معنى العرض والردّ والقبول أسرت في هذه العشرة الأبيات أقول : عرضنا على المولى ونحن عبيد * فمنا شقىّ ردّه وسعيد فمن كان منا ليس يصلح خادما * فعن بابه بالطرد ذاك بعيد ومن كان يصلح فهو في قدس حضرة * قريب ومقبول هناك حميد حبيب له جاه عريض ورفعة * ومجد على مرّ الجديد جديد أولئك خدّام كرام وسادة * ونحن عبيد السوء بئس عبيد فياغبننا يوم التغابن عندما * يقابلهم وعد ونحن وعيد ترى الناس إلا هم سكارى وما هم * سكارى ولكنّ العذاب شديد تحيط بنا الأهوال من كل جانب * إلى أن كأنا بالعقار نميد وهم ركبوا نجبا من النور في الهوا * تطير إلى الربّ الكريم وفود ولا فزع يحزنهم بل بقربه * لهم فرح يحلو هناك وعيد
قيل : مثل الصالحين وما زينهم اللّه به دون غيرهم ، مثل جند قال لهم الملك تزينوا للعرض علىّ غدا ، فمن كانت زينته أحسن كانت منزلته عندي أرفع ، ثم يرسل الملك في السر بزينة من عنده ، ليس عند الجند مثلها ، إلى خواصّ مملكته وأهل محبته ، فإذا تزينوا بزينة الملك فخروا على سائر الجند عند العرض على الملك ، فهذا مثل من وفقهم اللّه للأعمال الصالحات . ( الحكاية الرابعة والثلاثون عن السرى السقطي ) قال السرّى السقطىّ رضى اللّه تعالى عنه : خرجت يوما إلى المقابر ، فإذا ببهلول المجنون ، فقلت له : أىّ شئ تصنع ههنا ؟ قال : أجالس قوما لا يؤذوننى وإن غبت لا يغتابوننى ، فقلت له ألا تكون جائعا ؟ فولى عنى وأنشأ يقول : تجوع فإن الجوع من علم التقى * وإن طويل الجوع يوما سيشبع وقيل لآخر من عقلاء المجانين ، وقد أقبل من بعض المقابر : من أين جئت ؟ فقال : من عند هذه القافلة النازلة ، قيل له : ماذا قلت لهم وماذا قالوا لك ؟ قال : قلت لهم : متى ترحلون ؟ فقالوا حين تقدمون - وقيل لآخر : لم لا تصلى ؟ فتكلم بكلام عجيب غريب وأنشد شعرا : يقولون زرنا واقض واجب حقنا * وقد أسقطت حالي حقوقهم عنى إذا هم رأوا حالي ولم يأنفوا لها * ولم يأنفوا منها أنفت لهم منى وأنشد بعضهم شعرا : يقولون مجنون ولو علموا بما * أقاسيه من فرط الجوى بسطوا العذرا وسئل بعضهم عن هؤلاء المجانين وما يتكلمون به من الحكمة والمعرفة فقال : إن هؤلاء كان لهم فضل وعقل ، فلما أخذ اللّه عقلهم أبقى عليهم فضلهم . ( الحكاية الخامسة والثلاثون : عن عطاء رضي اللّه تعالى عنه ) قال : دخلت سوقا من الأسواق ، فإذا أنا بجارية ينادى عليها ، فاشتريتها بسبعة دنانير على أنها مجنونة ، وجئت بها إلى منزلي ، فلما كان الليل وقد مضى بعضه ، رأيتها قد توضأت واستقبلت القبلة تصلى ، فسمعتها تختنق بالدموع وتقول : إلهي بحبك لي إلا ما رحمتنى ، فتحققت جنونها ، وقلت يا جارية
تقولي هكذا ، ولكن قولي بحبي لك ، فقالت : إليك عنى يا بطال ، فوحقّ حقه لو لم يحبني ما أنامك وأقامني ، ثم سقطت على وجهها وجعلت تقول : الكرب مجتمع والقلب محترق * والصبر مفترق والدمع مستبق كيف القرار على من لا قرار له * مما جناه الهوى والشوق والقلق يا ربّ إن كان شئ فيه لي فرج * فامنن علىّ به ما دام بي رمق ثم نادت بأعلى صوتها : إلهي كانت المعاملة بيني وبينك سرّا ، والآن قد علم المخلوقون ، فاقبضني إليك ، ثم شهقت شهقة فارقت الدنيا ، رحمة اللّه عليها . ( الحكاية السادسة والثلاثون : عن الشبلي رضي اللّه تعالى عنه ) قال : رأيت مجنونا في بعض الطرقات والصبيان خلفه يرجمونه بالحجارة وقد أدموا وجهه ، وشجوا رأسه ، فزجرتهم عنه ، فقالوا : يا شيخ دعنا نقتله ، فإنه كافر ، قلت : ما بدا لكم من كفره ؟ قالوا : يزعم أنه يرى ربه ويحادثه ، فقلت أمسكوا علىّ قليلا ، ثم تقدمت إليه ، فوجدته يتحدث ويضحك ويقول في أثناء ذلك هذا جميل منك ، تسلط علىّ هؤلاء الصبيان يفعلون بي هكذا ؟ فقلت له : يا أخي هؤلاء الصبيان يقولون عنك شيئا ، قال يا شبلى ما يقولون ؟ قلت : يقولون إنك تزعم أنك ترى ربك وتحادثه ، فصاح صيحة عظيمة ، ثم قال : يا شبلى وحقّ من تيمنى بحبه وهيمنى بين بعده وقربه ، لو احتجب عنى طرفة عين لتقطعت من ألم البين ، ثم ولى عنى مسرعا وهو يقول : خيالك في عيني وذكرك في فمي * ومثواك في قلبي فأين تغيب قلت : الصواب في هذا البيت أن يقال : جمالك في عيني وذكرك في فمي * وحبك في قلبي فأين تغيب لأن بعض ألفاظ البيت الذي قاله لا يجوز في صفات الخالق سبحانه وتعالى . ( الحكاية السابعة والثلاثون : عن محمد بن محبوب رحمه اللّه تعالى ) قال : كنت في شارع المارستان ، فإذا بغلام قد غلّ وقيد ، فقال لي : يا ابن محبوب : أتراه بعد الغلّ والقيد راضيا عنى ، كل ذلك في حبه ، ثم بكى وأنشأ يقول
من ذنوبي يحقّ لي أن أنوحا * لم تدع لي الذنوب قلبا صحيحا أخلقت مهجتي أكفّ المعاصي * ونعانى المشيب نعيا صريحا كلما قلت قد برى جرح قلبي * عاد قلبي من الذنوب جريحا إنما الفوز والنعيم لعبد * جاء في الحشر آمنا مستريحا ( الحكاية الثامنة والثلاثون : عن علىّ بن عبدان رحمه اللّه تعالى ) قال : كان عندنا مجنون يجنّ بالنهار ، ويفيق بالليل ، ويصلى ويناجى ربه إلى الصباح ، فقلت له يوما : منذ كم جننت ؟ قال منذ عرفت ، ثم أنشأ يقول : أنا الذي ألبسني سيدي * لما تقرّبت لباس الوداد فصرت لا آوى إلى مؤنس * إلا مالك رازق العباد قال : فخرجت فإذا أنا به ذاهل العقل ، فدخل وقال : ( آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا ) فعلمت أنه جائع ، فقدمت إليه طعاما ، فأكل ثم شرب ، وأنشأ يقول : عليك اتكالى لا على الناس كلهم * وأنت بحالي عالم ليس تعلم وأقسمت أنى كلما جعت سيدي * ستفتح لي بابا فأسقى وأطعم فقلت له : أوصني بوصية ، فأنشأ يقول : الزم الخوف مع الحزن وتق * وى اللّه تربح واترك الدنيا جميعا إن تقوى اللّه أرجح واجتهد في * ظلمة الليل إذا ما الليل جنح واقرع الباب قليلا * فلعلّ الباب أن ينفتح * وقيل لبعضهم : علمني شيئا أنتفع به ، فقال : فرّ منهم ولا تأنس بهم ، فيتمّ اتصالك ، ويقلّ عذابك ، فقلت زدني ، قال : الزم الصدق والتقى * واترك العجب والريا وأغلب النفس والهوى * ترزق السؤل والمنى فقلت : حسبك رضي اللّه تعالى عنك
الحكاية التاسعة والثلاثون : عن ذي النون المصري رضي اللّه تعالى عنه ) قال : رأيت في جبل لبنان في كهف رجلا أبيض الرأس واللحية ، أشعث أغبر نحيفا نحيلا ، وهو يصلى ، فسلمت عليه بعد ما سلم من الصلاة ، فردّ علىّ السلام وقام إلى الصلاة ، فما زال راكعا وساجدا حتى صلى العصر ، ثم استند إلى حجر ، وجعل يسبح اللّه ولا يكلمني ، فقلت له : رحمك اللّه ، ادع اللّه عزّ وجلّ لي ، فقال : آنسك اللّه بقربه ، فقلت له : زدني ، فقال : يا بنىّ من آنسه اللّه بقربه أعطاه أربع خصال عزّا من غير عشيرة ، وعلما مغير طلب ، وغنى من غير مال وأنسا من غير جماعة ، ثم شهق شهقة فلم يفق إلا بعد ثلاثة أيام ، ثم قام فتوضأ وسألني : كم فاته من صلاة ؟ فأخبرته ، فقال : إن ذكر الحبيب هيج شوقى * ثم حبّ الحبيب أذهل عقلي وقد استوحشت من ملاقاة المخلوقين ، وأنست بربّ العالمين ، وانصرف عنى بسلام ، فقلت له : يرحمك اللّه ، وقفت عليك ثلاثة أيام رجاء الزيادة ، وأريد موعظة منك وبكيت ، فقال : أحبب مولاك ، ولا ترد بحبه بدلا ، فالمحبون للّه هم تيجان العباد وعلم الزهاد ، وهم أصفياء اللّه وأحباؤه وعباده وأولياؤه ، ثم صرخ صرخة وفارق الدنيا ، فما كان إلا هنيهة فإذا نحن بجماعة من العباد ينحدرون من الجبل ، فتولوه حتى واروه تحت التراب ، فسألت ما اسم هذا الشيخ ؟ فقالوا شيبان المصاب ، رحمه اللّه تعالى ونفعنا به . ( الحكاية الأربعون : عن ذي النون أيضا رضي اللّه عنه ) قال : بينما أنا جالس في بعض أودية بيت المقدس ، إذ سمعت صوتا يقول : يا ذا الأيادى التي لا تحصى ، ويا ذا الجود والبقاء ، متع بصر قلبي في الجولان في جبروتك ، واجعل همتي متصلة بجود لطفك يا لطيف ، وأعذنى من مسالك المتجبرين بجلال بهائك يا رؤوف واجعلني لك في الحالين خادما يا لطيف ، وكن لي يا منوّر قلبي وغاية طلبي في القصد صاحبا ، قال : فطلبت الصوت فإذا هي امرأة كأنها كالعود المحترق ، وعليها درع من الصوف وخمار من الشعر ، قد أضناها الجهد ، وأفناها الكمد ، وذوّبها الحبّ ، وقتلها الوجد ، فقلت : السلام عليك ، فقالت وعليك السلام يا ذا النون ، فقلت لا إله إلا اللّه ، كيف عرفت اسمى ولم تريني ؟
قالت : كشف لي عن سرّه الحبيب ، فرفع عن قلبي حجاب العمى فعرّفنى اسمك ، فقلت ارجعي إلى مناجاتك ، فقالت أسألك يا ذا النور والبهاء أن تصرف عنى شرّ ما أجد ، فقد استوحشت من الحياة ، ثم خرّت ميتة ، فبقيت متحيرا متفكرا ، فأقبلت عجوز كالولهانة ، فنظرت إليها ، ثم قالت : الحمد للّه الذي أكرمها ، فسألتها من هي ؟ فقالت : أنا زهراء الولهانة ، وهذه ابنتي ، توهم الناس منذ عشرين سنة أنها مجنونة ، وإنما قتلها الشوق إلى ربها عزّ وجلّ ، رضى اللّه تعالى عنها . وأنشد بعضهم : قالوا جننت بمن تهوى فقلت لهم * ما لذّة العيش إلا للمجانين ( الحكاية الحادية والأربعون : عن الشيخ أبى عبد اللّه الإسكندرانى رضي اللّه عنه ) قال : كنت بجبل لكام أسيح راجيا رؤية الرجال أو النساء من القوم الصالحين ، فجمع اللّه لي مرادي ، فأوّل من لقيت امرأة ، وقد سمعتنى أنشد هذه الأبيات : يا جيرة الحىّ من شرقي ذي سلم * هل عودة لليالينا على العلم أيام شملي بكم يا سلم مجتمع * وحبل ودّى لديكم غير منصرم ناشدتك اللّه إن جزت العقيق ضحى * فاقر السلام عليهم غير محتشم وقل تركت صريعا في دياركم * ميتا كحىّ يعير السقم ذا سقم قال : فلما رأيتها قلت في نفسي : لو كان اجتماعي برجل كان أحسن من امرأة ، فقالت : يا أبا عبد اللّه ما رأيت أعجب من حالك ! أيريد الاجتماع بالرجال من لم يصل إلى مقامات النساء ؟ فقلت ما أكثر دعواك ، فقالت تحرم الدعاوى بغير بينة ، فقلت فما الذي لك من البينة ؟ قالت هو لي كما أريد ، لأنى له كما يريد ، قلت فأريد الساعة سمكا مشويا طريا ، قالت هذا من نزول مقامك وافتجاعك في غذائك وطعامك ، وهلا سألته أن يهب لك من الشوق جناحا تطير به إليه كطيرانى ، ثم طارت وتركتني ، فو اللّه ما رأيت أمرّ من ذلى ، وأحلى من عزّها ، فعدوت خلفها وقلت : يا سيدتي بالذي أعطاك ومنعني ، وجاد عليك
وخذلنى ، جودي علىّ بدعوة ، فقالت أنت لا تريد إلا دعوة الرجال ، ثم أنشدت : ما الجزع وما الغضا وما نعمان * لولاك وما طويلع والبان ما ينفعني العقيق والسكان * إن لم أركم بالحمى سكان فقلت لها : إن لم يكن الدعاء ، فزوّدينى منك بنظرة ، وقلت : قفى زوّدينى نظرة من جمالك * وإلا دعيني سائرا مع جمالك وقولي لحادى الميس هذا أسيرنا * ترفق بصبّ واله متهالك وجودي على المشتاق يوما بنظرة * وفاء له إن الوفاء من فعالك فقالت : إن الذي أنا فيه من الخطر ، أولى من اشتغالك بالنظر ، قلت والدعاء لا بدّ منه ، قالت : في غداتك تلقى السيد الداعي ، والمولى المجيب الواعي ، والمليح المقبول في المساعى ، ثم مرّت ولحلو العيش أمرت ، وغابت عنى وما غابت ، بل بسهام حالها رمت قلبي فأصابت ، ثم بتّ ليلتي ببليتي ، وقد بلبلت بشرف بالها بلبالى ، وقطعت لما قطعت بسيف حبها أوصالى ؛ فلما كان من الغد ، إذا أنا برجل يزحف وعليه آثار المآثر ، وبه من الحبّ ثائر ، فقلت : إن كان الرجل المشار إليه كما ذكرت فهو هذا ، فأقبل بإقباله وقبوله علىّ ، وقال نعم هو هو ، قلت : يا سيدي فلعلّ إرفادى بدعوة يكون لي بها عند الحبيب حظوة ، فقال : يا أبا عبد اللّه فاتك دعاء من ليس لها دعوى ، أما كان عندك من بصر البصيرة ما تعرف به ريحانة الكوفية ، ولكن يا أبا عبد اللّه ، ما أقدر أن أدعو لك حتى تصل إلى مقام مجانيننا ، وفي غد تراهم وتؤمن بما من الوجد اعتراهم ، ثم غاب عنى فلم أره ، فأدركني من الوجد ما لا أعبر عنه ، ولا أقدر على فراغى منه ، ثم أنشد لسان حالي : أنا شيخ الهوى بزاوية الحبّ * ومن يدّعى الغرام مريدى والذي مات بالغرام شهيدا * ذاك في شرعة الهوى من شهودي وفقيه مدرس سنن العش * ق فمن ذا الذي يكون معيدى وإذا ما ادّعى المحبة قوم * دع دعاويهم فهم من عبيدي
يا أهيل الهوى إلىّ هلموا * أنا سلطانكم وأنتم جنودى قلت للقلب قد ملئت غراما * فأجاب الفؤاد هل من مزيد سكرة الحبّ أين منها خلاصي * ليس عن سكرة الهوى من محيد وإذا أنكر العذول غرامى * فالهوى سائقى ودمعي شهودي فلما كان من الغد ، إذا بقارئ يقرأ ( وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ، وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ ، وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ) بصوت رخيم من قلب حزين رحيم ، يكاد سامعه يذوب شوقا ، ومستحديه يتوله جنونا وعشقا ، ومجاريه لا يجاريه سعيا وسبقا : فالمطرود يناديه بحضرة ناديه ؛ كم تسعد وأشقى ، فقلت : وقد استعبدنى بحسن صوته رقا ، بالذي جاد بنعمة النغمة حقا ، ارفق بقلب شقه خوف الفراق شقا ، وجعله على لبة أطيار العشق عنقا ، وصيره صريعا على مصارع أبواب أرباب الوصل والوصول ملقى ، قال : فبرز لي رجل قد خنقه الحبّ خنقا ، وقال : ما تريد بالمجنون الذي دمعه لا يرقا ، وجنونه لا يداوى ولا يرقى ، وعمره في الطريق ينادى الحريق ، فما يرى نحو الغريق سحابا ولا برقا ، ولكن قد أحالوك على في الدعاء بنسبة الجنون بيننا وفقا ، فعليك بجناب المجانين وانشق من حبهم نشقا ، والزم سنة سيدنا محمد صلّى اللّه عليه وسلم تدوم وتبقى ، واحذر أن تخرج عنها فتسمع منه وقد غضب سحقا سحقا ، فقلت : أوصني ، فقال : ارحم نفسك من الذنوب فإنها ضعيفة ، وارفق بها رفقا ، وإياك ودنياك ، فإنها تجعل أعالي أبنائها ببحرها غرقى ، وأوساطهم شرقي ، وأدناهم حرقى ، ومع هذا متعك اللّه قبولا ووصولا وصدقا ، وجعلك من قوم رضى اللّه تعالى عنهم ، فقال عز من قائل : « أولئك هم المؤمنون حقا » ولا أحرمك لذة النظر ، ولا جعلك ممن يقنع بعد العيان بالخبر ، ففهمت ما أشار إليه رحمة اللّه تعالى عليه . ( الحكاية الثانية والأربعون : عن ذي النون رضى اللّه تعالى عنه ) قال : بينما أنا أسير في جبل أنطاكية ، إذ أنا بجارية كأنها مجنونة ، وعليها جبة صوف ، فسلمت عليها فردت على السلام ، ثم قالت : ألست ذا النون ؟ فقلت : عافاك اللّه كيف عرفتينى ؟ فقالت : عرفتك بمعرفة حب الحبيب ، ثم قالت : أريد
أن أسألك عن مسألة ، قلت سلى ، قال : أي شئ السخاء ؟ قلت : البذل والعطاء ، قالت : هذا السخاء في الدنيا ، فما السخاء في الدين ؟ قلت : المسارعة إلى طاعة رب العالمين ، قالت : فإذا سارعت إلى طاعة المولى فهو أن يطلع على قلبك وأنت لا تريد منه شيئا منذ عشرين سنة فأستحى منه مخافة أن أكون كأجير السوء إذا عمل طلب الأجرة ، ولكن أعمل تعظيما لهيبته وعز جلاله ، ثم مرت وتركتني رضى اللّه تعالى عنها . ( الحكاية الثالثة والأربعون : عن ذي النون أيضا رضى اللّه تعالى عنه ) قال : بينما أنا أسير في تيه بني إسرائيل ، إذ أن بجارية سوداء قد استلبها الوله من حب الرحمن ، شاخصة ببصرها نحو السماء ، فقلت : السلام عليك يا أختاه ، فقالت : وعليك السلام يا ذا النون ، فقلت لها من أين عرفتينى يا جارية ؟ فقالت : يا بطال إن اللّه عز وجل خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام ، ثم أدارها حول العرش ، فما تعارف منها ائتلف ، وما تناكر منها اختلف ، فعرفت روحي روحك في ذلك الجولان ، وأنشدت تقول : إن القلوب لأجناد مجندة * للّه في الغيب والأهواء تختلف فما تعارف منها فهو مؤتلف * وما تناكر منها فهو مختلف قال ذو النون رضى اللّه تعالى عنه : فقلت إني لأراك حكيمة ، علمينى شيئا مما علمك اللّه ، فقالت : يا أبا الفيض ضع على جوارحك ميزان القسط حتى يذوب كل ما كان لغير اللّه تعالى ويبقى القلب مصفى ليس فيه غير الرب عز وجل ، فحينئذ يقيمك على الباب ، ويوليك ولاية ويأمر الخزان لك بالطاعة ، فقلت : يا أختاه زيدينى ، فقالت : يا أبا الفيض خذ نفسك لنفسك ، وأطع اللّه تعالى إذا خلوت بحبك إذا دعوت ، رضى اللّه تعالى عنها ورحمها . ( الحكاية الرابعة والأربعون : عن أبي القاسم الجنيد رضي اللّه عنه ) قال : حججت في الوحدة ، فجاورت بمكة ، فكنت إذا جن الليل دخلت الطواف ، وإذا بجارية تطوف وتقول : أبى الحب أن يخفى وكم قد كتمته * فأصبح عندي قد أناخ وطنبا إذا اشتد شوقى هام قلبي بذكره * وإن رمت قربا من حبيبي تقربا ويبدو فأفنى ثم أحيا به له * ويسعدني حتى ألذ وأطربا
قال : فقلت لها يا جارية ، أما تتقين اللّه في مثل هذا المكان تتكلمين بهذا الكلام ؟ فالتفتت إلى وقالت يا جنيد : لولا التقى لم ترني * أهجر طيب الوسن إن التقى شردنى * كما ترى عن وطنى أفر من وجدى به * فحبه هيمنى ثم قالت : يا جنيد ، أنت تطوف بالبيت أم برب البيت ؟ فقلت : أطوف بالبيت ، فرفعت رأسها إلى السماء وقالت : سبحانك سبحانك ، ما أعظم مشيئتك في خلقك ، خلق كالأحجار يطوفون بالأحجار ، ثم أنشأت تقول : يطوفون بالأحجار يبغون قربة * إليك وهم أقسى قلوبا من الصخر وتاهوا فلم يدروا من التيه من هم * وحلوا محل القرب في باطن الفكر فلو أخلصوا في الود غابت صفاتهم * وقامت صفات الود للحق بالذكر قال الجنيد : فغشى على من قولها ، فلما أفقت لم أرها رضى اللّه تعالى عنها . ( الحكاية الخامسة والأربعون : عن ذي النون المصري رضي اللّه عنه ) قال : لقيت امرأة في تيه بني إسرائيل ، عليها مدرعة من شعر ، وخمار من صوف ، وفي كفها عكاز من حديد ، فقلت : السلام عليك ورحمة اللّه ، فقالت : وعليك السلام ورحمة اللّه ، ما للرجال وخطاب النساء عافاك اللّه ، فقلت : أنا أخوك ذو النون المصري ، فقالت : مرحبا حياك اللّه بالسلام ، قلت : ما تصنعين ههنا ؟ قالت : كلما أتيت إلى بلد يعصى فيه الحبيب ضاق على ذلك البلد ، فأنا أطلب بقعة طاهرة ، أخر عليها ساجدة أناجيه بقلب ذاب من شدة الشوق إلى لقائه ، قلت : ما سمعت أحدا يذكر الحبيب أحسن من ذكرك ، فأي شئ المحبة ؟ فقالت : سبحان اللّه أنت الحكيم الواعظ وتسألني عن المحبة ؟ أول المحبة يبعث على الكد الدائم ، حتى إذا وصلت أراوحهم إلى أعلى الصفاء جرعهم من محبته لذيذ الكئوس ، ثم صرخت وخرت مغشيا عليها ، فلما أفاقت رضى اللّه تعالى عنها قالت : أحبك حبين حب الهوى * وحبا لأنك أهل لذاكا فأما الذي هو حب الهوى * فذكر شغلت به عن سواك وأما الذي أنت أهل له * فكشفك للحجب حتى أراكا ولا حمد في ذا ولا ذاك لي * ولكن لك الحمد في ذا وذاكا
الحكاية السادسة والأربعون عن محمد بن رافع رحمه اللّه ) قال : أقبلت من بلاد الشام ، بينما أنا في بعض الطريق ، رأيت فتى عليه جبة من صوف ، وبيده ركوة ، فقلت : أين تريد ؟ قال : لا أدرى ، فقلت : من أين جئت ؟ فقال لا أدرى ، فظننته موسوسا ، فقلت : من خلقك ؟ فاصفر لونه حتى كأنه صبغ بالزعفران ، ثم قال : خلقني من لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ، فقلت : يرحمك اللّه أنا من إخوانك ، وممن يأنس إلى أمثالك ، فلا تنقبض منى ، فقال : إني واللّه أود لو أجاز لي ترك الجماعات حتى أنفرد في شاهق منيف صعب المرتقى ، أو في غار لعلى أجد قلبي ساعة يسلو عن الدنيا وأهلها ، فقلت : وما جنت عليك الدنيا حتى استحقت منك هذا البغض ؟ فقال : جناياتها العمى عن جناياتها ، فقلت : هل من دواء تعالج به من هذا العمى الذي حجب عنى ما يراد بي ؟ فقال : ما أراك تقدر على هذا العلاج فاستعمل من الدواء أيسره ، فقلت : صف لي دواء لطيفا ، قال : فما داؤك ؟ قلت : حب الدنيا ، فتبسم وقال : أي داء أعظم من هذا ، ولكن اشرب السموم الطرية ، والمكاره الصعبة ، قلت : ثم ماذا ؟ قال : ثم مر الصبر الذي لا جزع فيه ، والتعب الذي لا راحة فيه ، قلت : ثم ماذا ؟ قال : ثم الوحشة التي لا أنس فيها ، والفرقة التي لا اجتماع معها ، قلت : ثم ماذا ؟ قال : ثم السلو عما تريد ، والصبر عما تحب ، فان أردت فاستعمل هذا ، وإلا فتأخر واحذر الفتن فإنها كقطع الليل المظلم ، قلت له : فدلني على عمل يقربني إلى اللّه عز وجل ، فقال : يا أخي قد نظرت في جميع العبادات ، فلم أر أرفع ، أو قال أنفع من الفرار من الناس ، وترك مخالطتهم ؛ يا أخي رأيت القلب عشرة أجزاء ، فتسعة مع الناس ، وجزء مع الدنيا ، فمن قوى على الانفراد حاز تسعة أجزاء من القلب ، ثم غاب عنى فلم أره ، رضى اللّه تعالى عنه . ( الحكاية السابعة والأربعون : عن بعض الصالحين رضى اللّه تعالى عنهم ) قال : مررت بطبيب وبين يديه جمع من الناس ، وهو يصف لهم ما يشربون ، فتقدمت إليه فجس بيدي جسا لطيفا وقال لي : أرى بك داء ليس يبلغه وصفى * ولكن بحمد اللّه يبريك ذو اللطف فصحت من الآلام صيحة مغرم * صدقت وقد أشهرت جملة ما أخفى فجد لي بوصف فيه برئى من الضنا * فقد حل ما بي من سقامى ومن ضعفي
قال : فأطرق ساعة ثم قال : خذ عروق الفقر مع ورق الصبر ، مع إهليلج التواضع ، ثم ألق الجملة في ظرف اليقين ، واجعل عليه ماء الخشية والحياء ، وأوقد تحته نار الحزن والشجى ، ثم صفه بمنخل المراقبة في جام الرضا ، وامزجه بشراب التوكل ، وتناوله بكف الصدق ، واشربه بكأس الاستغفار ، وتمضمض بعده بماء الورع ، واجعل حميتك في ترك الحرص والطمع ، فإنك إن فعلت هذا رجوت لك الشفاء إن شاء اللّه تعالى . وأنشدوا : قل للطبيب إذا ما جئت تسأله * هل في علومك ما يشفى من الكمد إني مرضت بأوزاري وفجعتها * وليس بي ألم أشكوه في جسدي ( الحكاية الثامنة والأربعون عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ) قيل : مر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه في بعض شوارع البصرة ، فإذا هو بحلقة كبيرة والناس حولها يمدون إليها الأعناق ويشخصون إليها بالأحداق ، فمضى إليهم لينظر ما سبب اجتماعهم ؟ فإذا فيهم شاب حسن الشباب ، نقى الثياب ، عليه هيبة الوقار وسكينة الأخيار ، وهو جالس على كرسي والناس يأتونه بقوارير من الماء ، وهو ينظر في دليل المرضى ، ويصف لكل واحد منهم ما يوافقه من أنواع الدواء ، فتقدم إليه وقال : السلام عليك أيها الطبيب ورحمة اللّه وبركاته ، هل عندك شئ من أدوية الذنوب ، فقد أعيا الناس داؤها يرحمك اللّه ؟ فأطرق الطبيب برأسه إلى الأرض ، ولم يتكلم ، فناداه ثانية كذلك فلم يتكلم ، فناداه ثالثة كذلك ، فرفع الطبيب رأسه بعد ما رد السلام ، فقال : أو تعرف أدوية الذنوب بارك اللّه فيك ؟ قال نعم ، قال صف وباللّه التوفيق ، قال : تعمد إلى بستان الإيمان ، فتأخذ منه عروق النية ، وحب الندامة ، وورق التدبر ، وبزر لورع وثمر الفقه ، وأغصان اليقين ، ولب الإخلاص ، وقشور الاجتهاد ، وعروق التوكل ، وأكمام الاعتبار ، وسيقان الإنابة ، وترياق التواضع ، تأخذ هذه الأدوية بقلب حاضر ، وفهم وافر ، بأنامل التصديق ، وكف التوفيق ، ثم تضعها في طبق التحقيق ، ثم تغسلها بماء الدموع ، ثم تضعها في قدر الرجاء ، ثم توقد عليها بنار الشوق ، حتى ترغى زبد الحكمة ، ثم تفرغها في صحاف الرضا ، وتروح عليها بمراوح الاستغفار ، وينعقد لك من ذلك شربة
جيدة ، ثم تشربها في مكان لا يراك فيه أحد إلا اللّه تعالى ، فإن ذلك يزيل عنك الذنوب حتى لا يبقى عليك ذنب ، ثم أنشأ الطبيب يقول : يا خاطب الحوراء في خدرها * شمر فتقوى اللّه من مهرها وكن مجدا لا تكن وانيا * وجاهد النفس على صبرها ثم شهق شهقة فارق بها الحياة الدنيا ، فقال رضى اللّه تعالى عنه : واللّه إنك لطبيب الدنيا وطبيب الآخرة ، ثم أمر بتجهيزه ودفنه رحمة اللّه تعالى عليه . ( الحكاية التاسعة والأربعون : عن ذي النون رضى اللّه تعالى عنه ) قال : مررت ببعض الأطباء وحوله جماعة من الرجال والنساء ، وهو يصف لكل واحد منهم ما يوافقه من الدواء ، فدنوت إليه ، وسلمت عليه ، فرد على السلام ، فقلت له : يرحمك اللّه ، صف لي دواء الذنوب ، وكان حكيما حاذقا ، فأطرق ساعة ، ثم قال لي : إن وصفت لك تفهم ؟ فقلت نعم إن شاء اللّه تعالى ، فقال : خذ عروق الفقر ، مع ورق الصبر ، مع إهليلج التواضع ، مع بليلج الخضوع مع دهن بنفسج الهيبة ، مع خطمية المحبة مع تمر هندى السكينة ، مع ورد الصدق ، فإذا جمعت هذه الأوصاف ، فاجعلها في قدر الإحكام ، وصب فوقها من ماء الأحكام ، وأوقد تحتها بنار الاشتياق والاحتراق ، وحركها بأصطام العظمة حتى يزبد زبد الحكمة ، فإذا صفا بصفاء الفكر ، فاجعله في جام الذكر ، وصفه براووق الرضا ، واجعل فيه محمودة الإنابة ، وغض مقل الجد في العمل ، واشربه في حانوت الخلوة ، وتمضمض بماء الوفاء ، وغير فاك بسواك الخوف والجوع ، وشم تفاح القناعة ، وامسح شفتيك بمنديل الإعراض عما سوى اللّه تعالى ، فهذه شربة تحبط الذنوب ، وتقرب من علام الغيوب . ( الحكاية الخمسون عن بعض الصالحين ) حكى عن بعضهم أنه مرض وضعف ، واصفر لونه ، فقيل له : ألا ندعو لك طبيبا يداويك من هذا المرض ؟ فقال الطبيب أمرضني ، ثم أنشد كيف أشكو إلى طبيبى ما بي * والذي بي أصابني من طبيبى * وقال ذو النون المصري رضي اللّه عنه : إن للّه عبادا نصبوا أشجار الخطايا نصب
أعينهم ، وسقوها بماء التوبة ، فأثمرت ندما وحزنا ، فجنّوا من غير جنون ، وتبلدوا من غير عى ولابكم ، وإنهم لهم البلغاء الفصحاء العارفون باللّه تعالى وبرسوله صلّى اللّه عليه وسلم ، ثم شربوا بكأس الصفاء ، فورثوا الصبر على طول البلاء ، ثم تولهت قلوبهم في الملكوت ، وجالت فكرهم بين سرايا حجب الجبروت ، واستظلوا تحت أوراق الندم ، وقرءوا صحيفة الخطايا ، فأورثوا أنفسهم الجزع حتى وصولوا إلى علو الزهد بسلم الورع ، فاستعذبوا مرارة الترك للدنيا ، واستلانوا خشونة المضجع حتى ظفروا بحبل النجاة وعروة السلامة ، وسرحت أرواحهم في العلى حتى أناخوا في رياض النعيم ، وخاضوا في بحر الحياة ، وردموا خنادق الجزع ، وعبروا جسور الهوى حتى نزلوا بفناء العلم ، واستقوا من غدير الحكمة ، وركبوا في سفينة العطية ، وأقلعوا بريح النجاة في بحر السلامة حتى وصلوا إلى رياض الراحة ومعدن العز والكرامة ، وقال رضي اللّه عنه : اللهم اجعلني من الذين تاهت أرواحهم في الملكوت ، وكشف لهم حجاب الجبروت ، فخاضوا في بحر اليقين ، وتنزهوا في ظهر رياض المتقين ، وركبوا في سفينة التوكل ، وأقلعوا بشراع التوسل ، وساروا بريح المحبة في جداول قرب العزة ، وحطوا بشاطىء الإخلاص ، فنبذوا الخطايا ، وحملوا الطاعات برحمتك يا أرحم الراحمين ، وأنشد بعضهم : ركب المحب إلى الحبيب سفينة * تجرى من الخطرات في أمواج في سرّ سرّ السرّ سرّا أقلعت * في لج بحر زاخر عجاج يا حسنها تجرى به متفردا * بعلومه في جنح ليل داج فالقلب مشكاة وفيه زجاجة * قد علقت بسلاسل المنهاج متوقد بالنور من زيتونة * تسقى سراجا فاق كل سراج * وفي شئ من هذه المعاني قلت : لما جاءتهم عناية الفضل تركوا الفضول ، وسافروا إلى منازل الوصول ، وركب السادات على خيل السعادات ، واستعانوا في سفرهم على سلوك الطريق بزاد التقوى المعجون بماء التوفيق ، وراضوا خيلهم في رياض الرياضة ، وضمروها وألجموها بلجام منع الالتفات إلى غير مولاها ، وزجروها وضربوها بسوط الخوف ، وحركوها بأعمل أعمال الشوق
وركضوها إلى غاية المنى في ميدان السوق ، ونالوا بمواضى عزائم الهمم العوالي عزيز مكرمات مجد المعالي ، باجتلاء بيض عرائس الأنوار في جنات سرور معارف الأسرار ، بعد ما جاهدوا في سلوك الطريق عساكر الهوى لما عرضوا للصد والتعويق ، وذبحوا نفوس الهوى بسيوف المخالفة ، وطعنوا فرسان الطبع برماح ترك العادات السالفة ، وطهروا بماء الدموع الطهور نجاسات الذنوب والعيوب وسائر الشرور ، حتى صحت لهم العبادة المفتقرة إلى الطهارة كالصلاة ، وداووا قلوبهم من أمراض علل حب الدنيا وسائر الحظوظ والجاه ، وأحرقوا أشجار خبثها بنار حزن القلب الأواه ، وطيبوها بماء ورد الأوراد ، وأحيوا ميتها بذكر اللّه . وا عجباه ، كيف نعرف تلك المواهب والأحوال ولانتداوى من الداء العضال الذي بيننا وبينها حال ، فنبرأ مثلهم من الأسقام التي أمرضت منا القلوب ، ونصبر على مرارة المراهم التي صبروا عليها حتى نشفى مثلهم ، وتزول عنا علل العيوب ، لقد عجزنا وملنا إلى الهوى وإلف العادة ، ولم نخرج عن الرعونات والطباع التي خرج عنها السادة ، فلم نتعظ بوعظ ولم ننزجر عن نهى ، ولم نأتمر بأمر ، وذلك من سوء حظ أنفسنا ولم تساعدنا السعادة وإلا فنحن نعرف مراهم الداء التي تداوى بها السعداء ، وفيها قلت في بعض القصائد منشدا : فدرياق تقوى مع سفوف رياضة * ومع غارقون الذكر مغلى عزائم مراهم أسقام القلوب نوافع * بها برء معلول وإيقاظ ، نائم وأركان بنيان الرياضة عزلة * وجوع وصمت مع سهاد مداوم وليس طبيب في جميع الورى سوى * طبيب قلوب أو طبيب معالم فهذا يداوى الناس من داء جهلهم * وذهنا نأى عنه الذكا غير فاهم بفتق لرتق في غوامض مشكل * ورتق لفتق من طعان مخاصم عن السنة الغرا يذب مجاهدا * بأبيض مسلول من العلم صارم وهذاك يشفى قلب كل معلل * بداء هوى طبع النفوس الظوالم فيشتم طيبا فاح من جانب الحمى * لذلك مزكوم الهوى غير شامم وينظر نورا من جمال محير * ويسمع تكليما حلا من منادم ويطعم من طعم الهوى ما يشوقه * وليس بمشتاق له غير طاعم
فمن ذاق طعم الحب يشتاق للقا * ليهنا بعيش للأحبة ناعم فيه أسفا يا حسرتا يا مصيبتا * ويا ضيعة الأعمار سوق المواسم كما لم نكن كالغير أهلا لقربه * لقد فاتنا كل المنى والمكارم نموت ولم ننظر جمال جلاله * ولم ندر طعم الحب مثل البهائم فلو شاهدت ذاك الجمال عيوننا * سكرنا وغبنا عن جميع العوالم وملنا نشاوى من شراب محبة * وباح بمكتوم الهوى كل كاتم ونحن حجبنا عن عجائب قدرة * ونور وأسرار وطيب تنادم فما العيش إلا ذاك لا عيش عزة * وليلى ولا سلمى ولا أم سالم وذلك فضل اللّه يؤتيه من يشا * ويرجى لعبد قارع الباب لازم فيارب وفق واعف وافتح وعافنا * وصلّ على المختار من آل هاشم وقلت في ذلك المعنى في أخرى : فجرد لسيف الصدق بعد تجرد * لذكر وفكر حب عن كل مشغل به النفس إن رامت هواها وحاولت * خلافا ولم ترجع إلى الطاعة اقبل وداوم ولازم قرع باب مؤملا * فما خيب المولى رجاء مؤمل وصابر فما نال العلا غير صابر * وقل واعظا للنفس عند التململ مع الصبر إحدى حسنيين مناك أو * منايا كرام فاصبرى وتحملى وداو لسقم القلب واعمر خرابه * بدهن رياضات وثوب معجل وأحرق بنار الحزن أشجار خبثه * وفي سيل عين كل أوساخه اغسل وطيب بود الورد واجعله صالحا * لسكنى أراض منه طابت وأجبل فيوحى إلى الأسرار كالنحل ربها * أن اتخذي منها بيوتا بها احللى ويوحى لسحب الجود من فيض فضله * بوابل غيث الغوث من رحمتي اهطل فيحيى الحياة منه شعابا وأنجدا * وأرضا ويجرى كل عين ومنهل
وينبت أشجار المعارف موحيا * إليها بزاكى تمرك الطيب احملى فيزهر أنوارا لوامع برقها * أضاءت لكل الكون علو وأسفل بمصباح قلب في زجاجة صدره * بمشكاته من زيت تقواه مشعل ويثمر خوخ الخوف في روضة الرضا * وإجاص إخلاص وتين التوكل وأرطاب حب قد جنتها يد الهوى * وأعناب أشواق بها القلب ممتلى ورمان إجلال وتفاح هيبة * وموز الحيا مبدي رجاء السفرجل جنان جنان عارف بمعارف * جنى من جناها كل دان مذلل فيا طرف قلب عش برؤياك طرفة * ويا نفسه أحلى نفيس له كلى ويا طيب عيش ناعم من رآك لم * يرى عيش غير عيش منكل وماذاقك الحاكي ولا شم أو رأى * ولكن بأخبار الصدوق المعدل طفيلى حال في زرى فضوله * حكى فضل حال الأوليا بالتطفل * وقلت في ذلك المعنى في أخرى : وعبدك الهوي يمتاز من عبد ربه * لدي شهرة أو عند صدم بلية بكير البلا يبدو من التبر حسنه * ويبدو نحاس النحس في كل محنة خلا من حلي قوم كرام تدرعوا * دروع الرضا والصبر في كل شدة ولاقوا طعان النفس في معرك الهوى * وراحوا وقد أرووا مواضي الأسنة وساقوا جياد الجد عند اشتياقهم * وأرخوا لها نحو العلا للأعنة سموا فاجتلوا بيض المعالي عواليا * ببيض العوالي في القصور العلية مقامات قوم أتعبوا النفس في السرى * فأضحوا ملوك الدهر فوق الأسرة بذل أنيلوا العز والجهد راحة * وفقر غنى والحزن كل مسرة وطيب عيش بالطوى ثم بالظما * شراب كئوس حاليات هنية يجنات وصل في رياض معارف * لهم ذللت منها قطوف تدلت
جنوا من جناها زاكيا لا يذوقه * من الخلق إلا كل نفس زكية تسلت عن الدنيا وماتت عن الهوى * وغسلها في موتها ماء دمعة وصلت عليها صالحات فعالها * وقد كفنت في بيض أثواب توبة وشيلت على نعش انتعاش إلى البقا * بقبر خمول شق في أرض غربة وقومها في البعث باعث عقلها * وحاسبها في كل مثقال ذرة وألزمها تمشي صراط استقامة * دقيقا كحد السيف إن عنه زلت هوت جوف نار الهجر والبعد والقلى * وإن ثبتت سارت بجنات وصلة ونالت مناها والسعادات كلها * فياسعد نفس أدركت ما تمنت إلهي تفضل بالعطا واكشف الغطا * وكل الخطايا فاغفر ومنّ بجنة وصلّ على خير الأنام وآله * وأصحابه والحمد للّه تمت * قلت : هذه الأقوال أقولها بغير أفعال كما قال بعض الرجال ما يأتي ذكره قريبا وأستغفر اللّه من هذا الحال ، ومن كل حال ، وأسأله التوفيق لصالح الأعمال ، وحسن الخاتمة عند منتهى الآجال . ( الحكاية الحادية والخمسون : عن سرىّ رضى اللّه تعالى عنه ) قال : بينما نحن نسير في بعض بلاد الشام ، إذا قال واحد منا : ههنا عابد ، فميلوا بنا إليه ، لعل اللّه يسخره يكلمنا ، فملنا إليه ، فوجدناه يبكى ، فقلنا له : ما يبكى العابد ؟ فقال : ما لي لا أبكى وقد توعرت الطريق ، وقل السالكون فيه وهجرت الأعمال وقل الراغبون فيها ، وقلّ الحق ودرس هذا الأمر فلا أراه إلا في لسان كل بطال ينطق بالحكمة ويفارق الأعمال ، قد افترش الرخصة وتمهد التأميل ، واعتل بزلل العاصين ، ثم صاح صيحة وقال : كيف سكنت قلوبهم إلى روح الدنيا ، وانقطعت عن روح ملكوت السماء ، ثم جعل يقول : وا غماه من فتنة العلماء ، وا كرباه من حيرة الأدلاء ، وجال جولة ثم قال : أين الأبرار من العلماء ، بل أين الأخيار من الزهاد ؟ ثم بكى وقال : شغلهم واللّه طول الأمال عن رد الجواب ، وعن ذكر الجنة والنار والثواب ، والعقاب وطول الحساب ، ثم قال : أستغفر اللّه من شهوة الكلام
تنحوا عنى ، فخليناه يبكى ، وقد ملئنا منه غما وهما رضي اللّه عنه ، وأنشد بعضهم : وغير تقى يأمر الناس بالتقى * طبيب يداوى الناس وهو عليل وقلت في هذا المعنى في ذم نفسي : بعلم لا بأعمال وقول * بلا فعل وندب لا انتداب أمور غير فعال وناه * فعول للمناهى ذو ارتكاب * وقلت أيضا : إلهي لئن لم تعف فالويل كله * لعبد مسئ ذي ضلال وباطل تعلم علما ليس فيه بعامل * وكم قال من قول وليس بفاعل فإن تنتقم من ظالم سر ظالم * فعدل أتى من عادل خير عادل وإن تعف منك العفو فضل أتت به * سحائب جود جاد بالخصب هاطل على مجدب عطشان لهفان مقفر * فقير إلى غوث بغيث ووابل ( الحكاية الثانية والخمسون : عن بعضهم ) قال : رأيت عند قبر النبي صلّى اللّه عليه وسلم تسعة من الأولياء ، فتبعتهم ، فالتفت إلى أحدهم وقال لي : أين تمر ؟ فقلت : أسير معكم لحبى فيكم ، فإني سمعت عمن زرتموه صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « المرء مع من أحب » فقال أحدهم : إنك لم تقدر على المسير إلى هذا الموضع الذي نقصده ، فإنه لا يقدر عليه إلا من بلغ سنه أربعين سنة ، فقال آخر : دعه لعل اللّه يرزقه ، فسرت معهم والأرض تطوى من تحتنا طيا ، والحب يقول للعشاق هيا ، وأنشدوا في المعنى : واللّه ما جئتكم زائرا * إلا رأيت الأرض تطوى ليه ولا انثنى عزمي عن بابكم * إلا تعثرت بأذياليه قال : فلم نزل كذلك حتى انتهينا إلى مدينة مبنية بالذهب والفضة ، وأشجارها متعانقة ، وأنهارها مطردة رائقة ، وفواكهها كثيرة فائقة ، فدخلنا وأكلنا من ثمرها ، وأخذت معي ثلاث تفاحات ، فلم يمنعونى من أخذها ، فسألتهم عند الانصراف عن المدينة ، فقالوا : هذه مدينة الأولياء ، إذا أرادوا التنزه ظهرت لهم أينما كانوا ، ما دخلها أحد قبل الأربعين ، غيرك ؛ فلما دخلنا مكة أعطيت
الدامغاني تفاحة ، فقذفها ، فلامنى أصحابي وقالوا أردد ما أعطيت إلى مكانه ، وكنت كلما جعت أكلت من التفاحة وهي لا تتغير ، ورجعت إلى أهلي وقد بقيت معي تفاحة واحدة ، وهي التي ادخرتها لنفسي ، فعانقتنى أختي وقالت : أين الذي أطرفتنا به من سفرك ؟ فقلت : وما الذي أطرفكم به وأنا بعيد عن الدنيا وعن الراحة ؟ فقالت : أين التفاحة ؟ فعميت عليها وقلت : وأي تفاحة ؟ قالت يا مسكين واللّه لقد أدخلونى تلك المدية وأنا بنت عشرين سنة ، وأما أنت فلم ترها إلا بعد أن طردوك ، وأنا واللّه جذبت إليها جذبة ، وخطبت إليه خطبة ، قلت : أي أخت فالبدل الكبير منهم يقول لي : لم يدخلها أحد لم يبلغ أربعين سنة غيرك ، قالت : نعم من المريدين ، وأما المرادون فيدخلونها ولا يرضون بها ، ومتى شئت أريتكها ، فقلت قد شئت ، فقالت : يا مدينة احضرى ، فو اللّه لقد رأيت المدينة بعينها تتدلى إليها وترف عليها ، فمدت يدها وقالت : أين تفاحك ، قال : فتساقط على من التفاح ما علانى فضحكت ثم قالت : من عنده من الملك هذا يحتاج إلى تفاحتك ؟ قال : فاستحقرت واللّه نفسي عند ذلك ، وما كنت أعلم أن أختي منهم رضى اللّه تعالى عنها وعنهم . وأنشدوا في المعنى : الشوق ينمو والغرام يزيد * والسقم يكتم والشفاء بعيد وقديم عهدي ثابت لا ينقضى * أزعمتم أن الغرام جديد لا والغوير وساكنيه ورامة * وطويلع والبان حين يميد وحياة من عرج اللوا من لعلع * والرقمتين وما حوته زرود ما حلت عن عهدي ولا خنت الهوى * وعلى القطيعة صابر وجليد وإذا ترنم طائر في أيكة * أبكى أسى ويلذ لي التغريد وأنوح إذ ناح الحمام على اللوا * شوقا إلى وادى الغضا وأميد يا بانة الجرعاء من وادى النقا * بان الكرى وتزايد التسهيد إلا رحمت مولها حلف الضنا * كتم الغرام ومقلتاه شهود ويظل في عرصات نجد مرشدا * قلبا يراه الوجد فهو فقيد يبكى بنعمان ورملة عالج * ويحب ساكنة الخبا ويريد يخفى هواه خيفة وتسترا * عن عاذل والعذل ليس يفيد
الحكاية الثالثة والخمسون : عن الشيخ أبى الربيع المالقى رضي اللّه عنه ) قال : سمعت بامرأة من الصالحات في بعض القرى اشتهر أمرها ، وكان دأبنا أن لا نزور امرأة ، فدعت الحاجة إلى زيارتها للاطلاع على كرامة قد اشتهرت عنها ، وكانت تدعى بالفضة ، فنزلنا القرية التي هي بها ، فذكر لنا أن عندها شاة تحلب لبنا وعسلا ، فاشترينا قدحا جديدا لم يوضع فيه شئ ، فمضينا إليها ، وسلمنا عليها ، ثم قلنا لها : نريد أن نرى هذه البركة التي ذكرت لنا عن هذه الشاة التي عندكم ، فأعطتنا الشاة فحلبناها في القدح ، فشربنا لبنا وعسلا ؛ فلما رأينا ذلك سألناها عن قصة الشاة ، فقالت : نعم كانت لنا شويهة ونحن قوم فقراء ولم يكن لنا شئ ، فحضر العيد ، فقال لي زوجي وكان رجلا صالحا : نذبح هذه الشاة في هذا اليوم ، فقلت له : لا تفعل فإنه قد رخفص لنا في الترك ، واللّه تعالى يعلم حاجتنا إليها ، فاتفق أنه استضاف بنا في ذلك اليوم ضيف ، ولم يكن عندنا قرى ، فقلت له : يا رجل هذا ضيف ، وقد أمرنا اللّه بإكرامه ، فخذ تلك الشاة فاذبحها ، قالت : فخفنا أن تبكى عليها صغارنا ، فقلت له : أخرجها من البيت إلى وراء الجدار ، فاذبحها فلما أراق دمها قفزت شاة على الجدار ، فنزلت إلى البيت ، فخشيت أن تكون قد انفلتت منه ، فخرجت لأنظرها فإذا هو يسلخ الشاة فقلت له : يا رجل عجبا ، وذكرت له القصة ، فقال : لعل اللّه تعالى أن يكون قد أبدلنا خيرا منها ، فكانت تلك تحلب اللبن ، وهذه تحلب اللبن والعسل ببركة إكرامنا الضيف ، ثم قالت : يا أولادي إن شويهتنا هذه ترعى في قلوب المريدين ، فإذا طابت قلوبهم طاب لبنها ، وإن تغيرت تغير لبنها فطيبوا قلوبكم يطب لكم كل شئ طلبتموه رضى اللّه عنها ، قلت : وقد سألني بعض أهل العلم والأخبار : ماذا تعنى بالمريدين ؟ فظهر لي واللّه أعلم أنها تعنى بالمريدين نفسها وزوجها ، ولكن أطلقت لفظا ظاهره العموم مع إرادة التخصيص تسترا وتحريضا للمريدين على تطييب قلوبهم ، إذ بطيب القلوب يحصل كل طيب محبوب من الأنوار والأسرار ، ولذة العيش بمنادمة الملك الغفار ؛ والمعنى : لما طابت قلوبنا طاب ما عندنا ، فطيبوا قلوبكم يطب لكم ما عندكم ، ولو لم يكن الأمر كذلك بل المراد عموم المريدين ، لكان يطيب اللبن من سائر الغنم ، ولو خبث قلبهما لما نفعهما طيب قلوب المريدين ، وإذا طاباهم لم يضرهما خبث قلوب المريدين ، واللّه سبحانه وتعالى أعلم
الحكاية الرابعة والخمسون : عن بعض أصحاب السرى رضى اللّه عنه ) قال : كان لسرى تلميذة ، ولها ولد عند المعلم ، فبعث به المعلم إلى الرحا ، فنزل الصبى في الماء فغرق ، فأعلم المعلم سريا بذلك ، فقال السرى : قوموا بنا إلى أمه ، فمضوا إليها وتكلم السرى معها في علم الصبر ، ثم تكلم في علم الرضا ، فقالت : يا أستاذ وأي شئ تريد بهذا ؟ فقال لها : إن ابنك قد غرق ، فقالت ابني ؟ فقال نعم ، فالتفت : إن اللّه عز وجل ما فعل هذا ، ثم عاد السرى في كلامه في الصبر والرضا ، فقالت قوموا بنا ، فقاموا معها حتى انتهوا إلى النهر ، فقالت أين غرق ؟ فقالوا هاهنا ، فصاحت به : ابني محمد ، فأجابها لبيك يا أماه ، فنزلت وأخذت بيده فمضت به إلى منزلها ، فاتفت السرى إلى الجنيد وقال : أي شئ هذا ؟ قال الجيد رضي اللّه عنه : أقول قال قل : قال إن المرأة مراعية لما للّه عز وجل عليها ، وحكم من كان مراعيا لما للّه عز وجل عليه أن لا يحدث عليه حادثة ، حتى يعلمه بذلك ، فلما لم تكن حادثة لم يعلمها بذلك ، فأنكرت فقالت : إن ربي عز وجل ما فعل هذا رضى اللّه تعالى عنها ونفعنا بها . ( الحكاية الخامسة والخمسون عن أبي عامر الواعظ رضي اللّه عنه ) قال : بينا أنا جالس بمسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، إذ جاءني غلام أسود برقعة ، فقرأتها فإذا فيها : أسعدك اللّه يا أخي بمسامرة الفكر ، ونعمك بمؤانسة العبرة ، وأفردك بحب الخلوة ، وأيقظك من الغفلة ؛ يا أبا عامر أنا أخ من إخوانك ، بلغني قدومك ، فسررت بذلك ، واشتقت إلى رؤيتك ومجالستك وسماع محادثتك ، وبي من الشوق ما لو كان فوقى لأظلنى ، ولو كان تحتى لأقلنى ، سألتك بالذي حباك بالبلاغة إلا ما ألحفتنى جناح التوصل بزيارتك والسلام . قال أبو عامر : فقمت مع الرسول حتى أتى بي إلى قباء ، فأنزلنى منزلا رحيبا خربا وقال : قف ههنا حتى أستأذن لك ، فوقفت ، فخرج إلى وقال لي : لج فدخلت فإذا بيت مفرد في الخربة له باب من جريد النخل ، وإذا بشيخ قاعد مستقبل القبلة ، تخاله من الوله مكروبا ، ومن الخشية محزونا ، قد ظهرت في وجهه أحزانه ، وذهبت من البكاء عيناه ، ومرضت أجفانه ، فسلمت عليه ، فرد على السلام ، وإذا به أعمى مقعد مسقام ، فقال : يا أبا عامر ، غسل اللّه تعالى من أدران الذنوب قلبك ، لم يزل قلبي إليك تواقا ، وإلى استماع الموعظة منك مشتاقا ، وبي جرح نغل
أعيا الواعظين دواؤه ، وأعجز المتطببين شفاؤه ، وقد بلغني نفع مراهمك للجراح والآلام ، فبادر رحمك اللّه في إيقاع الترياق ، ولو كان مر المذاق ، فانى ممن يصبر على ألم الدواء رجاء الشفاء ؛ قال أبو عامر : فنظرت إلى منظر بهرنى ، وسمعت كلاما أفظعنى ، ففكرت طويلا ، وتأتى لي من الكلام وسهل من صعوبته ما راق للأفهام ، وحصل به للسامع المرام ، فقلت : يا شيخ ارم ببصر قلبك في ملكوت السماء ، وأجل سمع معرفتك في سكان الأرجاء ، وانقل حقيقة إيمانك إلى جنة المأوى ، فترى ما أعد اللّه تعالى فيها للأولياء ، ثم تشرف على نار لظى ، فترى ما أعد اللّه فيها للأشقياء ؛ فشتان ما بين الدارين ، ليس الفريقان في الموت سواء ، قال : يا شيخ إن اللّه تعالى عالم بسريرتك ، مطلع على حقيقة ضميرك ، شاهدك في خلوتك بعينه حيث كنت عند استتارك من خلقه ومبارزته ، فصاح صيحة كصيحته الأولى ثم قال : من لفقرى ، من لفاقتى ، من لذنبي ، من لخطيئتى ؟ أنت لي يا مولاي ، وإليك منقلبي ومثواي ، ثم خر ميتا رحمه اللّه ، فخرجت لي جارية عليها مدرعة من صوف وخمار من صوف قد ذهب السجود بجبهتها وأنفها ، وتورمت لطول القيام قدماها واصفر لونها ، فقالت : أحسنت واللّه يا حادي قلوب العارفين ، ومثير أشجان غليل المحزونين ، لا نسي لك هذا المقام رب العالمين ، هذا الشيخ الذي مبتلى بالسقم منذ عشرين سنة : صلى حتى أقعد ، وبكى حتى عمى وكان يتمناك على اللّه تعالى ويقول : حضرت مجلس أبى عامر ، فأحيا موات فكرى وطرد وسن نومى ، فإن سمعته ثانيا قتلني ، فجزاك اللّه من واعظ خيرا ، ومتعك من حكمته بما أعطاك ، ثم أكبت على أبيها تقبل بين عينيه وتبكى وتقول : يا أبتى يا أبتاه يا حليف الحرقة والبكاء ، يا أبتى يا أبتاه يا جليس الابتهال والدعاء ، يا أبتى يا أبتاه ، يا صريع المذكرين والخطباء ، يا أبتى يا أبتاه يا قتيل الوعاظ والحكماء ، قال أبو عامر : فأجبتها ، فقلت : أيتها الباكية الحيري ، والنائحة الثكلى ، إن أباك نحبه قد قضى ، وورد دار الجزاء ، وعاين كل ما عمل وعليه يحصى في كتاب عند رب لا يضل ولا ينسى ؛ فمحسن فله الزلفى ، ومسئ فوارد دار من أساء ؛ فصاحت الجارية كصيحة أبيها وجعلت ترشح عرقا ، ثم ماتت رحمهما اللّه تعالى ، فصلينا عليهما ودفناهما ، وسألت عنهما فقيل لي : هما من ولد الحسين بن
علي بن أبي طالب رضوان اللّه عليهم أجمعين ، فمازلت جزعا مما جنيت عليهما حتى رأيتهما في المنام ، وعليهما حلتان خضراوان ، فقلت : مرحبا بكما وأهلا وسهلا ، فمازلت حذرا مما وعظتكما به ، فما صنع اللّه بكما ؟ فقال الشيخ : أنت شريكي في الذي نلته * مستأهلا ذاك أبا عامر وكل من أيقظ ذا غفلة * فنصف ما يعطاه للآمر من رد عبدا مذنبا كان كمن * راقب رب العزة القاهر واجتمعا في دار عدن وفي * جوار رب سيد غافر يا أبا عامر وردت على رب كريم راض غير غضبان ، فأسكنى الجنان وزوجني من الحور والحسان فاحرص يا أبا عامر أن تكثر من الاستغفار في كل وقت ، وفي الليل عند الأصحار تجاور الرب العزيز الغفار ، وأنشد بعضهم : إذا أمسى وسادى من تراب * وبت مجاور الرب الرحيم فهنونى أصيحابي وقولوا * لك البشرى قدمت على كريم ( الحكاية السادسة والخمسون : عن بهلول رضي اللّه عنه ) قال : بينما أنا ذات يوم في بعض شوارع البصرة ، وإذا بصبيان يلعبون بالجوز واللوز ، وإذا بصبي ينظر إليهم ويبكى ، فقلت : هذا صبي يتحسر على ما في أيدي الصبيان ولا شئ معه فيلعب به ، فقلت له : أي بنى ما يبكيك ؟ أشترى لك من الجوز واللوز ما تلعب به مع الصبيان ؟ فرفع بصره إلى وقال : يا قليل العقل ما للعب خلقنا ، فقلت : أي بنى فلماذا خلقنا ؟ قال : للعلم والعبادة ، قلت : من أين لك ذلك بارك اللّه تعالى فيك ؟ قال : من قوله عز وجل ( أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون ) قلت له : أي بنى إني أراك حكيما فعظنى وأوجز ، فأنشأ يقول : أرى الدنيا تجهز بانطلاق * مشمرة على قدم وساق فلا الدنيا بباقية لحى * ولا حي على الدنيا بباقي كأن الموت والحدثان فيها * إلى نفس الفتى فرسا سباق فيا مغرور بالدنيا رويدا * ومنها خذ لنفسك بالوثاق
قال بهلول رضى اللّه تعالى عنه : ثم رمق السماء بعينيه ، وأشار إليها بكفيه ودموعه تنحدر على خديه ، وأنشأ يقول : يا من إليه المبتهل * يا من عليه المتكل يا من إذا ما آمل * يرجوه لم يخط الأمل قال : فلما أتم كلامه ، خر مغشيا عليه ، فرفعت رأسه إلى حجري ، ونفضت التراب عن وجهه بكمى ، فلما أفاق قلت له : أي بنى ما نزل بك وأنت صبي صغير لم يكتب عليك ذنب قال : إليك عنى يا بهلول ، إني رأيت والدتي توقد النار بالحطب الكبار فلا يتقد لها إلا بالصغار وأنا أخشى أن أكون من صغار حطب جهنم ، فقلت له : أي بنى أراك حكيما فعظنى وأوجز ، فأنشأ يقول : غفلت وحادي الموت في أثرى يحدو * فإن لم أرح يوما فلا بد أن أغدو أنعم جسمي باللباس ولينه * وليس لجسمى من لباس البلى بد كأني به قد مر في برزخ البلى * ومن فوقه ردم ومن تحته لحد وقد ذهبت منى المحاسن وانمحت * ولم يبق فوق العظم لحم ولا جلد أرى العمر قد ولى ولم أدرك المنى * وليس معي زاد وفي سفري بعد وقد كنت جاهرت المهيمن عاصيا * وأحدثت أحداثا وليس لها رد وأرخيت خوف الناس سترا من الحيا * وما خفت من سرى غدا عنده يبدو بلى خفته لكن وثقت بعلمه * وأن ليس يعفو غيره فله الحمد فلو لم يكن شئ سوى الموت والبلى * ولم يك من ربى وعيد ولا وعد لكان لنا في الموت شغل وفي البلى * عن اللهو لكن زال عن رأينا الرشد عسى غافر الزلات يغفر زلتي * فقد يغفر المولى إذا أذنب العبد أنا عبد سوء خنت مولاي عهده * كذلك عبد السوء ليس له عهد فكيف إذا أحرقت بالنار جثتي * ونارك لا يقوى لها الحجر الصلد أنا الفرد عند الموت والفرد في البلى * وأبعث فردا فارحم الفرد يا فرد قال بهلول : فلما فرغ من كلامع وقعت مغشيا على ، وانصرف الصبى ؛ فلما أفقت نظرت إلى الصبيان فلم أره معهم ، فقلت لهم : من يكون ذلك الغلام ؟ قالوا وما عرفته ؟ قلت لا ، قالوا ذاك من أولا الحسين بن علي بن أبي طالب
رضوان اللّه تعالى عليهم أجمعين ، قلت : قد عجبت من أين تكون هذه الثمرة إلا من تلك الشجرة ؟ نفعنا اللّه تعالى به وبآبائه آمين . ( الحكاية السابعة والخمسون عن بشر الحافي رضي اللّه عنه ) قال : رأيت رجلا عشية عرفة غلبه الوله وهو يبكى وينتحب انتحابا شديدا ، وهو يقول : سبحان من لو سجدنا بالعيون له * على شبا الشوك والمحمى من الإبر لم نبلغ العشر من معشار نعمته * ولا العشير ولا عشرا من العشر وأنشد أيضا : كم قد زللت فلم أذكرك في زللى * وأنت يا مالكي بالغيب تذكرنى كم أكشف الستر جهلا عند معصيتي * وأنت تلطف بي حلما وتسترنى قال : ثم غاب عنى وحجب فلم أره ، فسألت عنه ، فقيل لي : هو أبو عبيد الخواص أحد الخواص له سبعون سنة ما رفع وجهه إلى السماء ، فقيل له في ذلك ، فقال : إني لأستحى أن أرفع إلى المحسن وجها مسيئا رضي اللّه عنه ، وا عجباه من مطيع يتذلل ويستحى مع إحسانه ، ومن عاص يتدلل ولا يستحى مع عصيانه ، اللهم لا تحرمنا النظر إلى وجهك الكريم ، وانفعنا ببركة أوليائك الصالحين ، وا حشرنا معهم في الدارين آمين . ( الحكاية الثامنة والخمسون : عن مالك بن دينار رضي اللّه عنه ) قال : خرجت حاجا إلى بيت اللّه الحرام ، وإذا بشاب يمشى في الطريق بلا زاد ولا ماء ولا راحلة ، فسلمت عليه فرد على السلام ، فقلت : أيها الشاب من أين ؟ قال : من عنده ، قلت : وإلى أين ؟ قال إليه ، قلت : وأين الزاد ؟ قال عليه ، قلت إن الطريق لا تقطع إلا بالماء والزاد ، فهل معك شئ ؟ قال نعم ، قد تزودت عند خروجي بخمسة أحرف ، قلت : وما هذه الخمسة أحرف ؟ قال : قوله تعالى كهيعص ، قلت وما معنى كهيعص ، قال : أما الكاف فهو الكافي ، وأما الهاء فهو الهادي ، وأما الياء فهو المؤوى ، وأما العين فهو العالم ، وأما الصاد فهو الصادق ، فمن كان مصاحبا كافيا وهاديا ومؤويا وعالما وصادقا لا يضيع ولا يخشى ولا يحتاج إلى حمل الزاد والماء ؛ قال مالك : فلما سمعت كلام هذا الشاب نزعت قميصى على
أن ألبسه إياه فأبى أن يقبله وقال : أيها الشيخ : العرى خير من قميص الدنيا ، حلالها حساب ، وحرامها عقاب ، وكان إذا جنه الليل رفع وجهه إلى السماء وقال : يا من تسره الطاعات ، ولا تضره المعاصي ، هب لي ما يسرك ، واغفر لي ما لا يضرك ، فلما أحرم الناس ولبوا ، قلت لم لا تلبى ، فقال : يا شيخ أخشى أن أقول لبيك ، فيقول لا لبيك ولا سعديك ، ولا أسمع كلامك ، ولا أنظر إليك ، ثم مضى فما رأيته إلا في منى وهو يقول : إن الحبيب الذي يرضيه سفك دمى * دمى حلال له في الحل والحرم واللّه لو علمت روحي بمن علقت * قامت على رأسها فضلا عن القدم يا لائمي لا تلمني في هواه فلو * عاينت منه الذي عاينت لم تلم يطوف بالبيت قوم لو بجارحة * باللّه طافوا لأغناهم عن الحرم ضحى الحبيب بنفسي يوم عيدهم * والناس ضحوا بمثل الشاء والنعم للناس حج ولى حج إلى سكنى * تهدى الأضاحي وأهدى مهجتي ودمى ثم قال : اللهم إن الناس ذبحوا وتقربوا إليك ، وليس لي شئ أتقرب به إليك سوى نفسي ، وقد أهديتها إليك فتقبلها منى ، ثم شهق شهقة فخر ميتا رحمه اللّه تعالى ، وإذا بقائل يقول : هذا حبيب اللّه ، هذا قتيل اللّه قتل بسيف اللّه ، فجهزته وواريته ، وبت تلك الليلة متفكرا في أمره فرأيته في منامي ، فقلت له : ما فعل اللّه بك ؟ قال : فعل بي كما فعل بشهداء بدر ، وزادنى فقلت : لم زادك ؟ قال : لأنهم قتلوا بسيوف الكفار ، وأنا قتلت بمحبة الجبار رضي اللّه عنه ، ونفعنا به . ( الحكاية التاسعة والخمسون عن ذي النون المصري رضى اللّه تعالى عنه ) قال : رأيت في البادية شابا حدثا كأنه سبيكة فضة ، قد ولع بجسمه الوله يريد الحج ، فصحبته وأوصيته ، ذكرت له بعد المسافة ، فأنشأ يقول : بعيد على الكسلان أو ذي ملالة * فأما على المشتاق غير بعيد وقيل : لما وقف الشبلي رضى اللّه تعالى عنه بعرفات لم ينطق بشئ حتى غربت الشمس ، فلما جاوز العلمين هملت عيناه بالدموع ، وأنشأ يقول
أروح وقد ختمت على فؤادي * بحبك أن يحل به سواكا فلو أنى استطعت غمضت طرفي * فلم أنظر به حتى أراكا وفي الأحباب مختص بوجد * وآخر يدعى معه اشتراكا إذا انسكبت دموع في خدود * تبين من بكى ممن تباكى * وقال الفضيل بن عياض رضي اللّه عنه والناس وقوف بعرفات : ما تقولون ؟ لو قصد هؤلاء الوفد بعض الكرماء يطلبون منه دانقا ، أكان يردهم ؟ قالوا لا ، قال : فقال : واللّه للمغفرة في جنب كرم اللّه أهون على اللّه عز وجل من الدانق في جنب كرم ذلك الرجل ، ووقف الفضيل رضي اللّه عنه أيضا في بعض حجاته ولم ينطق بشئ ، فلما غربت الشمس قال : وا سوأتاه وإن عفوت . ( الحكاية الستون : عن إبراهيم بن المهلب السائح رضى اللّه تعالى عنه ) قال : بينا أنا أطوف ، وإذا بجارية متعلقة بأستار الكعبة وهي تقول : سيدي بحبك إلا رددت على قلبي ؟ فقلت لها : يا جارية من أين تعلمين أنه يحبك ؟ فقالت : بالعناية القديمة جيش في طلبي الجيوش وأنفق الأموال ، حتى أخرجني من بلاد الشرك وأدخلني في التوحيد . وعرفني نفسه بعد جهلي إياه ، فهل هذا يا إبراهيم إلا لعناية ومحبة ، قلت : فكيف حبك له ؟ قالت : أعظم شئ وأجله ، قلت : وكيف هو ؟ قالت : هو أرق من الشراب ، وأحلى من الجلاب ، ثم ولت وهي تقول : وذي قلق لا يعرف الصبر والعزا * له مقلة عبرا أضر بها البكا وجسم نحيل من شجى لوعة الهوى * فمن ذا يداوى المستهام من الضنا ولا سيما والحب صعب مرامه * إذا عطفت منه العواطف بالقنا ( الحكاية الحادية والستون : عن بعض الصالحين رضى اللّه تعالى عنه ) قال : كانت إلى جنبي عجوز قد أضنتها العبادة ، فسألتها أن ترفق بنفسها ، فقالت : يا شيخ أما علمت أن رفقى بنفسي غيبنى عن باب المولى ، ومن غاب عنه مشتغلا بالدنيا عرض نفسه للمحن والبلوى ، وما قدر عملي إذا عملت واجتهدت ، فكيف إذا قصرت ، ثم قالت : وا سوأتاه من حسرة السباق وفجعة
الفراق . فأما حسرة السباق : فإذا قام القائمون من قبورهم ركب الأبرار نجائب الأنوار ، وساروا إلى قصور من العز والجلال ، ورفعت لهم منازل المحبين ، وقدمت بين أيديهم نجائب المقربين ، وبقي المسبوق في جملة المحزونين ، فعند ذلك ينقطع فؤاده حسرة وتأسفا ، ويذوب ندامة وتلهفا . وأما فجعة الفراق : فعند تمييز الناس بالجمع والإفراق ؛ وذلك أن اللّه سبحانه وتعالى إذا جمع الخلق في صعيد واحد ، أمر ملكا ينادى : أيها المجرمون امتازوا ، إن المتقين قد فازوا ، وهو قوله تعالى ( وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ ) ، فيميز الرجل من زوجته ، والولد من والديه ، والحبيب من حبيبه ، هذا يحمل مبجلا إلى جنات النعيم ، وهذا يساق مسلسلا مغلولا إلى عذاب الجحيم ، وقد طال منهم التلفت والوداع ، ودموعهم تجرى كالأنهار بفجعة الانقطاع ، وأنشدوا في البين والفراق : لو كنت ساعة بيننا ما بيننا * ورأيت كيف نكرر التوديعا لعلمت أن من الدموع محدثا * ورأيت من عتب الحديث دموعا قلت : وقد أبدلت هذا البيت الثاني ببيت يناسب فراق الآخرة وحال الباكين فيه فقلت : لعلمت أن من الدموع لأنهرا * تجرى وعاينت الدماء دموعا ( الحكاية الثانية والستون : عن مالك بن دينار رضي اللّه عنه ) قال : رأيت في بعض الأيام شابا عليه آثار الدعاء ونور الإجابة ، ودموعه تتساقط على وجهه فعرفته ، وكنت أعهده بالبصرة ذا نعمة ، فبكيت لما رأيت من حاله على تلك الصفة ، وبكى الآخر لما رآني وبدأني بالسلام وقال : يا مالك باللّه عليك إلا ذكرتني في وقت خلواتك ، وسألت اللّه لي التوبة والمغفرة لعله يرحمني ويغفر لي ، ثم أنشأ يقول : وعرض بذكرى حين تسمع زينب * وقل ليس يخلو ساعة منك باله عساها إذا ما مر ذكرى بسمعها * تقول فلان عندكم كيف حاله قال مالك رضي اللّه عنه : ثم ولى ودموعه تستبق ، فلما دخلت أشهر الحج توجهت إلى مكة ، فبينما أنا في المسجد الحرام إذ رأيت حلقة يجتمع الناس إليها ، وإذا بفتى يتضرع وقد قطع على الناس طوافهم بكثرة بكائه ، فوقفت عليه أنظر مع الناس إليه ، فإذا هو الرجل صاحبي ، فسررت به وسلمت عليه ، وقلت له الحمد
للّه الذي أبدلك بخوفك أمنا ، وأعطاك ما تتمنى ، قال فأنشد يقول : فساروا بلا خوف إلى خيف أمنهم * فلما أناخوا في منى بلغوا المنى تمنوا فأعطاهم مناهم وصانهم * بتوبته الخلصا عن الفحش والخنا وسامح عن كل الذنوب التي جرت * وما اجترح العبد المسىء وما جنى أدار عليهم ساقى القوم خمرة * فنادوا من الساقي فقال لهم أنا أنا اللّه فادعوني أنا اللّه ربكم * لي المجد والعلياء والملك والسنا قال مالك : ثم قلت له : باللّه عليك أطلعنى على أمرك كيف كان ؟ فقال : ما كان إلا خيرا دعاني بفضله ، فأجبته ، وأعطاني كل ما منه طلبته ، وأنشأ يقول : ولما دعاني قلت أهلا ومرحبا * بوصلك ما أحلى هواك وأعذبا وحقك أنت السؤل والقصد والمنى * وإن لا منى فيك العذول وأطنبا فقلبي ما اشتاق الأراك لأجله * ولا أرض نعمان ولا الحيف أو قبا كذاك النقا والبان والجزع واللوا * بهم إن حدا الحادي وغنى وأطربا وإن عرضوا يوما بسعدى وزينب * فما اشتقت سعدى لا ولا رمت زينبا لئن ذكرت تلك المنازل سادتي * فقصدى دون الكل ساكنة الخبا قال مالك : ثم عاد إلى طوافه وتركني ومضى ، فلم أره ولم أجد له خبرا . ( الحكاية الثالثة والستون : عن بعض الصالحين ) قال : حججت سنة من السنين ، وكانت سنة كثيرة الحر والسموم ، فلما كان ذات يوم وقد توسطنا أرض الحجاز ، انقطعت عن الحاج ، وغفوت قليلا فلم أشعر إلا وأنا وحدى في البرية فلاح لي شخص أمامى ، فأسرعت إليه فلحقته ، وإذا به غلام أمرد لا نبات بعارضيه ، كأنه القمر المنير أو الشمس الضاحية ، وعليه أثر الدلال والترف ، فقالت له : السلام عليك يا غلام ، فقال : وعليك السلام ورحمة اللّه وبركاته يا إبراهيم ، فعجبت منه كل العجب ، ورابني أمره ، فلم أتمالك أن قلت له : يا سبحان اللّه من أين عرفتني ولم ترني قبلها ، فقال لي : يا إبراهيم ما جهلت مذ عرفت ولا قطعت مذ وصلت ، فقلت له : ما الذي أوقفك في هذه البرية في مثل
هذه السنة الكثيرة الحر والقيظ ، فأجابني يا إبراهيم ما أنست بسواه ولا رافقت غيره ، وأنا منقطع إليه بالكلية مقر له بالعبودية فقلت له من أين المأكول والمشروب ؟ فقال : تكفل لي به المحبوب ، فقلت : واللّه إني خائف عليك لأجل ما ذكرت لك ، فأجابني ودموعه تنحدر على خديه كاللؤلؤ الرطب ، وأنشأ يقول : من ذا يخوفنى بالبر أقطعه * إلى المحب وقد قدمت إيمانا الحب أقلقني والشوق أزعجنى * ولا يخاف محب اللّه إنسانا فلو أجوع فذكر اللّه يشبعنى * ولا أكون بحمد اللّه عطشانا وإن ضعفت فوجد منه يحملني * من الحجاز إلى أقصى خراسانا فهل لصغرى تكون اليوم تحقرنى * دع عنك عذلك لي قد كان ما كانا قال : فقلت له : سألتك باللّه يا غلام إلا ما أعلمتنى بحقيقة عمرك ، فقال : لقد آليت على بأجل الإيمان عندي ، عمرى ثنتا عشرة سنة ، ثم قال : يا إبراهيم ما الذي ألجأك إلى ذلك ؟ تسألني عن عمرى ؟ فقد أخبرتك بحقيقته ، فقلت : واللّه لقد دهشنى ما سمعت منك ، فقال : الحمد للّه على ما أولانا من نعمه ، وفضلنا على كثير من عبادة المؤمنين ، قال : فتعجبت من حسن وجهه ، وبهاء طلعته ، وحلاوة منطقه ، وقلت : سبحان اللّه الخالق المصور ، فأطرق الغلام رأسه إلى الأرض مليا ، ثم رفع رأسه إلى السماء ينظرنى شزرا ، وأنشأ يقول : ويحى إذا كان الجحيم جزائي * ماذا يحل ببهجتى وبهائى يبلى العذاب محاسنى ويشينها * ويطول منى في الجحيم بكائي ويقول لي الجبار جل جلاله * يا عبد سوء أنت من أعدائي بارزتنى وعصيت أمرى جاهلا * أنسيت عهدي ثم يوم لقائي وترى وجوه الطائعين كأنها * بدر بدا في ليلة الظلماء كشف الحجاب فعاينوه فأدهشوا * ونسوا نعيمهم وكل رخاء وكساهم حلل المهابة والرضا * وحبا الوجوه بنظرة وبهاء ثم قال : يا إبراهيم اعلم أن المنقطع ، من قطعه الحبيب ، والمواصل من أخذ من الطاعة بنصيب ولكن أنت المنقطع عن الحاج يا إبراهيم ، فقلت له نعم ، وأنا
إبراهيم بن أدهم ، وكانت ليلة شاتية ، فقال كفى ما أنت فيه حتى تكذب ، ثم قال أكثرت ، وعدا على رجلي فجرنى على وجهي حتى رماني على باب تنور حمام ومضى ، فقمت فرأيت الوقاد الذي يوقد في المستوقد ، فقلت أبيت عنده ، فنزلت فوجدت رجلا عليه قطعتا خيش ، فسلمت عليه فلم يرد السلام ، بل أشار أن اجلس ، فجلست وهو خائف وجل ينظر تارة عن يمينه ، وتارة عن شماله ، فداخلنى الخوف منه ، فلما فرغ من وقوده التفت إلى وقال : وعليكم السلام ورحمة اللّه وبركاته ، فقلت عجبا لم لم تسلم على حين سلمت عليك ؟ فقال يا هذا كنت أجير قوم فخفت أن أسلم فأشتغل بالسلام فآثم وأخون ، فقلت له فرأيتك تنظر عن يمينك وشمالك أتخاف ؟ قال نعم ، قلت مم ؟ قال من الموت لا أدرى من أين يأتي أمن يميني أم من شمالي ؟ قلت فبكم تعمل كل يوم ؟ قال بدرهم ودانق ، قلت فما تصنع ؟ قال أتقوت بالدانق أنا وأهلي ، وأنفق الدرهم على أولاد أخ لي ، قلت أمن أمك وأبيك ؟ قال بل أحببته في اللّه عز وجل ومات ، فأنا أقوم بأهله وأولاده ، فقلت له هل دعوت اللّه عز وجل في حاجة فأجابك ؟ قال لي حاجة أنا منذ عشرين سنة أدعو اللّه عز وجل فيها وما قضاها ، قلت وما هي ؟ قال لي بلغني أن في العرب رجلا تميز عن الزاهدين وفاق العابدين ، يقال له إبراهيم بن أدهم رضي اللّه عنه دعوت اللّه عز وجل في رؤيته وأموت بين يديه ، فقلت أبشر يا أخي ، فقد قضى اللّه تعالى حاجتك وقبل دعوتك ، وما رضي لي أن آتيك إلا سحبا على وجهي ، قال فوثب من مكانه وعانقنى وسمعته يقول : اللهم إنك قد قضيت حاجتي وأجبت دعوتي ، اللهم اقبضنى إليك ، فأجاب اللّه تعالى دعوته الثانية في الحال وسقط ميتا رضى اللّه تعالى عنهما ونفعنا بهما آمين . ( الحكاية الثامنة والأربعون بعد الثلاث مئة : عن الشيخ أبى يزيد القرطبي رضي اللّه تعالى عنه ) قال : سمعت في بعض الآثار أن من قال لا إله إلا اللّه سبعين ألف مرة كانت فداءه من النار ، فعملت ذلك على رجاء بركة الوعد ، فعملت منها لأهلى ، وعملت منها أعمالا ادخرتها لنفسي ، وكان إذ ذاك في بيت معنا شاب يقال إنه يكاشف في بعض الأوقات بالجنة والنار ، وكانت الجماعة ترى له فضلا على صغر سنه ، وكان في قلبي منه شئ ، فاتفق أن
استدعانا بعض الإخوان إلى منزله ، فبينما نحن نتناول الطعام والشراب وهو معنا ، إذ صاح صيحة منكرة ، واجتمع في نفسه وهو يقول : يا عم هذه أمي في النار وهو يصيح بصياح عظيم لا يشك من سمعه أنه عن أمر ؛ فلما رأيت ما به من الانزعاج قلت في نفسي اليوم أجرب صدقه ، فألهمني اللّه تعالى السبعين ألفا ، ولم يطلع على ذلك أحد إلا اللّه تعالى ، فقلت في نفسي الأثر حق ، والذين رووه لنا صادقون ، اللهم إن السبعين الألف فداء هذه المرأة أم هذا الشاب من النار ، فما استتمت الخاطر في نفسي حتى قال لي يا عم هاهى أخرجت ، الحمد للّه رب العالمين ، فحصلت لي الفائدتان : إيماني بصدق الأثر ، وسلامتى من الشاب وعلمي بصدقه رضي اللّه تعالى عنهما ونفعنا بهما ، وأنشد الشيخ أبو العباس بن العريف رضي اللّه تعالى عنه لنفسه : سلوا عن الشوق من أهوى فإنهم * أدنى إلى النفس من وهمى ومن نفسي ما زلت مذ سكنوا قلبي أصون لهم * لحظي وسمعي ونطقى إذ هم أنسى فمن رسول إلى قلبي ليسألهم * عن مشكل من سؤال الصب ملتبس لأنهضن إلى حشرى بحبهم * ولا أكون كمن قد خانهم ونسي * قلت : قد غيرت بعض ألفاظ النصف الأخير من البيت الرابع فإنه قال فيه : * لا بارك اللّه فيمن خانهم ونسي * فكرهت هذا الدعاء ، لأنا وعموم الخلق ما عدا الخواص لم نزل خائنين ناسين ، وإنما قوله يناسب حاله وحال غيره من الصديقين والصادقين ، وقد حذفت أيضا من أبياته بيتين قبل البيت الأخير لمصلحة رأيتها ، وهي خوف أن يتطرق إلى الإنكار من ليس له فهم معاني أهل الأسرار رضي اللّه تعالى عنهم ، وجعلنا منهم ، ونفعنا بهم . ( الحكاية التاسعة والأربعون بعد الثلاث مئة : عن أبي القاسم الجنيد رضى اللّه تعالى عنه ) قال : أرقت ليلة فقمت إلى وردى ، فلم أجد ما كنت أجد من الحلاوة ، فأردت أن أنام فلم أرقد فقعدت فلم أطق القعود ، ففتحت الباب وخرجت وإذا رجل ملتف بعباءة مطروح على الطريق ، فلما أحس بي رفع رأسه
وقال يا أبا القاسم إلى الساعة ، فقلت يا سيدي من غير موعد ؟ فقال بلى سألت محرك القلوب أن يحرك إلىّ قلبك ، قلت قد فعل فما حاجتك ؟ قال متى يصير داء النفس دواءها ؟ فقلت إذا خالفت النفس هواها صار داؤها دواءها ، فأقبل على نفسه ، فقال لها اسمعى فقد أجبتك بهذا الجواب سبع مرات ، فأبيت إلا أن تسمعيه من الجنيد ، فقد سمعت ، فانصرف عنى ولم أعرفه ولم أقف عليه رضي اللّه تعالى عنهما ، وقال الشيخ خير النساج رضي اللّه تعالى عنه : كنت جالسا في بيتي ، فوقع لي أن الجنيد بالباب ، فنفيت ذلك عن قلبي ، فوقع ثانيا وثالثا ، فخرجت فإذا بالجنيد ، فقال لم لم تخرج من الخاطر الأول ، رضى اللّه تعالى عنهما . ( الحكاية الخمسون بعد الثلاث مئة عن بعضهم ) روى أنه كان كرز الجرجاني رضي اللّه تعالى عنه يجتهد في العبادة ، فقيل له في ذلك ، فقال كم بلغكم مقدار يوم القيامة ؟ قالوا مقدار خمسين ألف سنة ، قال فكم بلغكم عمر الدنيا ؟ قالوا سبعة آلاف سنة ، قال أفيعجز أحد أن يعمل سبع يوم حتى يأمن ذلك اليوم ، قلت : هذا بالنسبة إلى عمر الدنيا المذكورة . وأما بالنسبة إلى عمر الواحد إذا عمر مئة سنة مثلا ، فإنه يكون جميع عمره بالنسبة إلى يوم القيامة خمس عشر العشر ، وقال أحمد بن أبي الحوارى رضي اللّه تعالى عنه : دخلت على أبى سليمان الدارانى رضي اللّه عنه فوجدته يبكى ، فقلت له ما يبكيك ؟ فقال يا أحمد ولم لا أبكى ، وإذا جن الليل ونامت العيون وخلا كل حبيب بحبيبه ، وافترش أهل المحبة أقدامهم ، وجرت دموعهم على خدودهم وقطرت في محاريبهم ، أشرف الجليل سبحانه ، فنادى جبريل عليه السّلام بعيني من تلذذ بكلامي ، ثم يناديهم ما هذا البكاء ، هل رأيتم حبيبا يعذب أحبابه ، أم كيف يجمل بي أن أعذب أقواما إذا جنهم الليل تملقوا إلى ؟ فوعزتي إذا وردوا على يوم القيامة لأكشفن لهم عن وجهي حتى ينظروا إلى وأنظر إليهم رضي اللّه تعالى عنهم ونفعنا بهم ، وقيل : كان بعضهم يسأل ربه تبارك وتعالى أن يكرمه ويستره ، فقام ليلة إلى الصباح يصلى ويبتهل إلى اللّه تعالى ، فنظر إليه بعض أصحابه ، فرأى فوق رأسه قنديلا معلقا من النور يتشعشع لناظريه ، فقيل له في ذلك ، فقال : يا صاحب السر إن السر قد ظهرا * ولا أريد حياة بعد ما اشتهرا
ثم سجد فقبضه اللّه في سجوده ، رضى اللّه تعالى عنه ونفعنا به آمين . ( الحكاية الحادية والخمسون بعد الثلاث مئة : عن إبراهيم بن شبيب رحمه اللّه تعالى ) قال : كنا نتجالس في يوم الجمعة بعد صلاتها ، فإذا رجل عليه ثوب واحد ملتحف به ، فجلس إلينا وألقى مسئلة ، فما زلنا نتكلم في الفقه حتى انصرفنا ، ثم جاءنا في الجمعة المقبلة فأحببناه وسألناه عن منزله ، فأخبرنا به ، وسألناه عن كنيته فقال أبو عبد اللّه ، فرغبنا في مجلسه ، فمكثنا كذلك زمانا ، ثم انقطع عنا ، فاجتمعنا إليه وأتينا قريته وسألنا عنه ، فقالوا ذاك أبو عبد اللّه الصياد ذهب يصطاد والآن يأتي ، فقعدنا ننتظره ، فإذا هو قد أقبل متزرا بخرقة ، وعلى كتفه خرقة ، ومعه أطيار مذبوحة وأطيار أحياء ؛ فلما رآنا تبسم إلينا ، فقلنا قد كنت عمرت مجلسنا ، فما غيبتك عنا ؟ قال إذا أصدقكم كان لي جار كنت أستعير منذ ذلك الثوب الذي كنت آتيكم به وقد سافر ، ثم قال هل لكم أن تدخلوا المنزل فتأكلوا من رزق اللّه تعالى ؟ قال فدخلنا وقعدنا ، فدخل إلى امرأته وسلم إليها الأطيار المذبوحة وأخذ الأطيار الأحياء فباعها في السوق واشترى خبزا ، وجاء وقد صنعت امرأته ذلك وهيأته ، فقدم إلينا خبزا ولحم طير وملحا ، فأكلنا وخرجنا ، فقال الجماعة بعضهم لبعض ألا تنظرون إلى حال هذا الرجل وما هو فيه من الفقر ، مع فضله وصلاحه وأنتم قادرون على أن تجمعوا له ما يقوم بحاله ؟ قال فاتفقوا على أن يجمعوا له ما يقوم بحاله وما يستعين به ، وانصرفنا راجعين على عزم أن نأتيه بالذي وعدوا به وهو خمسة آلاف درهم ؛ فلما مررنا بالمربد إذا بأمير البصرة محمد بن سليمان قاعد في منظرة له ، فقال يا غلام ائتني بإبراهيم بن شبيب ، قال فأتيته فسألني عن قصتنا ومن أين أقبلنا ، فصدقته الحديث فقال أنا أسبقكم إلى بره ، ثم استدعى بعشرة آلاف درهم ودفعها إلى غلام له فراش ، وأمره أن يمشى بها معي إليه ، ففرحت بذلك وقمت مسرعا ؛ فلما أتيت الباب سلمت ، فأجابني أبو عبد اللّه ثم خرج إلى ، فلما رأى الفراش والبدرة على عنقه تغير وجهه وقال مالي ولك يا هذا ، أتريد أن تفتنني ؟ فقلت يا أبا عبد اللّه اقعد حتى أخبرك ، إن القصة كيت وكيت ، وإنه كما تعلم أحد الجبارين ، يعنى الأمير ، فاللّه اللّه في نفسك ، قال فازداد على غيظا وقام ودخل
وأغلق الباب في وجهي ، ورجعت إلى الأمير ولم أجد بدا من الصدق فأخبرته ، فقال حروري واللّه يا غلام على بالسيف ، ثم قال له اذهب مع هذا الغلام إلى هذا الرجل فاضرب عنقه وائتني برأسه ، فقلت له أصلح اللّه الأمير ، اللّه اللّه في هذا الرجل فو اللّه لقد رأينا رجلا ما هو من الخوارج ، ولكنني أذهب فآتيك به ، قال ومقصودى بذلك الافتداء منه ، فاطمأن لذلك ، فمضيت حتى أتيت الباب فسلمت ، فإذا المرأة تبكى ، فقلت ما شأنكم وشأن أبى عبد اللّه ؟ فقلت وما حاله ؟ قالت دخل فنزع ما عليه وتوضأ ثم صلى وسمعته يقول : اللهم اقبضنى إليك ولا تفتني ، ثم تمدد وهو يقول ذلك ، فلحقته وقد قضى نحبه وها هو ميت ، فقلت لها يا هذه إن لنا قصة عظيمة فلا تحدثوا فيه شيئا ، فجئت الأمير فأخبرته الخبر ، فقال أنا أركب فأصلى على هذا ، وشاع خبره بالبصرة ، فشهده الأمير وعامة أهل البصرة رضي اللّه تعالى عنه ونفعنا به وبجميع الصالحين . ( الحكاية الثانية والخمسون بعد الثلاث مئة : عن محمد بن السماك رضى اللّه تعالى عنه ) قال : كان لي جار بالكوفة له ولد يصوم النهار ويقوم الليل ، وكان إذا جنه الليل يبكى ، وينشد ويقول : لما رأيت الليل أقبل خاشعا * بادرت نحو مؤنسي بنحيبى أبكى فتقلقنى إليه صبابتى * فأبيت مسرورا بقرب حبيبي فإذا كان آخر الليل يبكى ويقول : فدرت في الليل إذ لاحت معالمه * ما كان أنسى به فيه لمولايا ضمنت في القلب حبا قد كلفت به * واللّه يعلم ما مكنون أحشايا وقال محمد بن السماك وكان أبوه شيخا كبيرا ، فسألني يوما أن أكلم ولده يرفق بنفسه ، فبينما أنا ذات يوم جالس على باب دارى ومعي جماعة من أصحابي ، إذ مر الغلام فناديته : يا فتى أقبل إلينا ، فأقبل فتأملته ، فإذا هو قد صار كالشن البالي ، فلو هبت الريح لرمت به من شدة الضعف ، فسلم وجلس ، فقلت له حبيبي إن اللّه تعالى قد افترض عليك طاعة أبيك كما افترض عليك طاعته ، ونهاك عن معصية أبيك كما نهاك عن معصيته ، وإن أباك قد أمرنا
بأمر فتأذن لنا في الكلام ، فقال يا عم لعلك تريد أن تأمرني بتقصير في العمل ، وبترك المبادرة إلى اللّه عز وجل ، فقلت له : لا واللّه بدون هذا تدرك هذا الشأن الذي تطلب إن شاء اللّه تعالى ، فقال هيهات يا عم ، إني بايعت على هذا الشأن فتية من الحي على السباق إلى اللّه عز وجل جدوا واجتهدوا ، ودعوا فأجابوا ، ولم يبق غيرى ، وإنما عملي يعرض عليهم في كل يوم مرتين ، فما يقولون إذا رأوا فيه خللا أو تقصيرا ، ثم قال يا عم إني بايعت على هذا الشأن فتية جعلوا الليل لهم مطية ، فقطعوا بها عرض المفاوز ، وسموا بها ذرى الشواهق ، فإذا أصبحوا نظرت إليهم قد ذبحهم الليل بسكاكين السهر ، وفصلت أعضاؤهم بخناجر التعب ، خمص البطون من السرى ، لا يقر بهم القرار ، ولا يجاورون الأشرار ، دعوا فأجابوا الملك الجبار ، قال ابن السماك فتركنا واللّه في حيرة ومضى ، فما كان إلا ثلاثة أيام حتى قيل قد مات الفتى رضي اللّه تعالى عنه ونفعنا به ، وفي أمثاله قال القائل : تجوّع للإله لكي يراه * نحيل الجسم من طول الصيام وقام لربه في الليل حتى * أضرّ بجسمه طول القيام سيجزى في جنان الخلد حورا * نواعم قاصرات في الخيام ويلهو مع حسان ناعمات * جوار اللّه في دار السلام ( الحكاية الثالثة والخمسون بعد الثلاث مئة : عن بعض السلف ) قال : أن قوما أمروا امرأة ذات جمال بارع أن تتعرض للربيع بن خيثم رضي اللّه تعالى عنه لعلها تفتنه ، وجعلوا لها إن فعلت ذلك ألف درهم ، فلبست أحسن ما قدرت عليه من الثياب والحلى وتطيبت بأطيب ما قدرت عليه من الطيب ، ثم تعرضت له حين خرج من مسجده ، فنظر إليها فراعه أمرها ، فأقبلت عليه وهي سافرة ، فقال لها الربيع كيف بك لو قد نزلت الحمى بجسمك فغيرت ما أرى من لونك وبهجتك أم كيف بك لو قد نزل بك ملك الموت فقطع منك حبل الوتين ، أم كيف بل لو قد سألك منكر ونكير ؟ فصرخت صرخة ووقعت مغشيا عليها ، قال فو اللّه لقد أفاقت وبلغت من عبادة ربها ما أنها كانت يوم ماتت كأنها جذع محترق
الحكاية الرابعة والخمسون بعد الثلاث مئة : عن الحسن رضي اللّه تعالى عنه ) قال : كانت امرأة بغى من زمن بني إسرائيل ، لها ثلث الحسن ، لا تمكن من نفسها إلا بمئة دينار ، وأنه أبصرها عابد فأعجبته ، فذهب يعمل بيده ويعالج فجمع مئة دينار ، ثم جاء إليها وقال إنك أعجبتينى ، فانطلقت فعملت بيدي وعالجت حتى جمعت لك مئة دينار ، فقالت له ادخل ، فدخل وكان لها سرير من ذهب ، فجلست على سريرها ثم قالت له هلمّ ، فلما جلس منها مجلس الرجل من المرأة ذكر مقامه بين يدي اللّه تعالى ، فأخذته رعدة ، فقال لها اتركينى أخرج ولك المئة دينار ، قالت ما بدا لك وقد زعمت أنى أعجبتك ، فلما قدرت على فعلت الذي فعلت ، قال خوفا من اللّه ومن مقامي بين يديه ، وقد بغضك إلى ، فأنت أبغض الناس إلى ، فقالت إن كانت صادقا فما لي زوج غيرك ، فقال دعيني أخرج فقالت لا ، إلا أن تجعل لي أنك تتزوج بي ، قال عسى أن يكون ذلك فتقنع بثوبه ، ثم خرج إلى بلده فارتحلت بعده نادمة على ما كان منها حتى قدمت بلده ، فسألت عن اسمه ومنزله ، فدلت عليه ، وكانت تعرف بالملكة ، فقيل له إن الملكة قد جاءتك ، فلما رآها شهق شهقة فمات رحمه اللّه ، قال فسقط في يدها ، فقالت أما هذا فقد فاتنى ، فهل له من قريب ، قالوا أخوه رجل فقير ، فقالت أنا أتزوج به حبا لأخيه ، فتزوجته ، فيسر اللّه منها سبعة أبناء كلهم صالحون . ( الحكاية الخامسة والخمسون بعد الثلاث مئة : عن رجاء بن عمرو النخعي ) قال : كان في الكوفة فتى جميل الوجه شديد التعبد والاجتهاد ، وكان أحد الزهاد ، فنزل في جوار قوم من النخع ، فنظر إلى جارية منهم جميلة فهويها وهام بها عقله ، ونزل بها مثل الذي نزل به فأرسل يخطبها من أبيها ، فأخبر أبوها أنها مسماة لابن عم لها ، فاشتد عليهما ما يقاسيان من ألم الهوى ، فأرسلت إليه أنه قد بلغني شدة محبتك وقد اشتد بلائي بك ، فإن شئت زرتك وإن شئت سهلت لك أن تأتيني إلى منزلي ، فقال للرسول لا واحدة من هاتين الخصلتين ( إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) * أخاف نارا لا يخبو سعيرها ولا يخمد لهيبها ؛ فلما انصرف الرسول إليها وأبلغها ما قال ، قالت وأراه مع ذلك زاهدا يخاف اللّه ، واللّه ما أحد أحق بهذا الأمر من أحد
وإن العباد فيه لمشتركون ، ثم انخلعت من الدنيا ، وألقت علائقها خلف ظهرها ولبست المسوح وجعلت تتعبد ، وهي مع ذلك تذوب وتنحل حبا للفتى وأسفا عليه حتى ماتت ، فكان الفتى يأتي إلى قبرها ، فرآها في منامه وكأنها في أحسن منظر ، فقال لها كيف أنت وما لقيت ؟ فقالت : نعم المحبة يا حبى محبتنا * حبا يقود إلى خير وإحسان فقال على أثر ذلك : إلام صرت ؟ فقالت : إلى نعيم وعيش لا زوال له * في جنة الخلد ملك ليس بالفاني فقال لها اذكرينى هناك فإني لست أنساك ، فقالت ولا أنا واللّه أنساك ، ولقد سألت ربى مولاي ومولاك ، فأعنى على ذلك بالاجتهاد ، ثم ولت مدبرة ، فقال لها متى أراك ؟ قالت ستأتينا عن قريب ، فلم يعش الفتى بعد تلك الرؤيا إلا سبع ليال ، رحمة اللّه عليهما . ( الحكاية السادسة والخمسون بعد الثلاث مئة : عن كعب الأحبار رحمة اللّه تعالى ) أن رجلا من بني إسرائيل أتى فاحشة ، فدخل نهرا يغتسل فيه ، فناداه الماء يا فلان أما تستحى ، ألم تتب من هذا الذنب وقلت إنك لا تعود إليه ، فخرج من الماء فزعا وهو يقول : ما بقيت أعصى اللّه أبدا ، فأتى جبلا فيه اثنا عشر رجلا يعبدون اللّه عز وجل ، فلم يزل معهم حتى قحط موضعهم ، فنزلوا يطلبون الكلأ ، فمروا على ذلك النهر ، فقال لهم ذلك الرجل : أما أنا فلست بذاهب معكم ، قالوا ولم ؟ قال لأن ثم من اطلع منى على خطيئة ، فأنا أستحى منه أن يراني فتركوه ومضوا ، فناداهم النهر : ألا أيها العباد ما فعل صاحبكم ؟ قالوا زعم أن ههنا من قد اطلع منه على خطيئة فهو يستحى منه أن يراه ، قال سبحان اللّه العظيم إن أحدكم يغضب على ولده أو على بعض قراباته ، فإذا تاب ورجع إلى ما يحب أحبه ، وإن صاحبكم قد تاب ورجع إلى ما أحب فأنا أحبه فائتوه وأخبروه ، واعبدوا اللّه على شاطئى . فأخبروه فجاء معهم فأقاموا يعبدون اللّه زمانا ، ثم إن صاحب الفاحشة توفى ، فناداهم النهر يا أيها العباد والعبيد الزهاد غسلوه من مائي وادفنوه على شاطئى حتى يبعث يوم القيامة من قربى ، ففعلوا ذلك به وقالوا نبيت ليلتنا هذه على قبره ، فإذا أصبحنا سرنا
فباتوا على قبره ؛ فلما جاء وقت السحر غشيهم النعاس فأصبحوا وقد أنبت اللّه عز وجل على قبره اثنتي عشرة سروة ، وكان أول سرو أنبته اللّه على وجه الأرض ، قالوا ما أنبت اللّه عز وجل هذا السرو في هذا المكان إلا وقد أحب اللّه عبادتنا فيه ، فأقاموا يعبدون اللّه عز وجل عند قبره ، كلما مات واحد منهم دفنوه إلى جانبه إلى أن ماتوا كلهم ، قال كعب الأحبار : فكان بنو إسرائيل يحجون إلى قبورهم رضي اللّه تعالى عنهم . ( الحكاية السابعة والخمسون بعد الثلاث مئة : عن كعب الأحبار أيضا رضي اللّه عنه ) قال : انطلق رجلان من بني إسرائيل إلى مسجد من مساجدهم فدخل أحدهما وجلس الآخر خارجا ، فجعل يقول ليس مثلي يدخل بيت اللّه ، وقد عصيت اللّه ، فكتب صدّيقا ، قال : وأصاب رجل من بني إسرائيل ذنبا فحزن عليه وجعل يجئ ويذهب ويقول بم أرضى ربى بم أرضى ربى ؟ فكتب صديقا ، وحكى عن الشبلي رضي اللّه عنه أنه قال : كنت في قافلة بالشام ، فخرج الأعراب فأخذوها ، وجعلوا يعرضونها على أميرهم ، فخرج جراب فيه سكر ولوز ، فأكلوا منه ولم يأكل الأمير ، فقلت له لم لا تأكل ؟ فقال أنا صائم ، فقلت تقطع الطريق وتأخذ الأموال وتقتل النفس وأنت صائم ؟ فقال يا شيخ أترك للصلح موضعا ؛ فلما كان بعد حين رأيته يطوف حول البيت وهو محرم ، وقد أنحلته العبادة حتى صار كالشن البالي ، فقلت له أنت ذاك الرجل ، فقام نعم ذلك الصيام أوقع الصلح بيني وبينه رحمة اللّه تعالى عليه . ( الحكاية الثامنة والخمسون بعد الثلاث مئة : عن الأصمعي رحمة اللّه تعالى ) قال : أقبلت ذات يوم من المسجد الجامع بالبصرة ، فبينما أنا في بعض سككها ، إذ طلع أعرابي جلف جاف على قعود له ، متقلد بسيفه وبيده قوس ، فدنا وسلم على وقال ممن الرجل ؟ قلت من بنى الأصمع ، قال أنت الأصمعي ؟ قلت نعم ، قال ومن أين أقبلت ؟ قلت من موضع يتلى فيه كلام الرحمن ، قال وللرحمن كلام يتلوه الآدميون ؟ قلت نعم ، قال أتل على شيئا منه ، فقلت له انزل على قعودك ، فنزل فابتدأت بسورة الذاريات حتى انتهيت إلى قوله تعالى ( وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ ) قال يا أصمعى هذا كلام الرحمن عز وجل ؟ قلت إي والذي بعث محمدا صلّى اللّه عليه وسلم بالحق إنه لكلامه الذي أنزله على نبيه صلّى اللّه عليه وسلم ، فقال
لي حسبك ثم قام إلى راحلته فنحرها وقطعها بجلدها ، وقال أعنى على تفريقها ، ففرقناها على من أقبل وأدبر ، ثم عمد إلى سيفه وقوسه ، فكسرهما وجعلهما تحت الرمل وولى مدبرا نحو البادية وهو يقول ( وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ ) فأقبلت على نفسي باللوم وقلت لم لم تنتبهى لما انتبه له هذا الأعرابي ، فلما حججت مع الرشيد دخلت مكة المشرفة ، فبينما أنا أطوف بالكعبة إذ هتف بي هاتف بصوت دقيق ، فالتفت فإذا أنا بالأعرابى نحيلا مصفرا ، فسلم على وأخذ بيدي فأجلسنى من وراء المقام وقال لي أتل على كلام الرحمن ، فأخذت في سورة الذاريات ؛ فلما انتهيت إلى قوله تعالى ( وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ ) صاح الأعرابي أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا ، ثم قال ، وهل غير هذا ؟ قلت نعم ، يقول اللّه عز وجل ( فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ ) فصاح الأعرابي صيحة وقال سبحان اللّه ، من أغضب الجليل حتى حلف ، ألم يصدقوه حتى ألجئوه إلى اليمين ، قالها ثلاثا ، فخرجت فيها نفسه ، رحمة اللّه تعالى عليه . ( الحكاية التاسعة والخمسون بعد الثلاث مئة عن عطاء الأزرق ) حكى أنه خرج عطاء الأزرق إلى الجبانة يصلى بالليل ، فعرض له لص ، فقال اللهم اكفنيه كيف شئت ، فيبست يداه ورجلاه ، فجعل يبكى ويصيح : واللّه لا أعود أبدا ، فأطلق فاتبعه وقال أسألك باللّه من أنت ؟ قال أنا عطاء ، فلما أصبح جعل يسأل : أتعرفون رجلا صالحا يخرج بالليل إلى الجبانة يصلى ؟ قالوا نعم عطاء السلمى ، فذهب إلى عطاء السلمى فدخل عليه وقال : إني جئتك تائبا من قضية كذا وكذا ، فادع اللّه لي ، فرفع عطاء يديه إلى السماء وجعل يبكى ويقول : ويحك ليس ذاك أنا إنما ذاك عطاء الأزرق رضي اللّه تعالى عنهما وعن جميع الصالحين ونفعنا بهم أجمعين آمين ، وروى أنه دخل الشيخ أبو الحسن النوري رضي اللّه تعالى عنه في الماء ليغتسل ، فجاء اللص وأخذ ثيابه ومشى ، ثم بعد ساعة رجع اللص بالثياب وقد يبست يده ، فلبس النوري ثيابه وقال : إلهي رددت على ثيابي فاردد عليه يده ، فعوفي ومشى من ساعته ، رضى اللّه تعالى عنه
الحكاية الستون بعد الثلاث مئة : عن كعب الأحبار رحمه اللّه تعالى ) قال : قحط بنو إسرائيل على عهد موسى صلّى اللّه عليه وسلم ، فسألوه أن يستسقى لهم ، فقال اخرجوا معي إلى الجبل ، فخرجوا ، فلما صعدوا الجبل ، قال موسى : لا يتبعني رجل أصاب ذنبا ، فانصرفوا جميعا إلا رجلا أعور يقال له برخ العابد ، فقال له موسى ألم تسمع ما قلت ؟ قال بلى قال فلم تصب ذنبا ؟ قال ما أعلمه إلا شيئا أذكره لك فإن كان ذنبا رجعت ، قال ما هو ؟ قال مررت في طريق فإذا باب حجرة مفتوح ، فلمحت بعيني هذه الذاهبة شخصا لا أعلم ما هو أرجل أم امرأة ؟ فقلت لعيني أنت من بين بدني سارعت إلى الخطيئة ، لا تصحبينى بعدها أبدا فأدخلت أصبعي فقلعتها ، فإن كان هذا ذنبا رجعت ، قال موسى ليس هذا ذنبا ، ثم قال له استسق يا برخ فقال قدوس قدوس ما عندك لا ينفد وخزائنك لا تفنى وأنت بالبخل لا ترمى ، فما هذا الذي لا تعرف به ، اسقنا الغيث الساعة الساعة ، قال فانصرفا يخوضان في الوحل برحمة اللّه عز وجل . ( الحكاية الحادية والستون بعد الثلاث مئة عن بعضهم ) حكى أنه لحق بني إسرائيل قحط أيضا على عهد موسى صلّى اللّه عليه وسلم ، فاجتمع الناس إليه ، فقالوا يا نبي اللّه ادع لنا ربك أن يسقينا الغيث ، فقام معهم فخرجوا إلى الصحراء وهم سبعون ألفا أو يزيدون ، فقال موسى عليه السّلام إلهي اسقنا غيثك ، وانشر علينا رحمتك ، وارحمنا بالأطفال الرضع والبهائم الرتع ، والشيوخ الركع ، فما زادت السماء إلا صحوا ، ولا الشمس إلا حرا ، فقال موسى إلهي إن كان قد خلق جاهى عندك ، فأنا أسألك بجاه النبي الأمى محمد صلّى اللّه عليه وسلم الذي تبعثه في آخر الزمان اسقنا ، فأوحى اللّه عز وجل إليه : ما خلق جاهك عندي ، وإنك عندي وجيه ، ولكن فيكم عبد يبارزنى بالمعاصي منذ أربعين سنة ، فناد بالناس حتى يخرج من بين أظهركم ؛ فبه منعتكم الغيث فقال موسى إلهي وسيدي أنا عبد ضعيف وصوتي ضعيف ، فأين يبلغ إليهم وهم سبعون ألفا أو يزيدون أو ينقصون ، فأوحى اللّه عز وجل إليك منك النداء وعلى البلاغ ، فقام مناديا وقال يا أيها العبد العاصي الذي يبارز اللّه عز وجل منذ أربعين سنة بالمعاصي ، اخرج من بين أظهرنا فبك منعنا المطر ، فقام العبد العاصي فنظر ذات اليمين وذات الشمال ، فلم ير أحدا خرج ، فعلم أنه المطلوب ، فقال في نفسه : إن أنا
خرجت من بين هؤلاء الخلق افتضحت على رؤوس بني إسرائيل ، وإن قعدت معهم منعوا لأجلى ، فأدخل رأسه في ثيابه نادما على فعاله وقال : إلهي وسيدي عصيتك أربعين سنة وأمهلتنى ، وقد أتيتك طائعا فاقبلنى ، فلم يستتم الكلام حتى ارتفعت سحابة بيضاء ، فأمطرت كأفواه القرب ، فقال موسى إلهي وسيدي بماذا سقيتنا ولم يخرج من بين أظهرنا أحد ، فقال يا موسى سقيتكم بالذي به منعتكم ، فقال موسى إلهي أرني هذا العبد الطائع فقال يا موسى إني لم أفضحه وهو يعصيني أفأفضحه وهو يطيعني ، يا موسى إني أبغض النمامين أفأكون نماما . ( الحكاية الثانية والستون بعد الثلاث مئة عن بعضهم ) حكى أن ثلاثة نفر خرجوا يستسقون في زمن داود عليه السّلام ، فقال أحدهم : اللهم إنك أمرتنا أن نعفو عمن ظلمنا ، وقد ظلمنا أنفسنا فاعف عنا ، وفي هذا المعنى قلت : تعاليت ربى أنت إذ قد أمرتنا * بعفو وصفح عن مسئ لنا ظلم وها نحن ربى قد ظلمنا نفوسنا * وأنت الذي بالعفو أولى وبالكرم وقال الثاني : اللهم إنك أمرتنا أن نعتق عبيدنا إذا شابوا في خدمتنا ، وقد شبنا في خدمتك فتفضل علينا بعتقنا ، وأنشدوا في هذا المعنى : إن الملوك إذا شابت عبيدهم * في رقهم أعتقوهم عتق أبرار فأنت أولى بذا يا سيدي كرما * قد شبت في الرق أعتقنى من النار وقال الثالث : اللهم إنك أمرتنا أن لا نرد المساكين إذا وقفوا ببابنا ، وها نحن مساكين قد وقفنا ببابك ، فجد علينا بفضلك وإحسانك وعظيم امتنانك ، وأنشدوا : أتيناك في ركب المطامع والرجا * وقد كاد جيش اليأس يذهب بالأمل فإن جدت بالعفو الذي أنت أهله * هزمنا سرايا عسكر الخوف والوجل * وأنشدوا أيضا : أتيناك نرجو الفضل فامنن تفضلا * علينا وجد يا ذا المكارم والعلى فأنت الذي يرجى ويكثر فضله * إذا انسدت الأبواب وانقطع الرجا
وأنشد بعضهم : قدمت عليك رب البرايا * فأمن روعتي يوم القدوم فكيف لا أخاف ولى ذنوب * قدمت بها على الملك العظيم وما قدمت بين يدي زادا * ولكني قدمت على كريم ( الحكاية الثالثة والستون بعد الثلاث مئة عن بعضهم ) حكى أنه لما ولى عمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنه الخلافة ، قال رعاء الشاء في رأس الجبال : من هذا الخليفة الصالح الذي قد قام على الناس ؟ فقيل لهم وما أعلمكم بذلك ؟ قالوا إنه إذا قام خليفة صالح كف الذئاب والأسد عن شياهنا ، وقال العمرى رضي اللّه تعالى عنه لهارون الرشيد رحمه اللّه تعالى وهو يسعى وقد صعد الصفا يا هارون ، قال له لبيك يا عم ، قال ارم بطرفك إلى التراب ، قال قد فعلت ، قال انظر إليهم كم هم ؟ قال ومن يحصيهم ؟ قال فكم في الناس مثلهم ؟ قال خلق لا يحصيهم إلا اللّه ، قال اعلم أيها الرجل أن كل واحد منهم يسأل عن خاصة نفسه وأنت وحدك تسأل عنهم كلهم ، فانظر كيف تكون ؟ فبكى هارون ثم قال العمرى : وأخرى أقولها ، قال قل يا عم ، قال واللّه إن الرجل ليسرف في ماله فيستحق الحجر عليه ، فكيف بمن أسرف في مال المسلمين ؟ ثم مضى وهارون يبكى ، وقال أيضا رصى اللّه تعالى عنه : من ترك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر من مخافة المخلوقين نزعت منه هيبة اللّه ، فلو أمر ولده أو بعض مواليه لم يطعه ، وقال أيضا رضي اللّه عنه : من غفلتك عن نفسك إعراضك عن اللّه بأن ترى ما يسخطه فتجوز ولا تأمر ولا تنهى خوفا ممن لا يملك لك ضرا ولا نفعا . ( الحكاية الرابعة والستون بعد الثلاث مئة عن بعض المشايخ ) حكى عن بعض المشايخ أنه كانت عنده دنيا واسعة ينفقها في وجوه الخير ، فقال له بعض أصحابه يوما يا سيدي أخرج هذه الدنيا كلها عنك وتجرد عنها ، فذلك أليق بك كما هو عادة المشتغلين باللّه المعرضين عما سواه ، فقال له الشيخ دونك أنفق جميع ما ترى عندي ولا تدع شيئا ، فأخرج الفقير جميع ذلك وأنفقه كله في يومه فلما كان اليوم الثاني أقبلت الدنيا من كل مكان إلى الشيخ ، واجتمع عنده أكثر مما كان ، فقال الشيخ للفقير : إذا كان اللّه تعالى يريد شيئا فلا
نقدر نخرج عن إرادته ، وقال بعضهم : إذا كان حب الآخرة في القلب جاءت الدنيا تزاحمها ، وإذا سكن حب الدنيا في القلب لم تزاحمها الآخرة ، لأن الآخرة كريمة والدنيا لئيمة ، وقال السيد الجليل الإمام النبيل الولي المقرب سعيد بن المسيب رضي اللّه تعالى عنه : إن الدنيا نذلة ، وهي إلى كل نذل أميل ، وأنذل منها من أخرها بغير حقها ، وطلبها بغير وجهها ، ووضعها في غير سبيلها ، وقال إنه ليس من شريف ولا عالم ولا ذي فضل إلا وفيه عيب ، ولكن من الناس من لا ينبغي أن تذكر عيوبه ، فمن كان فضله أكثر من نقصه وهب نقصه لفضله . ( الحكاية الخامسة والستون بعد الثلاث مئة : عن بعض السلف ) قال : كان لقمان عبدا حبشيا لرجل جاء به إلى السوق ليبيعه ، فكان لقمان كلما جاء إنسان يشتريه قال له ما تصنع بي ؟ فإذا قال له أصنع بك كذا وكذا ، قال حاجتي إليك أن لا تشترينى ، حتى جاء رجل ، فقال له لقمان ما تصنع بي ؟ قال أصيرك بوابا على بابى ، قال اشترني ، فاشتراه وجاء به إلى داره ، وكان لمولاه ثلاث بنات يبغين في القرية ، أراد أن يخرج إلى ضيعة له ، فقال له إني قد أدخلت إليهن طعامهن وشرابهن وما يحتجن إليه ، فإذا خرجت فأغلق الباب واقعد من ورائه ولا تفتحه حتى أجىء ؛ فلما خرج فعل ما أمره به مولاه ، فقالت له البنات افتح الباب ، فأبى عليهن ، فشججنه ورجعن ، فغسل الدم وجلس ، فلما قدم سيده لم يخبره ، ثم أراد سيده الخروج أيضا ، وقال له إني قد أدخلت إليهن ما يحتجن إليه ، فلا تفتح الباب ؛ فلما خرج خرجن إلى لقمان وقلن له افتح الباب فأبى ، فشججنه ثانية ورجعت ، فجلس ، فلما أتى مولاه لم يخبره بشئ ، فقالت الكبيرة منهن ما بال هذا العبد الحبشي أولى بطاعة اللّه عز وجل منى ؟ واللّه لأتوبن ، فتابت ؛ فقالت الصغرى ما بال هذا العبد الحبشي وهذه الكبرى أولى بطاعة اللّه عز وجل منى واللّه لأتوبن ، فتابت ، فقالت : الوسطى ما بال هذا العبد الحبشي وهاتين الأختين أولى بطاعة اللّه عز وجل منى ، واللّه لأتوبن ، فتابت ، فقال غواة القرية ما بال هذا العبد الحبشي وبنات فلان أولى بطاعة اللّه تعالى منا ؟ واللّه لنتوبنّ ، فتاب الجميع إلى اللّه سبحانه وتعالى ، وصاروا عباد القرية ، رحمهم اللّه تعالى
الحكاية السادسة والستون بعد الثلاثة مئة : عن الشبلي رضي اللّه تعالى عنه ) أنه كان يقول : ليست شعري ما اسمى عندك يا علام الغيوب وما أنت بي صانع يا غفار الذنوب ، وبم تختم عملي يا مقلب القلوب ؟ ثم أنشد : ليت شعري كيف ذكرى * عند من يعلم سرى أجميل أم قبيح * أم بخير أم بشر ليت شعري كيف حالي * يوم إحضارى وحشرى ليت شعري كيف موتى * بيقين أم بكفر أترى يقبل قولي * أم ترى يشرح صدري ليت شعري أين أمضى * لنعيم أم لجمر فدعوا مدحي ووصفى * فأنا أعرف قدرى وقال بعضهم : رأيت الشبلي قائما يتواجد ، وقد خرق ثوبه وهو يقول : شققت جيبي عليك شقا * وما لجيبى عليك حقا أردت قلبي فصادفته * يداى بالجيب إذ توقى لو كان قلبي مكان جيبي * لكان للشق مستحقا ( الحكاية السابعة والستون بعد الثلاث مئة : عن حاتم الأصم رضي اللّه تعالى عنه ) قال : من دخل في مذهبنا فليجعل على نفسه أربع خصال من الموت : موتا أبيض وهو الجوع ، وموتا أسود ، وهو احتمال الأذى من الخلق ، وموتا أحمر وهو العمل ومخالفة الهوى ، وموتا أخضر وهو طرح الرقاع بعضها على بعض ، وحكى عن عبد الواحد بن زيد رضي اللّه تعالى عنه قال : رأيت راهبا وعليه مدرعة شعر سوداء ، فقلت له ما الذي حملك على لبس السواد ؟ قال هو لباس المحزونين ، وأنا من أكبرهم ، فقلت له ومن أي شئ أنت محزون ؟ قال لأنى أصبت في نفسي ، وذلك أنى قتلتها في معركة الذنوب فأنا حزين عليها ، ثم أسبل دمعه فقلت له : ما الذي أبكاك الآن ؟ قال : ذكرت يوما مضى من أجلى لم يحسن فيه عملي ، فبكائى لقلة الزاد وبعد المفازة ، وعقبة لابد من صعودها ، ثم لا أدرى أين يهبط بي ، إلى الجنة أم إلى النار ؟ ثم أنشد . يا راكبا يطوى مسافة عمره * باللّه هل تدرى مكان نزولكا شمر وقم من قبل حطك في الثرى * في حفرة تبلى يطول حلولكا
الحكاية الثامنة والستون بعد الثلاث مئة : عن سفيان الثوري رضي اللّه عنه ) قال : قال لي محمد بن واسع رضي اللّه تعالى عنه يوما : هل توافقنى في زيارة رجل من أولياء اللّه عز وجل ؟ قلت له نعم ، فدخل الدار وخرج ومعه كسرة خبز فخرجنا من البصرة ثم انتهينا إلى منزله وهو بعيد من العمران ووقفنا ببابه ، فسمعنا بنيات له يخاصمنه في شأنهن وما هن فيه من رثاثة الحال ، فقال لهن إن الذي خلقكن وشق أفواهكن وخلق لكن أضراسا وبطونا ، أرحم بكن منكن لأنفسكن ، قال فاستأذنا عليه ، فقال من هذا ؟ فقلنا محمد وسفيان ، فخرج إلينا وقال ما الذي جاء بكما ؟ فقال محمد بن واسع : كسرة أتيت بها لتلك البنات ، فقال هاتها جئت بها في وقتها ، فدخلنا وجلسنا معه حتى سمعنا استئذان رجل ، فقال من هذا ؟ قال مالك بن دينار ، فخرج إليه وقال ما الذي جاء بك ؟ فقال أتيت بدرهمين لتلك البنات ، فقال سبقك بها محمد بن واسع ، جاءهن بما يكفيهن اليوم ، قال فخذهما واخبأهما لهن إلى غد ، فقال أتخوفنى يا مالك ، واللّه لا تدخل إلى ، قال سفيان فقال لي محمد ترى مقام هذا الرجل وما هو فيه من رثاثة الحال ، فقلت هذا من الفضلاء ، قال أجل ، قلت من الزهاد ؟ قال أجل ، قلت من العباد ؟ قال أجل ، فلم أذكر له المقامات وهو يقول أجل أجل حتى قال هذا من الفقراء الصابرين رضي اللّه تعالى عنهم ، ونفعنا بهم . ( الحكاية التاسعة والستون بعد الثلاث مئة : عن بعض الصالحين ) قال : رأيت شابا عليه عباءة وبيده ركوة ، فقال لي إني إنسان أقصد الورع فلا آكل إلا ما ألقاه الناس ، فربما أجد قشرة شئ قد سبقني إليها النمل ، فألقيه وأتناول تلك القشرة ، فهل على في ذلك شئ ؟ قال فقلت في نفسي ما بقي على وجه الأرض من يتورع بمثل هذا الورع ، فنظرت فإذا الرجل واقف على أرض من فضة بيضاء وقال لي الغيبة حرام ، وغاب عن بصرى ، قيل : معنى الحكاية أنه لما ترك ما حجب الخلق عن اللّه أكرمه اللّه بنور الإشراق ، أو قال بنور الإشراف حتى نطق عما خطر بقلبه من الإنكار ، ثم أخفاه اللّه تعالى عنه بشؤم الاعتراض ، وهكذا سنة اللّه في أوليائه أن يسترهم عمن لا يبلغ رتبتهم ، ولا يصل إلى منزلتهم ، وقال الشيخ أبو الخير الأقطع رضي اللّه عنه : ما بلغ أحد إلى حالة شريفة ومرتبة عالية إلا بملازمة الموافقة ومعاناة الأدب وأداء الفرائض وصحبة الصالحين وخدمة الفقراء الصادقين ، رضى اللّه تعالى عنهم ، ونفع بهم أجمعين .
الحكاية السبعون بعد الثلاث مئة : عن بعضهم ) قال : اجتمع جماعة من الفقراء فذهبوا يزورون رجلا أسود كان ناطورا يقال له مقبل ، فمضيت معهم ، فدخلنا إلى مكان فيه باذنجان كثير ، وفيه رجل أسود قائم يصلى ، فسلمنا وجلسنا إلى أن سلم ، فأخرج كيسا فيه كسر خبز يابس وملح جريش ، وقال : كلوا ، فأكلنا ، وأخذ الجماعة يذكرون كرامات الأولياء وهو ساكت ، فقال له بعض الجماعة يا مقبل قد زرناك فما تحدثنا بشئ ؟ فقال أي شئ أنا وأي شئ عندي أخبركم به ، أنا أعرف رجلا لو سأل اللّه أن يجعل هذا الباذنجان ذهبا لفعل ، قال فو اللّه ما استتم كلامه حتى رأينا الباذنجان يتقد ذهبا ، فقال له بعضهم يا مقبل لا سبيل لأحد أن يأخذ من هذا الباذنجان أصلا واحدا ، فقال له خذ ، فأخذ أصلا فقلعه بعروقه وجميع ما فيه من ذهب ، فوقعت من الأصل باذنجاته صغيرة وشئ من الورق ، فأخذته وبقاياه معي إلى يومى هذا ، ثم صلى مقبل ركعتين وسأل اللّه تعالى أن يعيده كما كان ففعل ، وعاد مكان ذلك الأصل المقطوع أصل آخر باذنجان ، رضى اللّه تعالى عنه ونفعنا به . ( الحكاية الحادية والسبعون بعد الثلاث مائة عن بعضهم ) روى عن عمر بن عبد العزيز رضي اللّه تعالى عنه أنه قيل له لما حضرته الوفاة : تركت أولادك فقراء لا شئ لهم ، فقال أولادي أحد رجلين : إما رجل يتقى اللّه فسيجعل اللّه له مخرجا وهو يتولى الصالحين ، وإما رجل مكب على المعاصي فلا أقويه على معاصي اللّه عز وجل ، وكان رضي اللّه عنه يؤتى بالحلة قبل أن يلي الخلافة بألف درهم فيقول : ما أحسنها لولا خشونة فيها ، ويؤتى بالحلة وهو في الخلافة بأربعة دراهم ، أو بستة فيقول ، ما أحسنها لولا نعومة فيها ، فقيل له في ذلك ؟ فقال : إن لي نفسا تواقة ذواقة إذا تاقت إلى شئ وذاقته تاقت إلى ما فوقه ، فلم تزل تتوق وتذوق إلى أن ذاقت الخلافة فتاقت إلى ما فوقها فلم نجد شيئا فوقها إلا ما عند اللّه في الدار الآخر فتاقت إليه ، ولا يمكن الوصول إليه إلا بترك الدنيا ، رضي اللّه عنه ونفعنا به ، وسئل حاتم الأصم رضي اللّه تعالى عنه ونفعنا به : فيم أفنيت عمرك ؟ فقال في أربعة أشياء : علمت أنى لا أخلو من نظر اللّه تعالى طرفة عين فاستحييت أن أعصيه ، وعلمت أن لي رزقا لا يجاوزنى وقد ضمنه لي فوثقت به وقعدت عن طلبه ، وعلمت أن على فرضا لا يؤديه غير فاشتغلت
وعلمت أن لي أجلا يبادرني فبادرته ، واستعددت للدار الآخر ، فأنا مشغول بما ألقاه من كرم اللّه وثوابه وعقابه . ( الحكاية الثانية والسبعون بعد الثلاث مئة : عن إبراهيم بن الأشعث رحمه اللّه ) قال : سمعت الفضيل بن عياض رضي اللّه عنه ليلة وهو يقرأ سورة محمد صلّى اللّه عليه وسلم ويبكى ويردد هذه الآية الكريمة ( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ ) وجعل يقول : وتبلو أخبارنا ، ويردد وتبلو أخبارنا ، ويقول : إن بلوت أخبارنا فضحتنا وهتكت أستارنا ، إن بلوت أخبارنا فضحتنا وهتكت أستارتا ، إن بلوت أخبارنا أهلكتنا وعذبتنا وسمعته يقول تزينت للناس يا فضيل وتصنعت للناس وتهيأت لهم ولم تزل ترائى حتى عرفوك فقالوا رجل صالح ، فقضوا لك الحوائج ، ووسعوا لك في المجالس ، وعظموك وبجلوك بخلاف غيرك خيبة لك ، ما أسوأ حالك إن كان هذا شأنك وفعالك ؛ وسمعته يقول : إن قدرت أن لا تعرف فافعل ، وما عليك أن لم يثن عليك عند الناس ، وما عليك أن تكون مذموما عندهم إذا كنت عند اللّه محمودا ، وما تدرى ما أنت غدا ملاق خيبة أو سرورا ، أما تذكر فعالك ؟ أما تقصر آمالك ، أما تترك أشغالك وأثقالك ؟ فلست تدرى ما يكون حالك ، بخ بخ ( كلمة تعجب ) لك إن قيل نجوت ، وآه آه إن قيل سقوت ، اللهم تب علينا وسامحنا بلطفك يا عظيم ، أدخل عظيم جرمنا في عظيم عفوك وكرمك يا أرحم الراحمين . ( الحكاية الثالثة والسبعون بعد الثلاث مئة : عن محمد بن واسع رضي اللّه تعالى عنه ) قال : أقمت أشتهي كبدا مشويا أربعين سنة . فقلت يوما أخرج إلى الجهاد فلعل أن يقع في سهمى شاة فآكل منها شهوتي ، فخرجت مع الناس إلى الجهاد فقاتلنا في المشركين وغنمنا ، وأخذت في سهمى شاة ، فسألت بعض أصحابي أن يشوى لي كبدها فأخذني هجعة فنمت فرأيت ملائكة نزلوا من السماء فكتبوا فلان خرج مجاهدا ليقال شجاع ، وهذا خرج لغنيمة ، وهذا خرج للمفاخرة ، قال ثم وقفوا على وقالوا شهوانى مسكين ، اشتهى كبدا مشويا ، فقلت باللّه لا تفعلوا فأنا تائب إلى اللّه عز وجل ثم قلت يا رب لا أعود يا رب لا أعود يا رب لا أعود ثلاثا إني تائب إليك من سائر الشهوات ، رضي اللّه عنه
الحكاية الرابعة والسبعون بعد الثلاث مئة عن النخشبى ) قال أبو تراب النخشبى رضي اللّه تعالى عنه : ما تمنت نفسي شيئا من الشهوات إلا مرة واحدة تمنت نفسي خبزا وبيضا وأنا في سفر ، فعدلت إلى قرية فقام واحد وتعلق بي وقال : هذا كان مع اللصوص ، فضربني سبعين درة ثم عرفني رجل منهم فقال هذا أبو تراب النخشبى ، فاعتذروا إلى وحملني رجل إلى منزله وقدم لي خبزا وبيضا ، فقلت لنفسي كلى سبعين درة ، وأنشدوا : إذا طالبتك النفس يوما بشهوة * وكان عليها للخلاف طريق فخالف هواها ما استطعت فإنما * هواها عدو والخلاف صديق * وقال بعض الصالحين عرضت على الدنيا بزينتها وزخارفها وشهواتها فأعرضت عنها ثم عرضت على الآخرة بحورها وقصورها وزينتها فأعرضت عنها ، فقيل لي لو أقبلت على الدنيا حجبناك عن الآخرة ، ولو أقبلت على الآخرة حجبناك عنا ، فها نحن لك وقسمتك من نجوت ، وآه آه إن قيل شقوت ، اللهم تب علينا وسامحنا بلطفك يا عظيم ، أدخل عظيم جرمنا في عظيم عفوك وكرمك يا أرحم الراحمين . وقال أبو زيد البسطامي رضي اللّه عنه : رأيت ربى في المنام ، فقلت : كيف أجدك ؟ فقال فارق نفسك وتعال ، وقال أحمد بن خضرويه رأيت رب العزة في المنام فقال لي يا أحمد كل الناس يطلبون النبي إلا أبا يزيد فإنه يطلبنى ، وقال إبراهيم بن أدهم رضي اللّه تعالى عنه : رأيت جبريل صلّى اللّه عليه وسلم في المنام وبيده قرطاس فقلت ما تصنع به ؟ قال : أكتب أسماء المحبين ، فقلت : أكتب تحتهم من المحبين إبراهيم بن أدهم ، فنودي يا جبريل اكتبه أولهم رضي اللّه تعالى عنه . ( الحكاية الخامسة والسبعون بعد الثلاث مئة : عن المؤلف ) قال المؤلف كان اللّه له : رأيت قبرا في بعض البلاد يزار فزرته وسألت عنه أهل البلد فقالوا كان في هذا البلد رجل غريب فقير فمرض ثم مات فكفنه إنسان من أهل البلد يعرفه ، فلما كان الليل رآه ذلك الإنسان الذي كفنه في المنام ، وقد خرج من قبره وجاء بحلة من حرير وقال : خذ هذه الحلة عوض الثوب الذي كفنتنى فيه ، ثم استيقظ من منامه والحلة عنده ، وهذه الحكاية مشهورة في
ذلك البلد مستفيضة عندهم ، قال أبو القاسم الجنيد رضي اللّه تعالى عنه : والناس في محبة اللّه عز وجل عام وخاص : فالعوام أحبوه لكثرة نعمه ودوام إحسانه إلا أن محبتهم تقل وتكثر . وأما الخواص فأحبوه لما عرفوا من صفاته وأسمائه الحسنى ، واستحق المحبة عندهم لأنه أهل لها ولو أزال عنهم جميع النعم ، وقال أبو تراب النخشبى رضي اللّه عنه في علامات المحبة هذه الأبيات : لا تخدعن فللمحب دلائل * ولديه من تحف الحبيب وسائل منها تنعمه بمر بلائه * وسروره حقا بما هو فاعل فالمنع منه عطية مقبولة * والفقر إكرام وبر عاجل ومن الدلائل أن نرى من عزمه * طوع الحبيب وإن ألح العاذل ومن الدلائل أن يرى متبسما * والقلب فيه من الحبيب بلابل ومن الدلائل أن يرى متفهما * لكلام من يحظى لديه السائل ( الحكاية السادسة والسبعون بعد الثلاث مئة : عن بعض الصالحين ) قال : كان لي صديق ابتلاه اللّه بالجذام حتى ذهبت يداه ورجلاه وعيناه ، فأتيت به المجذومين وجعلته معهم ، وكنت أتعاهده ، فغفلت عنه أياما ثم ذكرته فأتيته وقلت إني غفلت عنك ، فقال إن لي من لا يغفل عنى ، فقلت واللّه ما ذكرتك ، فقال إن لي من يذكرني ، ثم قال إليك عنى ، فقد شغلتني عن ذكر اللّه ، فما لبث غير أيام يسيرة وتوفى ، فأخرجت كفنا فيه طول ، فقطعت ما فضل عنه وكفنته ودفنته ، فبينما أنا في منامي إذا برجل قد وقف على لم أر أحسن منه وجها ولا صورة ، وقال بخلت علينا بكفن طويل ، دونك كفنك وقد رددناه عليك ، وقد كفنا في السندس والإستبرق ، قال فاستيقظت من منامي وإذا أنا بالكفن عند رأسي ، رضى اللّه تعالى عنه ، ونفعنا به وبجميع الصالحين آمين . ( الحكاية السابعة والسبعون بعد الثلاث مئة عن بعضهم ) حكى أن شابا كان يحضر مجلس بعض علماء السلف والوعاظ ، وكان الشاب إذا سمع الواعظ يقول : يا ستار يهتز كما تهتز السعفة ، فقيل له في ذلك ، فقال الشاب : اعلموا أنى كنت أخرج في زي النساء وأحضر كل موضع فيه وليمة أو عرس
تجتمع فيه النساء ، فحضرت يوما عرسا لبنت بعض الملوك ، فسرق عقد لبنت الملك ، فصاحوا أن أغلقوا الباب وفتشوا النساء ، ففتشوهن واحدة واحدة حتى لم يبق إلا امرأة واحدة وأنا ، فدعوت اللّه عز وجل وأخلصت النية والتوبة ، وقلت إن نجوت من هذه الفضيحة لا أعود إلى مثل هذا أبدا ، فوجدوا العقد مع المرأة التي بقيت ، فقالوا أطلقوا المرأة الأخرى ، يعنونى ، فأطلقونى وحالي مستور ، فمن حينئذ إذا سمعت ذكر الستار أذكر ستره على ، ويأخذني ما رأيتم من الاهتزاز ، اللهم يا ستار العيوب ، ويا غفار الذنوب ، ويا مقلب القلوب ، ويا كاشف الكروب استر عيوبنا واغفر ذنوبنا وأصلح قلوبنا واكشف كروبنا وهمومنا وغمومنا ، وارزقنا حسن الخاتمة يا كريم برحمتك يا أرحم الراحمين . ( الحكاية الثامنة والسبعون بعد الثلاث مئة : عن ذي النون المصري رضي اللّه تعالى عنه ) قال : رأيت امرأة تسيح على طريق التوكل ، وعليها مدرعة من شعر ومقنعة من صوف ، فقلت لها يرحمك اللّه ليس السياحة للنساء ، فقالت إليك عنى يا مغرور ، ألست تقرأ كتاب اللّه تعالى ؟ قلت بلى ، قالت اقرأ بسم اللّه الرحمن الرحيم ( أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها ) فعلمت أنها ملية بالعلم ، فقلت لها بأي شئ عرفت اللّه ؟ قالت عرفت اللّه باللّه ، وعرفت مادون اللّه بنور اللّه ، فقلت لها ما هو اسم اللّه الأعظم ؟ قالت هو اسم اللّه الأعظم ، رضى اللّه تعالى عنها ونفعنا بها ، وقال السرى رضي اللّه تعالى عنه : اشتريت جارية للخدمة فكانت تخدمني دهرا طويلا وهي تكتم أمرها ، ولها محراب تصلى فيه ؛ فلما كان في بعض الليالي وجدتها وهي تصلى تارة وتناجى ربها تارة ، فسمعتها تقول بحبك لي إلا فعلت لي كذا وكذا ، فناديتها عند ذلك يا هذه لا تقولي هكذا ، ولكن قولي بحبي إياك ، فقالت يا سيدي لولا حبه إياي ما أقعدك وأقامني ؛ فلما أصبحت دعوت بها وقلت : إنك لا تصلحين لخدمتى ، بل تصلحين لخدمة مولاك الأكبر ، اذهبي فأنت حرة لوجه اللّه تعالى ، ثم وصلتها بشئ وسرحتها وندمت على مفارقتها ، رضى اللّه تعالى عنها ونفعنا بها . ( الحكاية التاسعة والسبعون بعد الثلاث مئة : عن أبي عامر الواعظ رحمه اللّه تعالى ) قال : رأيت جارية ينادى عليها بثمن لا قدر له ، فنظرت إليها
فإذا بها قد لصق بطنها بظهرها وتلبد شعرها ، واصفر لونها ، فاشتريتها رحمة لها ، فقلت لها اذهبي بنا إلى السوق لنأخذ حوائج رمضان ، فقالت الحمد للّه الذي جعل الأشهر عندي شهرا واحدا ، ولم يجعل لي شغلا بالدنيا ، قال فكانت تصوم النهار وتقوم الليل ، فلما قرب العيد ، قلت لها إذا كان الصباح فبكرى بنا إلى السوق لنأخذ حوائج العيد ، فقالت يا مولاي ما أعظم شغلك بالدنيا ، ثم دخلت وأقبلت على صلاتها ، ولم تزل تتلو آية بعد آية حتى بلغت قوله تعالى ( وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ ) الآية فلم تزل تكررها حتى صاحت صيحة فارقت فيها الدنيا ، رضى اللّه تعالى عنها ونفعنا بها . ( الحكاية الثمانون بعد الثلاث مئة عن بعض الصالحين ) قال بعض الصالحين : خرجت إلى السوق ومعي جارية حبشية ، فأجلستها في مكان منه ، وقلت لها لا تبرحى حتى أعود إليك ، فذهبت ثم عدت إلى المكان فلم أجدها فيه ، فانصرفت إلى منزلي وأنا شديد الغضب عليها ، فجاءتنى وقالت لي يا مولاي لا تعجل على ، فإنك أجلستنى بين قوم لا يذكرون اللّه ، فحشيت أن ينزل بهمخسف وأنا معهم ، فقلت لها هذه الأمة قد رفع عنها الخسف إكراما لنبيها محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، فقالت إن رفع عنها خسف المكان فما رفع عنها خسف القلوب ؛ يا من خسف بمعرفته وقلبه وهو في غفلة من بلائه وكربه ، وبادر إلى حميتك ودوائك قبل موتك وفنائك ، ثم أنشدت : هلموا بنا نذرى الدموع تأسفا * بلاء المعاصي فوق كل بلاء لعل إلهي أن يمن بجمعنا * فقد طال في سجن الفراق عنائي فيا مهجتي لا تتركى الحزن ساعة * ويا مقلتى هذا أوان بكائي ( الحكاية الحادية والثمانون بعد الثلاث مئة : عن أبي الحسين الديلمي رحمه اللّه تعالى ) قال : وصف لي إنسان أسود بأنطاكية يتكلم على القلوب فقصدته ، فلما رأيته أبصرت معه شيئا من المباحات يريد أن يبيعه ، فساومته وقلت له بكم تبيعه هذا ؟ فنظر إلى ثم قال : اقعد حتى أبيع هذا وأعطيك شيئا من ثمنه فإنك جائع منذ يومين ، قال وكنت جائعا منذ يومين فتغافلت كأني لم أسمع ما قال ، وذهبت عنه وساومت غيره ، ثم عدت إليه وقلت له بكم تبيع
هذا ؟ فنظر إلى وقال اقعد فإنك جائع منذ يومين حتى إذا بعنا نعطيك من ثمنه شيئا ، قال فوقع في قلبي منه هيبة ، فلما باع ذلك أعطاني منه شيئا ومضى ، ومضيت خلفه لعلى أستفيد منه شيئا يقوله ، فالتفت إلى وقال إذا عرضت لك حاجة فأنزلها باللّه إلا أن يكون لنفسك فيها حظ فتحجب عن اللّه ، ومن علم أن اللّه كافيه لا يستوحش من إعراض الخلق عنه ، ولا يستأنس بإقبال الخلق عليه ثقة بأن الذي قسم له لا يفوته وإن أعرضوا عنه والذي لم يقسم له لا يصل إليه وإن أقبلوا عليه . ( الحكاية الثانية والثمانون بعد الثلاث مئة عن بعضهم ) حكى عن بعضهم أنه دخل على بعض الفقراء فلم يجد في بيته شيئا من المتاع ، فقال له أما لك شئ من المتاع ؟ قال بلى لنا داران : إحداهما دار أمن ، والأخرى دار خوف ، فما يكون لنا من الأموال ندخره في دار الأمن ، يعنى نقدمه لدار الآخرة ، فقال له إنه لا بد لهذا المنزل من متاع ، فقال إن صاحب هذا المنزل لا يدعنا فيه ، وقيل الدنيا عارية أو وديعة ، ولا بد للمعير أن يرجع في عاريته وللمودع أن يأخذ وديعته وأنشدوا : وما المال والأهلون إلا وديعة * ولا بد يوما أن ترد الودائع ( الحكاية الثالثة والثمانون بعد الثلاث مئة : عن بعض الصالحين ) قال : كان بالبصرة رجل يقال له ذكوان ، وكان سيدا في زمانه ، فلما حضرته الوفاة لم يبق أحد بالبصرة إلا شهد جنازته ، قال فلما انصرف الناس من دفنه نمت عند بعض القبور ، وإذا ملك قد نزل من السماء وهو يقول : يا أهل القبور قوموا لأخذ أجوركم ، فانشقت القبور عن أهلها وخرج كل من كان فيها ، فغابوا ساعة ثم جاءوا وذكوان في جملتهم وعليه حلتان من الذهب الأحمر مرصع بالدر والجوهر ، وبين يديه غلمان يسبقونه إلى قبره ، وإذا ملك ينادى هذا عبد كان من أهل التقوى . فبنظرة واحدة وصلت إليه المحن والبلوى ، فامتثلوا فيه أمر المولى ؛ فقرب من جهنم فخرج إليه منها لسان أو قال ثعبان فلدغ بعض وجهه ، فاسود ذلك الموضع ونادى يا ذكوان لم يخف عن المولى من أمرك شئ ، هذا النفخة بتلك النظرة ولو زدت لزدناك ، فبينما أنا كذلك وإذا برجل قد أطلع رأسه من قبره فقال : يا هؤلاء ما أردتم فو اللّه لقد مت منذ تسعين سنة فما
ذهبت مرارة الموت منى حتى الآن ، فادعوا اللّه أن يعيدني كما كنت ، قال وبين عينيه أثر السجود ، وأنشدوا : أفلست تدرى أن يومك قد دنا * أو لست تدرى أن عمرك ينفد فعلام تضحك والمنية قد دنت * وعلام ترقد والثرى لك مرقد ( الحكاية الرابعة والثمانون بعد الثلاث مئة : عن بعض الصالحين ) قال : خطر لي أن أزور رابعة العدوية رضي اللّه تعالى عنها وأنظر أصادقة هي في دعواها أم كاذبة ؟ فبينما أنا كذلك وإذا بفقراء قد أقبلوا ووجوههم كالأقمار وروائحهم كالمسك ، فسلموا على وسلمت عليهم ، وقلت من أين أقبلتم ؟ فقالوا : يا سيدي حديثنا عجيب ، فقلت لهم وما هو ؟ فقالوا نحن من أبناء التجار المتمولين ، فكنا عند رابعة العدوية رضي اللّه تعالى عنها في مصر ، فقلت وما سبب ذهابكم إليها ؟ قالوا كنا ملتهين بالأكل والشرب في بلدنا ، فنقل لنا حسن رابعة العدوية وحسن صوتها وقلنا لا بد أن نذهب إليها ونسمع غناءها وننظر إلى حسنها ، فخرجنا من بلدنا إلى أن وصلنا إلى بلدها فوصفوا لنا بيتها وذكروا لنا أنها قد تابت ، فقال أحدنا إن كان قد فاتنا حسن صوتها وغنائها فما يفوتنا منظرها وحسنها ، فغيرنا حليتنا ولبسنا لبس الفقراء وأتينا إلى بابها ، فطرقنا الباب فلم نشعر إلا وقد خرجت وتمرغت بين أقدامنا وقالت : لقد سعدت بزيارتكم لي ، فقلنا لها وكيف ذلك ؟ قالت عندنا امرأة عمياء منذ أربعين سنة ، فلما طرقتم الباب قالت إلهي وسيدي بحرمة هؤلاء الأقوام الذين طرقوا الباب إلا مارددت على بصرى ، فرد اللّه عليها بصرها في الوقت ، قال فعند ذلك نظر بعضنا إلى بعض وقلنا ترون إلى لطف اللّه بنا لم يفضح سريرتنا ؟ فقال الذي أشار علينا بلبس الفقراء : واللّه لاعدت أقلع هذا اللباس من على وأنا تائب إلى اللّه عز وجل على يدي رابعة ، فقلنا له نحن وافقناك على المعصية ، ونحن أيضا نوافقك على الطاعة والتوبة ، فتبنا كلنا على يديها وخرجنا عن أموالنا جميعها وصرنا فقراء كما ترى ، رضى اللّه تعالى عنهم . ( الحكاية الخامسة والثمانون بعد الثلاث مئة : عن بشر بن الحارث رضي اللّه تعالى عنه ) قال : رأيت النبي صلّى اللّه عليه وسلم في المنام فقال لي يا بشر أتدري لم رفعك
اللّه من بين أقرانك ؟ قلت لا يا رسول اللّه ، قال باتباعك لسنتى ، وخدمتك للصالحين ، ونصحك لإخوانك ، ومحبتك لأصحابي وأهل بيتي ، هو الذي بلغك منازل الأبرار ، وقيل : تعلق رجل بامرأة في بغداد فتعرض لها ، فأبت أن تمكنه من نفسها ، وكل من جاء ليخلصها منه طعنه بسكين معه ، وكان رجلا شديدا ، فبينما الناس حوله والمرأة تصيح في يده ، إذ مر بشر بن الحارث رضي اللّه تعالى عنه ، فدنا منه وحك كتفه بكتفه ، فوقع الرجل إلى الأرض وهربت المرأة ومضى بشر ، فدنا الناس من الرجل فإذا هو يرشح عرقا كثيرا ، فسألوه عن حاله ، فقال ما أدرى ، ولكن حك كتفي شيخ وقال : إن اللّه ناظر إليك وإلى ما تعمل ، فصعقت لقوله وهبته هيبة شديدة ، ولا أدرى من ذلك الرجل ؟ فقيل له ذاك بشر بن الحارث ، فقال واستوأتاه كيف ينظر إلى بعد اليوم ، وحمّ الرجل من يومه ومات يوم السابع ، رحمه اللّه تعالى . ( الحكاية السادسة والثمانون بعد الثلاث مئة عن النوري رحمه اللّه تعالى ) حكى أنه خرج أبو الحسين النوري رضي اللّه تعالى عنه من بيته ليلة ، فوجد حارسا قد تعلق برجل وامرأة خلف الدرب وهو يقول لهما : لابد أن أرفعكما إلى الوالي ، فدنا منهم أبو الحسين وقال للحارس : خل عنهما واسترهما فأبى الحارس ، فضمن له شيئا يدفعه إليه ، فأبى فأخرج من كمه منديلا فيه دراهم ، ونزع رداءه ودفع الجميع إليه ، وقال خل عنهما وخذ هذا كله وأنا أجىء معك تسلمنى إلى الوالي كما شئت ، فقال له الحارس على أنك لا تنكر ما أقول فيك ؟ قال نعم ، فأخذ ذلك وخلى سبيلهما ، وجعل الحارس ثوبا في عنق الشيخ وجعل يقوده حتى وقف على صاحب الشرطة ، فقال إني وجدت هذا مع امرأة خلف الدرب ، فقال الوالي لأبى الحسين ما تقول ؟ قال نعم كنت أنا وهو وامرأة معنا ، فقال ليس وجهك وجه من يفعل هذا ، ثم قال للحارس أصدقنى وإلا عاقبتك فحدثه بالحديث ، فتاب الوالي والحارس ، ومضى الشيخ أبو الحسين رضي اللّه تعالى عنه ونفعنا به آمين . ( الحكاية السابعة والثمانون بعد الثلاث مئة : عن سهل بن عبد اللّه رضي اللّه تعالى عنه ) قال : صعدت جبل قاف ، فرأيت سفينة نوح مطروحة فوقه
وقيل لأبى يزيد رضي اللّه عنه هل بلغت جبل قاف ؟ فقال جبل قاف أمره قريب ، بل جبل كاف وجبل صاد وجبل عين وهي جبال محيطة بالأرض ، حول كل أرض جبل بمنزلة حائطها وجبل قاف بهذه الأرض أصغر الأرضين ، وهو أيضا أصغر الجبال ، وهو جبل من زمردة خضراء وقيل : إن خضرة السماء من خضرته ، وروى أن الدنيا كلها خطوة للوالي ، وحكى أن وليا من أولياء اللّه تعالى احتاج إلى النار فرفع يده إلى القمر فاقتبس منه جذوة في خرقة كانت معه . ( الحكاية الثامنة والثمانون بعد الثلاث مئة عن بعض السلف ) حكى أن بعض السلف نام في وقت متوسد ، فأتاه آت في منامه فقال له قل ، قال ما أقول ؟ قال قل : يا حر إنك إن توسد لينا * وسدت بعد الموت صم الجندل فاعمل لنفسك في حياتك صالحا * فلتندمن غدا إذا لم تفعل وقال ابن المبارك رضي اللّه عنه : إن الصالحين فيما مضى كانت نفوسهم تواتيهم على الخير عفوا ، وإن أنفسنا لا تكاد تواتينا إلا على كره ، فينبغي لنا أن نكرهها ، قلت : يعنى بقوله عفوا مطاوعة من غير جهد وعقوبة ، وقال بعض السلف : يا ابن آدم إن كنت لا تريد أن تأتى الخير إلا عن نشاط فإن النفس إلى السآمة والفتور والملل أقرب ، ولكن المؤمن هو المشدد ، والمؤمن هو المتوقى ، والمؤمن هو العجاج إلى اللّه بالليل والنهار ، واللّه ما زال المؤمنون يقولون ربنا ربنا ربنا في السر والعلانية حتى استجاب لهم ، وقال الشيخ أبو الربيع الملاقى رضي اللّه تعالى عنه : سيروا إلى اللّه عرجا ومكاسير ولا تنتظروا الصحة ، فإن انتظار الصحة بطالة . ( الحكاية التاسعة والثمانون بعد الثلاث مئة : عن صالح المرى رضي اللّه تعالى عنه ) قال خرجت يوما أريد زيارة أبى جهير الضرير ، وكان قد خرج من البلد وبنى له مسجدا يتعبد فيه فبينما أنا في بعض الطريق إذا أنا بمحمد بن واسع ، فقال لي إلى أين ؟ فقلت أريد أبا جهير ، قال وأنا أريده ، فمضينا وإذا نحن بحبيب العجمي ، فقال أين تريدان ؟ قلنا أبا جهير ، قال وأنا أريده ، فمضينا وإذا نحن بمالك بن دينار رضي اللّه تعالى عنه ، فقال لنا أين تريدون ؟ فقلنا أبا جهير ، فقال وأنا أريده ، وإذا بثابت البناني رضي اللّه تعالى عنه فقال
مثل ما قالوا ، وأجاب بمثل ما أجابوا ، وقال الحمد للّه الذي جمعنا ، قال فمضينا من غير ميعاد ، فلما انتهينا إلى موضع حسن قال لنا ثابت البناني : تعالوا نصل هنا ركعتين حتى يشهد لنا يوم القيامة عند ربنا عز وجل ، ثم أتينا منزل أبا جهير رضي اللّه تعالى عنه فجلسنا وكرهنا أن نستأذن عليه ، حتى إذا كان وقت الظهر خرج فأذن وأقام الصلاة وصلى ، فصلينا معه ، وقام إليه محمد بن واسع فقال : من أنت ؟ قال أنا أخوك محمد بن واسع ، قال أنت الذي يقال إنك أفضل أهل البصرة صلاة ؟ فسكت ، ثم قام إليه ثابت البناني فقال له من أنت ؟ قال ثابت البناني قال أنت الذي يقال إنك أكثر أهل البصرة صلاة ؟ فسكت ، ثم قام إليه ثابت البناني فقال له من أنت ؟ قال ثابت البناني قال أنت الذي يقال إنك أكثر أهل البصرة صلاة ؟ فسكت ، ثم قام إليه مالك بن دينار فقال من أنت ؟ قال مالك بن دينار ، قال بخ بخ ( كلمة تعجب ) أنت الذي يقال إنك أزهد أهل البصرة ؟ فسكت ، ثم قام إليه حبيب العجمي فقال من أنت ؟ قال حبيب العجمي ، قال أنت الذي يقال إنك مستجاب الدعاء ؟ فسكت ؛ قال صالح المرى ثم قمت إليه فقال من أنت ؟ قلت صالح المرى ، قال أنت الذي يقال إنك أحسن أهل البصرة صوتا ؟ ثم قال : إني كنت إلى صوتك مشتاقا ، هات اقرأ على خمس آيات من كتاب اللّه عز وجل ، قال صالح فاستفتحت فقرأت ( يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ ) ، فلما انتهيت إلى قوله تعالى ( هَباءً مَنْثُوراً ) شهق شهقة وغشى عليه ، فلما أفاق قال : أعد على قراءتك ، فأعدت عليه ، فشهق شهقة أخرى فارق الدنيا رحمة اللّه عليه ، فخرجت زوجته وقال : من أنتم ؟ فأخبرناها ، فقالت ( إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ) مات أبو جهير ؟ قلنا نعم آجرك اللّه فيه ، فمن أين علمت ؟ قالت من كثرة ما سمعت منه يقول في دعائه : اللهم أحضر موتى أولئك ، فعلمت أنكم لم تجتمعوا إلا لموته ، فغسلناه وكفناه وصلينا عليه ودفناه ، رضى اللّه تعالى عنه وعنهم . ( الحكاية التسعون بعد الثلاث مئة : عن أبي سليمان المغربي رضي اللّه تعالى عنه ) قال : كنت أحمل الحطب من الجبل وأتقوت من ثمنه ، وكان طريقي فيه التوقي والتحري ، فرأيت في المنام جماعة من البصريين منهم الحسن البصري وفرقد السبخى ومالك بن دينار ، رضى اللّه تعالى عنهم ، فسألتهم
علم حالي ؛ فقلت أنتم أئمة المسلمين ، دلوني على الحلال الذي ليس للّه تعالى فيه تبعة ، ولا للخلق فيه منة ، فأخذوا بيدي وأخرجوني من طرسوس إلى برج فيه حبارى ، فقالوا لي هذا الحلال الذي ليس للّه عز وجل فيه تبعة ولا لمخلوق فيه منة فمكثت آكل منه ثلاث أشهر شواء ومطبوخا في دار السبيل ، فظهر لي حديثه ، فقلت هذه فتنة ، فخرجت من دار السبيل ومكثت آكله ثلاثة أشهر أخرى ، فأوجد لي اللّه قلبا طيبا حتى قلت إن كان أهل الجنة في هذا القلب فهم واللّه العظيم في شئ طيب ، وما كنت آنس بكلام الخلق فخرجت يوما إلى بعض الصهاريج فجلست عنده ، وإذا أنا بفتى قد أقبل من ناحية لامش يريد طرسوس ، وقد بقي معي قطعيات من ثمن الحطب الذي كنت أجىء به من الجبل ، فقلت أنا قد قنعت بالحبارى ، أعطى هذه القطعيات لهذا الفقير إذا دخل طرسوس يشترى بها شيئا يأكله ، فلما دنا منى أدخلت يدي إلى جيبي حتى أخرج الخرقة ، فإذا بالفقير قد حرك شفتيه وإذا كل ما حولى من الأرض ذهب متقد يكاد يخطف بصرى ، ولبسنى منه هيبة عظيمة ، فجاز فلم أقدر أن أسلم عليه من هيبته ، ثم رأيته بعد ذلك في بعض الأيام خارج طرسوس جالسا تحت برج من الأبرجة وبين يديه ركوة فيها ماء ، فسلمت عليه ثم استدعيت منه موعظة فمد رجله وقلب الماء ثم قال : إن كثرة الكلام تنشف الحسنات كما أنشفت الأرض هذا الماء قم يكفيك هذا ، رضى اللّه تعالى عنه ونفعنا به . ( الحكاية الحادية والتسعون بعد الثلاث مئة : عن بعض السائحين في جبال بيت المقدس ) قال : نزلت على رجل فقال : امض بنا نعزى جارا لنا مات أخوه ، فذهبت معه إليه ، فإذا برجل جزع لا يقبل العزاء ، فقلنا له يا هذا اتق اللّه عز وجل واعلم أن الموت سبيل لابد لنا منه وهو آت على الخلق أجمعين ، قال قد علمت أن الأمر على ما تقولون : ولكني أجزع على ما يمسى أخي فيه ويصبح ، فقلنا له يا سبحان اللّه هل أطلعك اللّه على الغيب ؟ قال لا ، ولكني لما دفنته وسويت عليه التراب إذا بصوت من القبر يقول أوّه ، فقلت أخي واللّه أخي ، فكشفت التراب فقيل لي يا عبد اللّه لا تكشفه ، فرددت عليه التراب ، فلما ذهبت أقوم قال أوّه ، قلت أخرى واللّه أخي ، ثم كشفت التراب فقيل لي لا تفعل ، فرددت عليه التراب كما كان ، فلما ذهبت أقوم إذا به يقول أوّه ، فقلت واللّه
لا تركت نبشه ، فنبشته فإذا هو مطوق في وسطه بطوق من نار وقد التمع عليه القبر نارا فطمعت أن أقطع هذا الطوق ، فضربته بيدي لأقطعه فذهبت أصابعي قال ثم أظهر لنا يده فإذا أصابعه الأربع قد ذهبت ، قال فأتيت الأوزاعي رضي اللّه تعالى عنه فحدثته وقلت له : يا أبا عمرو يموت اليهودي والنصراني وغيرهم من الكفار فلا يرى فيهم مثل هذا ، ويموت هذا على التوحيد والإسلام ويرى هذا فيه ؟ قال نعم ، أولئك لا شك أنهم من أهل النار ، وإنما يريكم اللّه عز وجل هذا في أهل التوحيد لتعتبروا ؛ اللهم سامحنا واعف عنا والطف بنا يا لطيف . ( الحكاية الثانية والتسعون بعد الثلاث مئة : عن أبي جعفر الفرغاني رضى اللّه تعالى عنه ) قال : كنت عند بعض إخواننا من الصوفية بالدينور فجاء قوم من الأكراد ليشتروا لهم متاعا ثم قالوا لو علمت لمن تشترى هذا المتاع لسارعت إلى شرائه ، فقال لهم حدثونى ، قالوا نعم فأومئوا إلى رئيس لهم كانوا معه ، فقال هذا سيد الحي وكانت له زوجة فولدت له عدة من البنات ، فقال لها وهي حامل إن ولدت بنتا فأنت طالق ، وقضى أنا رحلنا رحلة الشتاء نريد نحو المراغة ونواحيها ، فبينما نحن نسير ذات يوم ضرب المرأة الطلق ، فأخذت ماء كأنها تتوضأ به فولدت جارية ، فأخذتها ولفتها في خرقة وتركتها عند كهف جبل وجاءت وأظهرت أن ذلك الحمل إنما كان ريحا وقد انفش ، ثم غبنا عن ذلك الموضع ستة أشهر ثم رجعنا ، فنزلنا بذلك المكان فأخذت المرأة ماء ومضت نحو الكهف الذي تركت الصبية فيه ، فلما قربت منه إذا غزالة قائمة عند الصبية وهي ترضع ، فلما أبصرتها الغزالة استوحشت وذهبت ، وجاءت الأم إلى الصبية ، فأخذتها فبكت الصبية وشهقت ، فوضعتها وتنحت ناحية ، فرجعت الغزالة فلم تزل ترضع وهي ساكنة ؛ فجاءت المرأة إلى الحي فأخبرتهم بذلك وسمع زوجها فمضى أهل الحي بأجمعهم إلى الكهف فرأوا الغزالة ترضع الصبية ، فلما أحست بهم تنحت فبكت الصبية فأخذها النساء ، ولم يزلن يرفقن بها حتى سكنت وأنست وجاءوا بها إلى الحي ، وبقيت الغزالة تنظر من بعيد حتى رحلنا ، وهذا المتاع الذي نريد نشتريه جهاز لها وقد زوجها أبوها من رجل صالح ، سبحان اللطيف الخبير المنان القدير
الحكاية الثالثة والتسعون بعد الثلاث مئة : عن الشيخ أبى بكر بن إسماعيل الفرغاني رضي اللّه عنه ) قال : كنت أدفع إلى شدة الفاقة أياما كثيرة ، وربما كنت أسقط مغشيا على ، وكنت حينئذ قليل الدراية ، كنت أنظر إلى أظافر أصابعي كمدة من الجوع ، فقلت ذات يوم : يا رب علمتني اسمك الأعطم سألتك به إذا حلت بي فاقة متلفة ، فبينا أنا في بعض الأيام بدمشق على باب البريد جالس ، فرأيت رجلين قد دخلا المسجد ، فوقع في نفسي أنهما ملكان ، فوقفا بحذائى ، فقال أحدهما للآخر تريد أن أعلمك اسم اللّه الأعظم ؟ فقال له الآخر نعم ، فأصغيت إليهما فقال هو أن تقول يا اللّه ، فقلت قد تعلمت ورجعت كما كنت ، فقال أحدهما ليس كما تقول أنت ، ولكن بصدق اللجأ ، قال الشيخ أبو بكر : صدق اللجأ أن يكون مثل الغريق في لجة البحر لم يبق له شئ يتعلق به ولا له ملجأ إلا اللّه عز وجل ، وحكى أنه جاء بعض الفقراء إلى بعض الشيوخ الذين يعرفون الاسم الأعظم فقال له علمني الاسم الأعظم ، قال وهل فيك أهلية لذلك ؟ قال نعم ، قال اذهب إلى باب البلد واجلس هناك ، فما جرى من شئ هناك أعلمني به . فخرج إلى حيث أمره ، وإذا بشيخ حطاب قد أقبل ومعه حمار عليه حطب ، فتعرض له الجندي ، فأخذ حطبه وضربه ، فرجع الفقير إلى الشيخ وهو حزين فأخبره بالقصة ، فقال لو كنت تعرف الاسم الأعظم ماذا كنت تصنع بالجندي ؟ قال كنت أدعو عليه بالهلاك ، قال فذلك الشيخ الحطاب هو الذي علمني الاسم الأعظم ، قلت : يعنى أنه لا يصح الاسم الأعظم إلا لمن هو متصف بهذه الصفة أعنى الصبر والحلم والرحمة للخلق وسائر الصفات المحمودة التي تخلق بها أهل الاصطفاء ، رضى اللّه تعالى عنهم ونفعنا بهم آمين . ( الحكاية الرابعة والتسعون بعد الثلاث مئة : عن الشيخ يوسف بن حمدان رضي اللّه تعالى عنه ) قال : خرجت إلى مكة على طريق البصرة ومعي جماعة من الفقراء ، وفيهم شاب كنت أغار عليه من حسن صحبته ومراعاة حاله واشتغاله بذكر ربه عز وجل ودوام مناجاته ، فلما وصلنا المدينة اعتل الشاب علة شديدة وانفرد عنا ، فصرت إليه مع جماعة من أصحابي نتعرف خبره ، فلما رأيناه وشدة وما به ، قال بعض الجماعة لو أحضرنا له طبيبا ينظر إليه ويصف علته فلعله يكون عنده دواؤه ؟ فسمع الشاب مقالته ، فتبسم من
ذلك وقال : يا مشايخي وأحبابي ما أقبح المخالفة بعد الموافقة ، من أراد اللّه تعالى له حالا وأراد هو حالا غيره أليس قد خالف اللّه عز وجل في إرادته ؟ قال فخجلنا من كلامه ، فنظر إلينا وقال : لو عرفتم داء القتيل من ذي سلوان لطلبتم لداء القتيل دواء ، إن الأمراض والأسقام فيها تطهير وتكفير وتذكير ، وداء القتيل مشاهدة النفس وموافقة الهوى ، ثم أنشد يقول : بيد اللّه دوائى * وبعلم اللّه دائى إنما أظلم نفسي * باتباعي لهوائى كلما داويت دائى * غلب الداء دوائى رضى اللّه تعالى عنه ونفعنا به آمين . ( الحكاية الخامسة والتسعون بعد الثلاث مئة : عن بعضهم ) قال : أدركتني ضائقة وخوف شديد ، فخرجت هائما ، فسلكت طريق مكة بلا زاد ولا راحلة ، فمشيت ثلاثة أيام ، فلما كان اليوم الرابع اشتد بي العطش والحر وخفت على نفسي التلف ولم أجد في البرية شجرة أستظل بها ، فوكلت أمرى إلى اللّه وجلست مستقبلا للقبلة ، فغلبنى النوم فنمت وأنا جالس ، فرأيت شخصا في المنام قد مد يده إلى وقال أعطني يدك ، فمددت يدي إليه فصافحنى وقال : أبشر أنت تسلم وتصل إلى بيت اللّه الحرام وتزور قبر نبيه عليه الصلاة والسلام ، فقلت له من أنت يرحمك اللّه فقال لي أنا الخضر ، فقلت له ادع لي ، فقال قل : يا لطيفا بخلقه يا عليما بخلقه يا خبيرا بخلقه الطف بي يا لطيف يا عليم يا خبير ، ثلاث مرات ، فقلت ذلك ، فقال هذه تحفة بها غنى إلى الأبد ، فإذا لحقك ضائقة أو نزل بك نازلة تقولها تكفى وتشفى ثم غاب عنى وأنا أسمع شخصا ينادى يا شيخ يا شيخ ، فانتبهت فإذا برجل راكب على راحلته فقال لي يا هذا رأيت لي شابا صفته كذا وكذا ؟ فقلت له ما رأيت أحدا ، فقال لي : خرج شاب من أهلنا منذ سبعة أيام وأخبرنا أنه توجه إلى الحج ، ثم قال لي إلى أين تقصد ؟ فقلت له حيثما شاء اللّه تعالى ، فأناخ راحلته ونزل عنها ومديده إلى جراب فأخرج منه قرصين من الخبز السميذ بينهما حلوى ، ونزل بسطيحة مملوءة ماء وقال اشرب ، فشربت وأكلت قرصا واحدا اكتفيت به ، ثم
قال لي اركب ، فركبت وركب أمامى ، وسرنا ليلتين ويوما فالتحقنا بالقافلة ، فسأل عن الشاب فأخبر أنه في القافلة فتركني ومضى ، ثم أتاني بعد ساعة والشاب معه ، قال يا ولدى هون اللّه على الاجتماع بك باجتماعى بهذا الرجل ، ثم ودعتهما وانصرفت ، فلحقني الرجل بكاغدة فناولني إياها وقبل يدي وانصرف ، فوجدت فيها خمسة دنانير مضروبة ، فاكتريت منها إلى مكة وتزودت ببقيتها ، وحججت تلك السنة وزرت النبي صلّى اللّه عليه وسلم ورجعت إلى الخليل عليه السّلام وكلما أدركتني ضائقة أو نازلة أذكر تلك الكلمات التي علمني الخضر عليه السّلام وأعترف بفضله ومنته وأشكر اللّه تعالى على نعمته . ( الحكاية السادسة والتسعون بعد الثلاث مئة عن بعض الفقراء ) حكى عن بعض الفقراء قال : خرجت يوما قصد البرية على نية السياحة والخلوة مع اللّه عز وجل فسرت ثلاثة أيام ، فلما كان في اليوم الرابع أدركني في باطني قلق وزيادة حركة في ظاهري ، فبينما أنا كذلك لم أشعر إلا وفاجأنى قدوم رجلين كهلين حسنين فسلما على فرددت عليهما السلام ، فقالا لي ما اسمك ؟ فقلت عبد اللّه ، فقال أحدهما : ونحن عبيد اللّه نقصد اللّه فمشينا جميعا ، فلما كان الوقت صلاة الظهر نظر إلى أحدهما وقال هو الوقت ؟ قلت نعم ، قال تصلى بنا ، فقلت تحملا عنى ذلك ويصلى أحدكما ، فصلى بنا أحدهما وانصرف ، وتركع كل واحد منا ، فلما فرغ الذي أم بنا من التركع قدم إلينا طبقا عليه قطف عنب وتين لم أر أحسن منه ، وقال بسم اللّه ، فأكلنا حاجتنا ومشينا ، فلما كان اليوم الثاني حان وقت صلاة الظهر ، فنظر إلى وقال هو الوقت ؟ قلت نعم ، قال تصلى بنا قلت تحملا ذلك عنى ، فقال لصاحبه صل ، فصلى الآخر وانصرف وتركع كل منا ، فلما فرغ الإمام من الركوع قدم طبقا فيه عنب وتين ، وقال بسم اللّه ، فأكلنا ثم تركنا الباقي وانصرفنا ، فلما كان اليوم الثالث وقع لي أنهما يقولان تصلى بنا ويجب على موافقتهما ، فرفعت طرفي إلى السماء وقلت : اللهم إنك ولى النعم من غير استحقاق ، وأنا عبدك ضعيف غير مستحق للنعم ، وقد رجعت إليك فيما أقصده إنك على كل شئ قدير ، فلما حان الوقت نظر إلى أحدهما وقال هو الوقت ؟ قلت نعم ، قال تصلى بنا ؟ قلت إن شاء اللّه ، فأقام أحدهما الصلاة ، فتقدمت وصليت بهما ، وانصرفت وصليت ركعتين ،
ونظرت عن يميني فرأيت الطبق بعينه وعليه قطف عنب وتين ورمان ، فحملته إليهما فأكلا وأكلت معهما ، ثم تركنا باقية وانصرفنا ، فشكرت اللّه تعالى على ما أولى من نعمه من غير استحقاق ، ثم أقمنا بعد ذلك أربعين يوما كل منا متوجه إلى مقصوده ، نجتمع في أوقات الصلوات وكل منا يتقدم يصلى يوما ، فإذا سلم قدم طبقا فيه ما ذكرت ، وكنت معهما على ذلك آتى بالطبق فيه العنب والتين والرمان ، فلما كان بعد الأربعين قال لي : الخلفة عليك اللّه ، فقلت وعليكما ، وانصرف كل منا ولم يسأل أحد منا صاحبه عن شئ ثم بقيت بعدهما مدة على ذلك الحال تتجدد نعمة اللّه علىّ في كل يوم ظاهرا وباطنا وكل وقت أشكر اللّه فيه تزيد نعمه على وإحسانه . ( الحكاية السابعة والتسعون بعد الثلاث مئة عن بعض المشايخ ) حكى عن بعض المشايخ بمكة قال : كنت منفردا في بعض الجبال في مغارة وربما كنت أقيم الشهر أو أقل أو أكثر لا أرى في ذلك الجبل أحدا من الإنس ، وكان قوتى من المباح ، إذا أخذني الجوع أخرج من المغارة إلى ظاهر الجبل أتناول حاجتي وأرجع ، فلما كان في بعض الأيام خرجت وإذا بي أنظر فارسا قد أقبل وحده من صدر البرية ، فلما رأيته دخلت المغارة وتركته ، فلما كان بعد ساعة إذا هو بالباب ينادى باسمي ، فقمت وخرجت إليه ، فسلم على ، فقلت له من الإنس أنت ؟ قال نعم ، فقلت من أين أنت ومن عرفك باسمي ؟ فقال أنا من أبناء الملوك ، خرجت للصيد منذ ثلاثة أيام ، فانقطعت عن أصحابي وتهت في البرية ولحقني العطش وأشرفت على الهلاك ، فلم أشعر إلا ورجل عليه أطمار قد أتاني وبيده ركوة فسقاني منها ، وناولني قبضة من حشيش فأكلتها ، فوجدتها ألذ ما يكون من البقولات ، فلما فرغت قال لي يا محمد هل تبت قبل هذا اليوم ؟ قل يا سيدي الساعة أتوب على يديك ، فقبلت يديه وتبت على يديه ، وقمت على قدمىّ وقلت يا سيدي اسأل اللّه أن يقبلني ، فرفع طرفه إلى السماء وقال : يا رب محمد بحرمة نبيك محمد صلّى اللّه عليه وسلم ارحم محمدا وتب على محمد واقبل محمدا ، ودمعت عيناه ، فوجدت حلاوة دعائه في قلبي وعقدت مع اللّه تعالى أن لا أرجع إلى ما خرجت منه حتى أموت ، وقال لي اركب فأبيت ، فحلف لا بد أن أركب ، وركبت ومشى أمامى حتى أراني مكانك وعرفني باسمك ، وقال
اجلس عنده ، فإنه يرشدك إلى الخير ، قال الشيخ فقلت له فما تصنع بالفرس ؟ فقال لا حاجة لي به ، فأطلقت الفرس ودخلت به المغارة وقدمت إليه من المباح الذي أتناول منه فأكل وجلسنا إلى الليل ، فقلت له يا بنى ليس العبادة بالشركة ، وكان بالقرب منا مغارة فأشرت له بالجلوس فيها ، فجلس وكنت أجتمع معه في كل ثلاثة أيام ، وكلما جاع خرج إلى الجبل يتناول حاجته من المباح ويرجع وكان بالقرب منا عين ماء ، وكان الفرس يرعى ويرجع إلينا في كل ليلة فلما كان يوم من الأيام ، وإذا بالشاب قد دخل على وهو مذهول ، فقلت له ما شأنك ؟ فقال رأيت الساعة في المنام أبى وأمي وهما يجريان ورائي من مكان إلى مكان وبأيديهما شمعتان موقدتان وكلما قربا منى يخرج عليهما شخص وبيده جوهرة كبيرة ويقول لهما سألتكما باللّه أن ترضيا على ولدكما وتتركاه للّه ، فإنه قد فر إلى اللّه تعالى وخذا منى هذه الجوهرة ، ولم يزل معهما كذلك حتى قالا له : نحن عنه راضون والجوهرة بشارة لك ، فانتبهت وأنا على هذا الحال ، فقلت لا يا بنى هذا ثمرة توبتك قد أراكها اللّه تعالى ، فسر بما قلت له ، ولم يزل كذلك إلى ليلة من الليالي ، فرأيت النبي صلّى اللّه عليه وسلم في المنام وقد دخل على المكان الذي أنا فيه وقال لي : اخرج أنت والشاب إلى العمارة لينتفع بكما وتنتفعا ، فلما أصبحت دخلت على الشاب وأخبرته بذلك ، فقال يا سيدي رأيت البارحة في المنام كأن في يدي اليمنى حبلا ورجلا حسن الصورة إلى جانبي يحله عنى ، وقال اسمع ما أمرت به ، فقلت له يا بنى الحمد للّه على هذا ، فنزلت والشاب معي حتى دخلنا إلى مدينة من ديار بكر والفرس يتبعنا ، فدخلنا إلى رباط في تلك المدينة قد مات الشيخ الذي قد كان فيه من يومين ، فلما وقع بصرهم على قالوا هذا هو الرجل ، فسكت ، فقالوا يا شيخ أنت تكون في هذا المكان ، ثم أقبل شيخ حسن الصورة فسلم على وقال : يا سيدي تقيم عندنا للّه تعالى ، فقلت : على خيرة اللّه ، فأعطينا الفرس فقيرا قدم علينا في ذلك اليوم وأخبرناه بصفته ، وأقمت معهم أنا والشاب في الرباط عشرين سنة لم يعلم أحد كيف قصة الشاب ، ولا من أين هو ، حتى مات رحمه اللّه تعالى ، فخرجت من الرباط إلى الحج ونيتي المجاورة بمكة ، قال الراوي : أقام الشيخ بها ثلاث سنين ، ومات ودفن بالبطحاء رضي اللّه تعالى عنه ونفعنا به وبجميع الأولياء والصالحين .
الحكاية الثامنة والتسعون بعد الثلاث مئة : عن بعض الفقراء ) قال : كنت في بدء إرادتي صحبت بعض المشايخ ، فكان يأمرني بالخدمة ، وكنت متلذذا بأمره ، فأرسلني يوما إلى القصاب لأحمل لحما للفقراء ، فابتعت منه حاجتي وحملتها ، والتفت إلى جانبي فرأيت رجلا يسوق دابة محملة ، فوكزنى فسقطت على مسمار في حانوت القصاب ، فأصاب جنبي ، فحملني عنه صاحب الحانوت ، ووجدت منه ألما كثيرا ، فبينما نحن مشغولون بربط الجرح ، وإذا بصاحب الدابة قد وقف علينا ومعه ثلاثة رجال من العوام وقال : سقطت منى صرة فيها عشرة دنانير كانت في رأسي ، فحمل القصاب وحملني رجلين آخرين إلى صاحب المدينة ، وقال هؤلاء الذين أخذوا الصرة ، فضرب كلا من أصحابي ضربا شديدا ، ثم ضربت من جملتهم ، فكان الضرب يقع على الجرح ، ثم نظر أحد العوام إلى الإناء الذي فيه اللحم ، فوجد الصرة فيه ، فقالوا هذا السارق ، فقال صاحب المدينة نقطع يده ، فأمر بالزيت فأغلى ، واجتمعت على الخلائق بالضرب والسب وأنا بين يدي أربعة رجال ، ونادى مناد : أحضروا السارق فقد طاب الزيت ، وأنا مسلم أمرى لمن بيده ملكوت كل شئ ، ولطمنى أحد الرجال لطمة حتى غبت عن الحس ، وأنا صابر في ذلك البلاء ، راجع إلى اللّه تعالى في ذلك الأمر ، وقال يالص يا سارق ، ثم جذبني حتى سقطت على وجهي ، فخررت ساجدا ، فشهدت النبي صلّى اللّه عليه وسلم ينظر إلى وهو يتبسم ، فما استويت قائما إلا وقد زال عنى ما كنت فيه ، ثم في الوقت نادى مناد : الذي أمسكتموه خادم الشيخ ، فنظروا إلى وقالوا لا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم ، ثم خر الرجال الذين كنت معهم على رجلي ، وأتى صاحب البلدة مسرعا وقبل رجلي وقال : يا سيدي سألتك باللّه العظيم إلا ما غفرت لنا ، ثم أتى صاحب الصرة وتضرع وبكى وقال : يا سيدي عنى ترضى ، فقلت لهم يغفر اللّه لي ولكم ، هذه سابقة أظهرت سريرة كامنة في وقتها ، ثم انكشفت الصرة وظهر أن العشرة الدنانير وحمل الدابة التي كان يسوقها الرجل الذي سقطت منه الدنانير رسالة إلى الشيخ ، واتفق أن الشيخ وجماعة الفقراء في ذلك الوقت الذي كنت فيه كانوا في الاستغفار لقضية وقعت بين الفقراء ، ولم يخرج أحد من الجماعة حتى وقفت بالباب واللحم معي والصرة ، فسلمتها للشيخ وأخبرته بالقصة
فقال الشيخ : من صبر تجمل وتكمل ، ثم قال : يا بنى كنت مع الفقراء مرتقبا حالتك هذه ، لأن علمها تقدم ، ثم قال لي يا محمد كانت هذه الحالة سببا لكمالك في طريقك ، فسافر الآن حيث شئت رضي اللّه عنه ونفعنا به آمين . ( الحكاية التاسعة والتسعون بعد الثلاث مئة : عن بعضهم ) قال : دخلت البادية على نية السياحة ، فأقمت فيها أياما لم أطعم فيها طعاما ولا شرابا ، فعطشت واشتد بي العطش ، فعدلت إلى قصر وقع بصرى عليه في جانب البرية ؛ فلما قربت إذا بوحش خرج منه ، فدخلت إلى القصر وإذا برجل ملقى على ظهره ، متوجها إلى القبلة ، فحركته فوجدته ميتا ، وقد هم الوحش أن يأكل منه ، فاشتغلت بتجهيزه ، وخرجت لأحفر له وأنا لا أستطيع من كثرة العطش ، فبينما أنا كذلك ، وإذا برجل قد أقبل من صدر البرية ، فسلم على وقال لي جهزت الفقير ؟ قلت لا يا سيدي ، قال بسم اللّه تمضى معي إلى رأس الجبل ، فإن فيه عين ماء ، فمضيت معه حتى وصلنا إلى العين ، فوجدنا على الماء قربة مطروحة ، وكنت على تلك الحالة من العطش ، فشربت حتى رويت ، وكان مع الرجل ركوة ، فملأنا القربة ورجعنا إلى الفقير فغسلناه وكفناه في مرقعة كانت عليه ، وصلينا عليه ودفناه ، فلما فرغنا من دفنه نظر إلى الرجل وقال لي : هذا الفقير ، وأشار بيده إلى الفقير ، كان من الرجال الأكابر وهو لا يعرف لأنه كان يتقى مولاه فأخفاه ، ثم غاب عنى كأنه قد اختطف من جانبي ، فوقفت على القبر وقرأت شيئا من القرآن وأهديته إلى الفقير ، وسألت اللّه تعالى بحرمته فأجابني ، ووجدت بركته زمانا طويلا ، رضي اللّه عنه ، ونفعنا به وبجميع الصالحين . ( الحكاية الأربعة مئة عن المؤلف ) قال المؤلف كان اللّه له : أخبرني بعض السادات أنه كان منعزلا في بعض السواحل مدة طويلة يعبد اللّه عز وجل ، فلما حضر يوم عيد الفطر خرج إلى بعض القرى ليحضر صلاة العيد مع المسلمين ، قال فلما صليت معهم صلاة العيد ، رجعت إلى مكاني ، فوجدت فيه إنسانا يصلى ولم أجد له أثرا في الرمل على باب الخلوة ، فتعجبت من أين دخل ، ثم إنه بكى بكاءا طويلا ، وبقيت أفكر أي شئ أقدم له لكونه يوم عيد وهو وارد على أيضا فلم أجد شيئا فالتفت إلى وقال : يا فلان لا تتفكر في هذا ، ففي الغيب ما لا يعلم ، ولكن إن كان عندك ماء فقربه ، فقمت لآتيه بإبريق
فوجدت عند الإبريق رغيفين كبيرين حارين كأنهما الساعة خرجا من الفرن ولوزا كثيرا ، فحملت كل ذلك إليه ، فكسر الخبز وصب اللوز بين يدي وقال كل ، وأخذ يناولني من اللوز وأنا آكل ، ولم يأكل هو معي شيئا سوى لوزة أو لوزتين ، قال فتعجبت في نفسي ، واستغربت وجود ذلك الطعام ، وقال لي لا تستغرب هذا فإن للّه عبادا أينما كانوا وجدوا ما أرادوا ، فازددت منه تعجبا ونويت في نفسي أن أطلب منه المؤاخاة ، فقال : لا تعجل بطلب المواخاة فأنا لابد أن أعود إليك إن شاء اللّه تعالى ، قال ثم غاب عنى في الوقت ، ولم أدر أين ذهب ، فازددت عجبا على عجب ، فلما كانت الليلة السابعة من شوال أتاني وواخانى رضى اللّه تعالى عنهما ، قال المؤلف : كان اللّه له : وأخبرني أيضا السيد المذكور قال كنت في خلوة فرأيت في بعض الليالي وأنا قاعد مستيقظ بعد صلاة العشاء رجلين معي في الخلوة ، وكان الباب مغلقا من داخل ولم أدر من أين دخلا ، قال فتحدثا معي ساعة وتذاكرنا أحوال الفقراء ، وكان ذلك في بلاد الشام ، فذكرا لي إنسانا في الشام وأثنينا عليه وقالا نعم الرجل ، لو كان يعرف من أين يأكل ، ثم قال لي سلم لنا على صاحبك فلان وسمها لي بعض الناس ، قال فقلت ومن أين تعرفانه وهو في الحجاز ؟ فقالا ما يخفى علينا ، قال ثم تقدما إلى المحراب فحسبتهما يريدان أن يصليا ، فخرجا من الحائط رضى اللّه تعالى عنهما وعنه ونفعنا بهم وبجميع الصالحين ، وتفضل علينا بفضله وجاد علينا بلطفه وكرمه وجوده إنه جواد كريم ، قال المؤلف كان اللّه له : وأخبرني أيضا السيد المذكور أنه دخل عليه شيخان في الخلوة في بعض سواحل الشام في شهر رجب سنة اثنتين وأربعين وسبع مئة بعد صلاة العصر ، ولم يدر من أين دخلا عليه ولا من أي البلاد أتياه ، قال فداخلنى منهما شئ ، فلما سلما على وصافحانى استأنست بهما وذهب ما كنت وجدت منهما ، فقلت لهما من أين جئتما ؟ فقالا لي سبحان اللّه ومثلك يسأل على هذا ؟ ثم قدمت لهما كسيرات يابسة من خبز شعير ، فقالا لي ما جئناك لهذا ؟ قال : فقلت لأي شئ جئتما ؟ قالا : جئنا نوصيك بتبليغ السلام إلى فلان وسميا لي الشخص الذي أوصيت بتبليغ السلام إليه قبل هذا ، قال وقالا لي قل له أبشر ، فقلت وأنتما تعرفانه وهل اجتمعتما به ؟ فقالا نعم ، اجتمعنا به ، ولم يجتمع بنا ، قال
فقلت فهذه البشارة أذن لكما فيها ؟ فقالا نعم ، وذكرا أنهما أتيا من عند إخوان لهما في المشرق ، قال ثم غابا عنى في الوقت فلم أرهما ، رضى اللّه تعالى عن الجميع ونفعنا بهم ، قلت : وهذه البشارة تؤيد ما رآه الشيخ المبشر المذكور ، رأى في النوم فيما تقدم اثنين من الصالحين يقولان له ، لا تبلعك الأرض ، أو قالا لا تبلعنا الأرض حتى تجرك إلينا ، وما رآه له أيضا بعض المشايخ الأخيار من أولاد المشايخ الكبار ، قال رأيت رجلا في الحجر ورأسه مع رأس الكعبة ، فقال سلم على فلان وقل له يصبر حتى نأتيه كلنا ، قال فقلت له ومن أنت ؟ فقال الخضر رضوان اللّه عليه ونفعنا والمسلمين ببركته ، وكذلك قال بعض الصالحين : قيل لي في منامي ، قل لفلان أبشر بفوق ما تطلب ، فما أخرنا ذلك عنك إلا تمحيصا ، ثم قال ما كان في آخر العمر كان خيرا وأسلم عاقبة ، اللهم عاملنا بما أنت له أهل ، ولا تعاملنا بما نحن له أهل ، قال المؤلف كان اللّه له : وأخبرني أيضا المذكور قال : رأيت في بعض سواحل الشامل شابا قريبا منى ، فمكثنا ثلاثة أيام لم يأتني ولم آته ، ثم خطر لي أنى آتيه وأتحدث معه ، فذهبت إليه وسلمت عليه ، وأحرمت بركعتين وأنا أنظر إليه بجنبى ، فبينما أنا في الصلاة حجب عنى فلم أر شيئا سوى سجادته ونعليه ، قال : وكذلك كنت أرى منهم في بعض البراري كثيرا ؛ فمنهم من يحتجب في الحال عنى بالحال ، ومنهم من يظهر لي ويكلمني رضي اللّه عنه وعنهم ونفعنا بالجميع آمين ، قلت : وهذا السيد المذكور صلى بوضوء واحد اثنى عشر يوما وله إلى تاريخ تأليف هذا الكتاب خمس عشرة سنة لم يضع جنبه على الأرض ، ويمكث أياما عديدة لا يأكل فيها شيئا ، وإذا أكل أكل شيئا يسيرا خشنا يابسا ، وما أكل معي قطعة لحم في منى إلا بعد شدة موافقة . وذكر لي أن له عدة سنين يحج بغير اختياره لما يرى من المنكرات والآفات ، ولكن يؤمر بالحج فما يجد منه بدا ، رضي اللّه عنه ونفعنا به . ( الحكاية الأولى بعد الأربع مئة : عن بعضهم ) قال : سافرت إلى العراق على قصد السياحة ورؤية المشايخ ، فرأيت مدينة ، فمشيت نحوها وقصدت مكانا آوى إليه ، فأويت إلى خربة في طرف المدينة ، فيه آثار دائرة ، فجلست قليلا ، ثم نامت عيناي ، فهتف بي هاتف في المنام وقال لي : قم إلى جانبك في الحائط خبيئة فخذها ، فليس لها وارث وهي ملكك ، فاستيقظت ونظرت إلى
جانبي ، فرأيت عصا ، فحفرت بها في المكان قليلا ، فوجدت خرقة ففتحتها فوجدت فيها خمس مئة دينار ، فصررتها في طرف ثوبي وخرجت من ذلك المكان ، ففكرت فيما أفعل فيها ، فقلت أنفق منها على الفقراء ، ثم قلت أشترى بها حوانيت وأوقفها على الفقراء ، وخطر لي غير ذلك ، فنمت تلك الليلة ، فرأيت النبي صلّى اللّه عليه وسلم في المنام ، فسلم على وقال : يا فقير إرادة وطلب زيادة من الدنيا لا يكونان معا ، ثم جمع أصبعه السبابة والتي تليها ، ثم قال لي امض بما معك إلى الشيخ أبى العباس من أهل الجزيرة الخضراء في بغداد في مسجد كذا وكذا وسلمها إليه ، قال فانتبهت من منامي وجددت وضوئى ثم صليت وخرجت من ساعتي إلى بغداد ، فوصلت إلى الشيخ في المكان الذي هو فيه ، فاجتمعت وسلمتها إليه وأخبرته بالقصة ، فقال منذ كم قيل لك هذا ؟ قلت منذ سبعة أيام ، فقال لي يا بنى رأيت النبي صلّى اللّه عليه وسلم منذ سبع ليال وقال لي : إذا وصل إليك فقير ومعه رسالة ، فاقبلها منه وتصرف فيها ، ثم قال : يا بنى اعلم أن لنا سبعة أيام ولم يكن عندنا ما نقتات به ، ولإنسان علينا دين قد ألح علينا في طلبه ، وقد سد اللّه هذه الفاقة على يديك ، ثم قال لي سألتك باللّه أن تقيم عندنا ، وإحدى بناتي هدية إليك ، فقلت يا سيد فكيف لي بذلك وأنا مشغول بما شغلني اللّه تعالى به ؟ وقد أخبرتك بما أخبرني النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، فقال لي : الضيافة ثلاثة أيام ، فقلت نعم ، فأقمت عنده ثلاثة أيام لم يفارقني إلا في وقت يتصرف فيه ، ثم ودعته وانصرفت رضي اللّه تعالى عنهما . ( الحكاية الثانية بعد الأربع مئة : عن بعض الفقراء ) قال : دخلت مدينة في مدائن خراسان فمشيت في السوق ، فلقيني شاب حسن الصورة ، فسلم على واتبعني حتى خرجت من السوق ، فقال لي تكون ضيفي لوجه اللّه تعالى ، فمشيت معه ، فأدخلنى دارا حسنة وفيها آثار خير ، ثم غاب عنى ليلا ، وأتى معه شيخ كبير فقال لي ، هذا والدي ادع له ، فسلمت على الشيخ ثم جلست ، فأتى بطعام فأكلنا ثم غسلنا أيدينا ، ثم هممت بالخروج ؛ فقال الشاب أنت ضيفي ثلاثة أيام ، فأقمت عنده ثلاثة أيام في كل يوم يزداد في إكرامي ، فلما كان اليوم الرابع قصدت وداعهما وأخرج ، فقال الشيخ يا بنى أنت ضيفي هذا النهار ، فأقمت عند الشيخ ذلك اليوم ؛ فلما كان في غد قلت الخليفة عليكما
اللّه ، فتبعنى الشاب حتى خرجت إلى ظاهر المدينة فودعنى وناولني صرة وخبزا وحلواء ، وقال يا سيدي هذه زوادة ، فاقبلها للّه تعالى ، فحملتها ومشيت يومين ، ثم دخلت مدينة أخرى وقصدت الفقراء بالذي معي أوصله إليهم ؛ فبينما أنا كذلك ، وإذا أنا بشيخ حسن الصورة قد استقبلني في الطريق ، فسلمت عليه وقلت : هذا ولى اللّه ، وكان وقت الصلاة ، فدخلت المسجد فصليت وجلست ، فأدركتنى سنة فنمت ، فهتف بي هاتف وقال لي الصرة التي معك أعطها للشيخ صالح الذي مر عليك ، فهو من عباد اللّه الصالحين ، فانتبهت من منامي وخرجت في الوقت لطلبه ، وقلت : اللهم بحرمته عليك اجمع بيني وبينه ، فما استتممت كلامي إلا وقد استقبلني في الطريق وبيده إبريق ماء قد حمله من النهر ، ففتحت الصرة ، فوجدت فيها خمسة دنانير وخمسة دراهم ، فجمعتها وقبلت يده ودفعتها إليه ، فأخذها من يدي وقال : يا بنى من رأى غير اللّه لم ينل من اللّه شيئا ، فقلت يا سيدي ادع اللّه لي ، فقال يحفظك اللّه ويحفظ عليك ويحفظ بك ، فقلت أوصني ، فقال : عليك بالإخلاص وحفظ العهد فيما بينك وبين اللّه تعالى ثم تركني وانصرف ، رضى اللّه تعالى عنه . ( الحكاية الثالثة بعد الأربع مئة عن رجل باع نفسه في حق الفقراء ) حكى أن رجل باع نفسه للفقراء في حق الفقراء ، فقيل له لم فعلت هذا ، ولم تبيع نفسك ؟ فقال : يا قوم ما فعلت ذلك إلا لأمر أطلعنى اللّه عليه ، كنت نائما فرأيت في المنام ملكين قد وقفا بين يدي ، فسألني أحدهما فقال : ما تقول في قول اللّه تعالى ( إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ ) * قلت اللّه أعلم ، قال لابد أن تقول ، قلت من كان عبدا للّه لم يكن للعدو عليه سلطان ، فقال الآخر : ما صفات العبد ؟ قلت اللّه أعلم ، قال لابد أن تقول ، قلت : صفات العبد امتثال أوامر سيده ، مجتنبا لنواهيه في كل حال ، ثم غاب عنى فلما أصبحت فكرت في حالي ، فلم أر نفسي أهلا للعبودية ولا للمراقبة ، ولم أر أحدا له الصفات المحمودة إلا هذه الطائفة ، فقلت أبيع نفسي لهم فأكون من عبيد العبيد ، فبعتها لهم وها أنا عبد من عبيد عبيدهم ، ثم بكى وقال : وحقه ما رأيت نفسي أهلا لمجالسته ولا لمراقبته ولا ممن يصلح لخدمته رحمة اللّه عليه ، وحكى أيضا عن بعض الفقراء قال : كنت يوما متفكرا في نفقة العيال ، فاشتغل قلبي ساعة
فنمت لأستريح ، فرأيت في منامي كأني في جزيرة في وسط بحر ، فقلت من أين يصلنى ما آكل وما أشرب في هذا المكان ؟ فهتف بي هاتف وقال لي يا هذا لو كان رزقك خلف سبعة أبحر لأتاك ، فانتبهت مسرورا وزال عنى ما كنت أجد ، ثم بعد ذلك جاءتني رسالة على يد بعض الأصحاب من رجل لم يخطر ببالي ، فقلت صدق اللّه تعالى في قوله تعالى ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ) رحمه اللّه . ( الحكاية الرابعة بعد الأربع مئة عن بعض المشايخ ) حكى عن بعض المشايخ أنه قال : كانت لي زوجة وكنت مشغوفا بها ، فبينما أنا عندها في بعض الأيام في البيت نائم أدركتني حالة في المنام ، فسمعت ما نطقت به ، وعاينت حالتي ، وكانت حالة عظيمة ، فلما أفقت ، قالت ما شأنك يا سيدي ؟ فقلت ما رأيت ، قالت خيرا ، فسكت عنها ثم خرجت وخليتها ، فقالت لخادم لنا ناد لي أمي وأختي ، قال فناداهما ، فاجتمعت بهما ، وقالت جرى لزوجى كذا وكذا ، وأخبرتهما بالقصة وقالت واللّه لا بقيت له زوجة أبدا ، فهو مجنون ولا أقيم معه في الدار ، فعذلها أهلها على ذلك وقصدوا ردها فأبت ، فقالوا تقيمين في الدار حتى نجتمع به ، فلما علمت بذلك أتيت إليها وقل لها ما مقصودك ؟ قالت الفراق وإلا قتلت نفسي وأنت السبب في ذلك ، فقلت لها أمهلينى سبعة أيام ، فقالت نعم ، ثم إني وجدت مشقة كبيرة في فراقها ، فقصدت رضاها بشئ كثير من الدنيا ، فأبت ، فأرسلت جماعة من الأهل إليها فأبت ؛ فلما تيقنت عزمها على ما ذكرت لحقني وله وتغيرت أحوالي وتشوش خاطري ، ولم أجد من يحمل عنى ذلك ؛ فلما بقي من الأجل ليلة واحدة وقد اشتد بي الحال وضاقت بي الأرض رجعت إلى اللّه تعالى ، وفوضت أمرى إليه ، وعزمت على أن ما يفعل اللّه تعالى أرضى به ، ثم دعوت بهذه الكلمات : اللهم يا عالم الخفيا ، ويا سامع الأصوات ، يا من بيده ملكوت الأرض والسماوات ، ويا مجيب الدعوات استغثت بك واستجرت بك ، يا مجير أجرني ثلاث مرات ، ثم جلست حتى كان النصف الأخير من الليل وأنا مستقبل القبلة ، وإذا بها قد دخلت مسرعة وقبلت رجلي وقالت سألتك باللّه العظيم ارض عنى ، فقد تبت مما كنت أطلبه منك ، وقد رجعت إلى اللّه تعالى ، فاسأله أن يقبل توبتي فقلت لا أرضى عنك حتى
تخبرينى بسبب هذا ؛ فقالت : كنت البارحة مصرة على ذلك العزم ، فأتاني رجل في المنام وبيده اليمنى سوط وفي الأخرى سكين ، وقال لي إن لا رجعت عن هذا الأمر وإلا قتلتك بهذه السكين ، ثم جلدنى ثلاث جلدات ، فانتبهت مرعوبة وحرارة ذلك الضرب في قلبي ، فقعدت ساعة ثم نمت ، فرأيت الرجل بعينه قد أتاني بيده السوط والسكين وقال لي أما حذرتك ووعظتك وأمرتك ، ثم رفع يده على فانتبهت مرعوبة وأتيت إليك مسرعة لتقبل توبتي وترضى عنى وتسأل اللّه لي ، ثم كشفت عن جسدها فرأيت أثر ثلاث ضربات ، فقلت لها اللّه يتوب عليك وعلى ، وقد رضيت عنك في الدنيا وفي الآخرة ، فقالت صداقى هبة لك شكرا للّه عز وجل ، وعندي عشرون دينارا من حلى هي وثيابي للفقراء شكر اللّه ، فلما أصبحت فعلت ذلك ، ثم نظرت أنا فعل اللّه بي ولطفه وعلمت أن ذلك ثمرة الرضا بحكم ما يفعل ، وتيقنت أن الأمور كلها بيد اللّه سبحانه وتعالى ، ثم أقمت معها بعد ذلك سبع سنين ، وأنا في أكمل مسرة حامدا راضيا بما يفعل اللّه ، ثم ماتت رحمة اللّه عليها ، فرأيتها بعد موتها في المنام في أجمل صورة ، وعليها من الحلى والحلل ما لا أطيق وصفه ، فقلت لها ما فعل اللّه بك وماذا لقيت من ربك ؟ فقال كما ترى وأنا منتظرة لقاءك ، رضى اللّه تعالى عنك كما رضيت عنى ، وحكى أيضا عن بعض الفقراء قال : كانت لي جارية ، وكنت إذا أمرتها بأمر تمتثله ، فقلت لها يوما يا جارية هل لك أن تنشدينى شيئا من الشعر ؟ قالت نعم يا سيدي ، فقلت لها قولي ، فأنشدت : فلولاك يا ليلى ولولاك يا نعمى * ولولاك ما طبن ولا طابت الدنيا فقلت أحسنت يا جارية ، فما تقولين جائزة هذا البيت يكون عتقك عوضا عنها وأعطيك شيئا من الدنيا ، فقالت : يا سيدي أنت مقصودى وعتقى نعمة على فلست أشتغل بالنعمة عن المنعم ، فقلت لها أنت حرة لوجه اللّه تعالى ، وكل ما في المنزل فهو ملك لك ، ثم ملأنى كلامها ، فخرجت إلى السياحة من وقتي وتركتها ، فغبت عنها سنة كاملة وكلامها كلما مر بخاطرى يقع في باطني كالحديد ، وعاينت في تلك الحركة ما لا يحد ولا يوصف ، ثم رجعت إلى المكان الذي كنا فيه فوجدتها على حالة مرضية تواصل سبعة أيام وتأكل في الشهر أربعة أيام ، فتزوجت بها وأقامت عندي سنة تراقب أحوالي وتلازم خدمتي ، ثم ماتت في السنة الثانية رحمة اللّه عليها .
الحكاية الخامسة بعد الأربع مئة : عن أبي الحارث الأولاسى رضي اللّه تعالى عنه ) قال : شهدت الفداء في الأسرى ، فكنت أرى كل أسير إذا خرج من المركب أخذ من مال السلطان ، فقلت باللّه تعالى ما في هؤلاء القوم رجل يتقى هذا المال ، فلما كان بعد أيام نزل شيخ ، فعرضوا عليه دنانير وخلعا وطعاما ، فلم يأخذ منهم شيئا ، فقلت في نفسي اللّه أكبر واتبعته حتى لحقته ، فعرضت عليه دراهم معي من جهة طيبة وقلت الحمد للّه الذي لم يخل الأرض من ولى له ، فلم يقبل الدراهم ، وضرب بيده إلى حصى في الساحل فإذا هو ياقوت أحمر وأصفر ، فقال لي من كان حاله مع مولاه مثل حالي لا يحتاج إلى دراهم ، فقلت له يا حبيبي ، أي شئ كنت تعمل في بلد الروم وهذا حالك معه ؟ قال نعم أقول لك أسأت فيما بيني وبينه ، وتركت الأدب فعاقبني بالأسر ، فتبت إليه ، فرجع إلى ، فاستحييت منه أن أخرج من بلد الروم وأترك فيه المسلمين ، فتأخرت لخروجهم ، رضى اللّه تعالى عنه . ( الحكاية السادسة بعد الأربع مئة : عن بعضهم ) قال : كنت بمكة ، فجاءنى رجل من أهل اليمن ، فقال لي جئتك بهدية ، ثم قال لرجل كان معه : حدثه ما كان منك ، فقال : خرجت من صنعاء حاجا ، فشيعنى جماعة ، وقال لي رجل منهم إذا زرت النبي صلّى اللّه عليه وسلم فاقرأ عليه منى السلام وعلى صاحبيه رضي اللّه تعالى عنهما وعن سائر الصحابة ، قال فدخلت المدينة ونسيت ما استودعني الرجل من السلام ؛ فخرجنا إلى ذي الحليفة لنحرم ، فلما أردنا الإحرام ذكرت أمانتي ، فقلت لصحابي احتفظوا براحلتى حتى أرجع إلى المدينة في حاجة ، فقالوا الساعة ترحل القافلة ونخشى أنك لا تلحق ، قلت فخذوا معكم راحلتي ، فدخلت المدينة ، فسلمت على النبي صلّى اللّه عليه وسلم وعلى صاحبيه رضي اللّه تعالى عنهما عن الرجل ، فأدركني الليل واستقبلني إنسان ، فسألته عن الرفقة ، فقال قد رحلت فرجعت إلى المسجد وقلت أقيم إلى أن تجتزئ رفقة أخرى ونمت ؛ فلما كان آخر الليل رأيت النبي صلّى اللّه عليه وسلم وأبا بكر وعمر رضي اللّه تعالى عنهما ، فقال أبو بكر : يا رسول اللّه هذا الرجل ، فالتفت صلّى اللّه عليه وسلم إلى وقال أبو الوفاء ، فقلت يا رسول اللّه كنيتي أبو العباس ، فقال لي أنت أبو الوفاء ، وأخذ بيدي فوضعني في المسجد الحرام ، فأقمت بمكة ثمانية أيام حتى وردت الرفقة رضي اللّه تعالى عنه ، ونفعنا به وبجميع الصالحين .
الحكاية السابعة بعد الأربع مئة : عن بعض الصالحين ) قال : صعدت جبل لبنان مع نفر نلتمس رجلا من العباد الزهاد المقيمين فيه ، فسرنا ثلاثة أيام ، فضربت على رجلي ، فجلست على جبل شامخ ومضى أصحابي يدورون في الجبل على أنهم يرجعون إلى فلم يعودوا وبقيت وحدى إلى غد ذلك اليوم ، وطلبت ماء لأتطهر به للصلاة ، فوجدت أسفل الجبل عينا ، فتوضأت منها وقمت أصلى ، فسمعت صوت قارئ ، فلما فرغت من الصلاة اتبعت الصوت فوجدت كهفا فدخلته ، فإذا فيه رجل ضرير جالس ، فسلمت عليه ، فرد على السلام وقال لي أجنى أنت أم إنسي ؟ فقلت بل إنسي ، فقال لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له ، ما رأيت ههنا إنسيا منذ ثلاثين سنة غيرك ، ثم قال لي لعلك تعبت اطرح نفسك ، فدخلت داخل الكهف ، فرأيت ثلاثة قبور صفا ، فنمت عندها ؛ فلما كان وقت صلاة الظهر صاح بي : الصلاة يرحمك اللّه ، ولم أر رجلا أعرف بأوقات الصلاة منه ، فصليت معه ثم قام يصلى ، فلم يزل يصلى إلى العصر ، فلما صلى العصر نهض قائما يدعو ، فسمعته يقول في دعائه : اللهم أصلح أمة محمد ، اللهم ارحم أمة محمد ، اللهم فرج عن أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، فلما صلينا المغرب ، قلت له من أين لك هذا الدعاء ؟ قال من دعا به كل يوم ثلاث مرات كتبه اللّه من البدلاء ، فقلت من علمك هذا ؟ فقال لا يحتمل إيمانك ذلك ، قال المؤلف كان اللّه له : وقال الشيخ الإمام العارف باللّه تعالى عالي المقام أبو الحسن الشاذلي رضي اللّه عنه وغيره من الكبار العارفين : من قال كل يوم اللهم اغفر لأمة محمد ، اللهم ارحم أمة محمد ، اللهم استر أمة محمد ، اللهم أجبر أمة محمد ، كتب من الأبرار رضي اللّه تعالى عنهم ، قالوا وهو دعاء الخضر عليه السّلام ، رجعنا إلى تمام الحكاية ، قال : فلما صلينا العشاء قال لي تأكل ؟ فقلت نعم ، قال ادخل داخل الكهف فكل ما تجد ، فدخلت فوجدت صخرة عليها جوز وزبيب وخرنوب وتفاح وتين وحبة الخضراء ، كل واحد من ذلك في ناحية ، فأكلت منه ما أردت ، فلما كان وقت السحر أوتر ، وذلك أنه لم ينم في ليلته ثم أكل مما كان هناك ، وجلس حتى صلينا الفجر فنام وهو جالس إلى أن طلعت الشمس وارتفعت نحو رمحين ، ثم قام فتوضأ ودخل الكهف ، فقلت له من أين هذه الفاكهة ، فما رأيت أطيب منها ، قال فسترى ذلك معاينة ، فدخل طائر جناحاه
أبيضان وصدره أحمر ورقبته خضراء ، وفي منقاره حبة زبيب وبين رجليه جوزة ، فوضع الزبيبة على الزبيب والجوزة على الجوز ، فلما أحس بجناحيه قال لي رأيته ؟ قلت نعم ، قال هذا الطائر يأتيني بهذه الفاكهة منذ ثلاثين سنة ، قلت كم يتردد إليك في اليوم ؟ قال سبع مرات ، فعددت فإذا به تردد في اليوم خمس عشرة مرة ، فعرفته بذلك ، فقال قد زادك مرة اجعلنا في حل ، ورأيت عليه من اللباس من لحاء شجر شبه الموز ، فقلت له من أين لك هذا ؟ فقال يأتيني هذا الطائر في كل يوم عاشوراء بعشر قطع من هذا اللحاء ، فأصنع منه قميصا ومئزرا ، وكانت عنده مسلة يخيط بها اللحاء ورأيت تحته مما قد خلق من ذلك مفروشا ، وأيت عنده حجرا يصب عليه الماء ، ثم يأخذ الماء الذي ينزل منه ، فيمسح به الشعر الذي ينبت عليه فيحلقه ، وكنت عنده جالسا فدخل عليه سبعة نفر أعينهم مشقوقة بالطول حمر ، وكانت ثيابهم شعورهم ، فقال لي بالفارسية لا تجزع منهم فإنهم من مسلمى الجن ، فقرأ عليه أحدهم سورة طه وآخر سورة الفرقان ، وآخر تلقن من سورة الرحمن آيات ، ثم خرجوا ؛ وسمعته وهو ساجد في بعض الأيام يقول في سجوده : اللهم امنن على بإقبالى عليك وإصغائى إليك وإنصاتى لك والفهم عنك والبصيرة في أمرك ، والنفاذ في خدمتك وحسن الأدب في معاملتك ، ورفع صوته فقلت له من أين لك هذا الدعاء ؟ فقال ألهمته ، ولقد كنت أدعو به في بعض الليالي فسمعت هاتفا يهتف بي يقول : إذا دعوت بهذا الدعاء ففخم فإنه مستجاب ، فأقمت عنده أربعة وعشرين يوما ، ثم قال لي حدثني بقصتك كيف وصلت إلى ههنا ؟ فحدثته ، فقال لو علمت أن قصتك هذه ما تركتك عندي هذه المدة ، لأنك قد شغلت قلوب إخوانك ، وقد ندموا على ما فرطوا في أمرك ، ورجوعك إليهم أفضل من مقامك عندي ، فقلت له فإني ما أعرف الطريق فسكت ، فلما كان وقت زوال الشمس قال قم حتى تمضى ، فقلت له أوصني بوصية ، فقال لي : عليك بالجوع والأدب ، فإني أرجو أن تلحق بالقوم ، وأهدى لك أيضا هدية اطلب يوم الزيارة بعد العصر بين زمزم والمقام رجلا ووصفه لي ، ثم قال إذا لقيته فاقرأ عليه السّلام واسأله يدعو لك ، ثم خرج من الكهف وأنا معه ، وإذا بسبع قائم على باب الكهف ، فتكلم معه بكلام لم أفهمه ، ثم قال لي اتبعه ، فإذا وقف فانظر عن
يمينك أو عن يسارك ، فإنك تجد الطريق ، فسار السبع أمامى ساعة ثم وقف ، فنظرت عن يميني ، فإذا أنا على عقبة دمشق ، فدخلت الجامع فلقيت بعض من كان معنا ، فحدثته الحديث وخرجنا جميعا ومعنا خلق كثير حتى صرنا إلى ذلك الجبل وذلك الموضع بعينه وطلبنا الكهف ثلاثة أيام فلم نجده ، فقالوا لي هذا شئ كشف لك وغطى عنا ، فكنت أحج كل سنة ، وألتمس الرجل الذي وصفه لي ، فما كنت أراه حتى كان بعد ذلك بثمان سنين ، رأيت ذلك الرجل على ما وصفه لي بين زمزم والمقام بعد العصر ، فسلمت عليه ، فرد على السلام ، فسألته الدعاء ، فدعا لي بدعوات ، فقلت له : إن إبراهيم الكرماني يقرئك السلام ، فقال لي وأين رأيته ؟ قلت في جبل لبنان ، فقال لي : رحمه اللّه تعالى ، فقلت له أو قد مات ؟ قال نعم الساعة دفنته عند إخوانه في الغار الذي كان فيه ، وصلينا عليه ، فبينما نحن نغسله إذا بالطائر الذي كان يأتيه بقوته قد سقط ، فلم يزل يضرب بجناحيه حتى مات ، فدفناه عند رجليه ، ثم قام الرجل فدخل الطواف فلم أره بعد ذلك ، رضى اللّه تعالى عن الجميع ونفعنا بهم آمين . ( الحكاية الثامنة بعد الأربع مئة : عن بعضهم ) قال : ركبت في مركب البحر ومعي رفيق لي : فلما سار المركب سكنت الريح ، فطلبوا مرسى وقربوا المركب من الساحل ، وكان ، إلى جنبي شاب حسن الوجه ، فنزل إلى الساحل ودخل بين أشجار على شاطىء البحر ، ثم رجع إلى المركب ؛ فلما غابت الشمس قال لي ولصاحبي : إني ميت الساعة ولى إليكما حاجة قلنا ما هي ؟ قال إذا أنا مت فكفنانى بما في هذه الرزمة ، وخذا هذه الثياب التي على ومخلاتى ، فإذا دخلتما مدينة صور ، فأول من يلقاكما ويقول لكما هاتا الأمانة فادفعاها إليه ؛ فلما صلينا المغرب حركنا الرجل فإذا هو قد مات ، فحملناه إلى الشط وأخذنا في غسله وفتحنا الرزمة ، فإذا فيها ثوبان أخضران مكتوبان بالذهب ، وثوب أبيض فيه صرة فيها شئ كأنه الكافور ، ورائحته رائحة المسك ، فغسلناه وكفناه في ذلك الكفن ، وحنطناه بما كان في الصرة من الطيب ، وصلينا عليه ودفناه ، فلما دخلنا مدينة صور استقبلنا غلام أمرد حسن الوجه ، عليه ثوب شرب ، وعلى رأسه منديل ديبقى ، فسلم علينا وقال : هاتا الأمانة ، فقلنا له نعم وكرامة ، ولكن ادخل معنا هذا المسجد نسألك عن مسئلة ، قال : نعم ، فدخل معنا
المسجد ، فقلنا له أخبرنا عن الميت ، ومن أنت ، ومن أين له ذلك الكفن ؟ فقال أما الميت فكان من البدلاء من الأربعين وأنا بدله ، وأما الكفن فإنه جاء به الخضر عليه السّلام ، وعرّفه أنه ميت ، ثم لبس الثياب التي كانت معنا ، ودفع إلينا الثياب التي كانت عليه ، وقال بيعاها وتصدقا بثمنها إن لم تحتاجا إلى لبسها ، فأخذناها ودفعنا السراويل إلى المنادى يبيعه ، فلم نشعر إلا والمنادى قد جاء ومعه جماعة فأخذونا إلى دار كبيرة ، وإذا فيها جماعة وإذا بشيخ يبكى وصراخ النساء في الدار ، فلما وصلنا إلى الشيخ سألنا عن السراويل والتكة ، فحدثناه الحديث ، فخر ساجدا للّه تعالى ، ثم رفع رأسه وقال : الحمد للّه الذي أخرج من صلبي مثل هذا ، ثم صاح بأمه وقال لنا حدثاها الحديث ، فحدثناها ، فقال لها الشيخ : احمدى اللّه تعالى الذي رزقك مثله ، فلما كان بعد سنين بينما أنا واقف بعرفات ، وإذا أن بشاب حسن الوجه عليه مطرف خز ، فسلم على وقال أتعرفني ؟ قلت لا ، فقال أنا صاحب الأمانة الصوري ، ثم ودعني وغاب عنى وقال لولا أن أصحابي ينتظروننى لأقمت معك ، فمضى وتركني ، فإذا أنا بشيخ خلفي من أهل المغرب كنت أعرفه يحج كل سنة ، فقال لي من أين تعرف هذا الشاب ؟ فقلت هذا يقال إنه من الأبدال الأربعين ، فقال هو اليوم من العشرة ، وبه يغاث الناس والعباد رضي اللّه تعالى عنه ونفعنا به وبأمثاله . ( الحكاية التاسعة بعد الأربع مئة عن بعض المشايخ ) قال بعض الشيوخ : دخلت أنا وعشرة نفر في جبل لكام ، فسرنا فيه أياما ، وانحدرنا إلى واد فإذا فيه بحيرة ماء عذب ، وإذا على شاطىء البحيرة مسجد من حجر أبيض ، وإذا بعين ماء من حجر تحت المسجد تجرى إلى البحيرة فجلسنا فيه ، فلما كان وقت الظهر جاء رجل فأذن ، ثم دخل فسلم علينا وصلى ركعتين ، ثم أقام الصلاة ، فدخل شيخ ومعه ثلاثون رجلا ، فتقدم إلى المحراب وصلى بنا ، ثم انصرفوا ولم يكلمونا ، فلما كان وقت العصر صلينا نحن ولم نرهم ؛ فلما كان وقت المغرب جاء الرجل فأذن وأقام الصلاة فتقدم الشيخ فصلى بنا ، ثم قاموا يصلون إلى أن غاب الشفق الأحمر ، ثم أذن وأقام وصلى بنا الشيخ العشاء ثم انصروا ولم يكلمونا ولم نكلمهم ، فلما كان بعد ساعة جاء رجل منهم معه شئ فوضعه في زاوية المسجد ، ثم قال لنا : هلموا رحمكم اللّه ، فقمنا إليه ، فإذا
نحن بمنديل أبيض لم نر مثله تحته مكبة من زمرد أخضر ، فكشفناها فإذا بمائدة من ياقوت أحمر عليها طعام يشبه الثريد ، فأكلنا منه ، فكنا نأكل ولم ينقص منه شئ ، فلما كان وقت السحر جاء ذلك الرجل فحمل المائدة ، ثم أذن وأقام الصلاة ، فتقدم الشيخ فصلى بنا وجلس في محرابه ، فختم القرآن ، فحمد اللّه وأثنى عليه ، ودعا بدعاء حسن ، ثم قال إن اللّه تعالى افترض على خلقه فريضتين في آية واحدة ، والخلق عنها غافلون ، فقلت : وما هي رحمك اللّه ؟ فقال لي تقدم جبرك اللّه ، فقدمني على الجماعة وقال لي نعم يا بنى جبرك اللّه ، قال الجليل جل جلاله ( إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ ) فوصفه بالعداوة لنا ، ثم قال ( فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ) فهذا أمر منه لنا أن نتخذه عدوا ، قال : فقلت له كيف نتخذه عدوا ونتحصن منه ؟ فقال : اعلم رحمك اللّه ، أن اللّه جل جلاله جعل لكل مؤمن سبعة حصون ، فقلت وما هذه الحصون ؟ قال : الحصن الأول من ذهب ، وهو معرفة اللّه تعالى ، وحوله حصن من فضة وهو الإيمان باللّه ، وحوله حصن من حديد وهو التوكل على اللّه ، وحوله حصن من حجارة وهو الشكر والرضا عن اللّه وحوله حصن من فخار وهو الأمر والنهى والقيام بهما ، وحوله حصن من الزمرد وهو الصدق والإخلاص في جميع الأحوال ، وحوله حصن من لؤلؤ رطب وهو أدب النفس ، فالمؤمن من داخل هذه الحصون ، وإبليس من ورائها ينبح كما ينبح الكلب ، والمؤمن لا يبالي به لأنه قد تحصن بهذه الحصون ، فينبغي للمؤمن أن لا يترك أدب النفس في أحواله ، ولا يتهاون به في كل ما يأتيه ، فإن من ترك أدب النفس وتهاون بها يأتيه الخذلان من فوق لتركه الأدب ، ولا يزال إبليس نعوذ باللّه منه يعالجه ويطمع فيه حتى يأخذ منه الحصن الأول ، ثم لا يزال يأخذ منه حصنا بعد حصن إذا ترك الأدب ويطمع فيه ؛ ويأتيه الخذلان من اللّه تعالى لتركه حسن الأدب حتى يأخذ منه جميع الحصون السبعة ويرده إلى الكفر فيخلد في النار ، نعوذ باللّه من جميع ذلك ونسأله التوفيق وحسن الأدب ، قال فقلت له : أوصني بوصية ، قال نعم جبرك اللّه اجتهد في رضا خالقك بقدر ما تجتهد في رضا نفسك ، واعمل في دنياك بقدر مقامك فيها ، واعمل لربك بقدر حاجتك إليه ، وأطع إبليس لعنه اللّه بقدر نصحه لك ، وهي الخديعة منه ، وارتكب من المعاصي بقدر طاقتك على النار
واحفظ لسانك عما لا ترجو فيه ثوابا كما تحفظ نفسك من سلعة لا ترجو فيها ربحا واترك أربعة لأربعة ، ثم لا تبالى متى مت اترك الشهوات إلى الجنة والنوم إلى القبر ، والراحة إلى الصراط ، والفخر إلى الميزان ، ثم قام ومشى وأقمنا يومنا ذلك ؛ فلما كان الليل جاء الرجل ومعه تلك المائدة وعليها مثل ذلك الطعام ، فأكلنا وأقمنا عندهم ثلاثة أيام ، فلما كان اليوم الرابع ودعنا الشيخ وقال في آخر كلامه لنا : يا فتيان استروا المكان يستركم اللّه في الدنيا والآخرة ، فانصرفنا من عندهم ، وسرنا في واد على جانبه أشجار مثمرة من كل لون من الثمر ، فرأينا من بعيد على شاطىء النهر كريكيا قائما ، فقربنا منه فإذا هو مطموس العينين ، فبقينا نتعجب من أمره ، فبينما نحن قيام إذ أقبلت نحلة سوداء خلفها نحل كثير ، فلما وصلت إلى الكركي دبت ، ففتح منقاره ، فوضعت النحلة فيه عسلا ، ولم يزل النحل يدخلن واحدة بعد واحدة ، ويصببن العسل في فمه ولم يبق منهن شئ ، فامتلأ فمه من العسل ، فأطبق عليه منقاره فسقط منه شئ من العسل ، فأخذته وأكلته وانصرفنا رضي اللّه تعالى عنه وعن جميع الصالحين ونفعنا بهم ، قلت : ذكر الشيخ المذكور رضي اللّه تعالى عنه أن الشيطان نعوذ باللّه منه ، لا يزال يأخذ الحصون المذكورة حتى يرد العبد إلى الكفر ، فيخلد في النار ، نعوذ باللّه من ذلك ، وما قاله في نهاية الحسن والتحقيق ولكن قد يستولى الشيطان على بعض الحصون المذكورة دون بعض ، فيؤدى العبد إلى الفسق دون الكفر فيستحق النار من غير تخليد ، وقد لا يؤديه إلى الفسق ، ولكن يرده إلى أضعف الإيمان فلا يستحق النار ، ولكن يستحق النزول عن مقام أهل الإيمان الكامل ، وفي هذا التفاوت بحسب تفاوت الحصون المذكورة ، فليس أخذ حصني المعرفة والإيمان كأخذ بقية الحصون المذكورة ، وبقية الحصون تتفاوت أيضا ، فليس أخذ حصني الصدق والإخلاص كأخذ حصني الأمر والنهى ، وكذلك سائر الحصون ، والكلام فيها يطول ، ولكن مهما بقي حصن الإيمان وحصن التوكل الكاملين للعبد لم يقدر عليه الشيطان ، لقوله تعالى ( إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) وهؤلاء هم المتصفون بالعبودية الكاملة لقوله تعالى ( إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ ) * ، وهم المؤمنون حقا لقوله تعالى ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ
وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ) إلى قوله تعالى ( وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) ثم قال في آخر وصفهم ( أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ) وقد يكون أخذ حصن واحد مؤديا إلى الكفر ، موقعا في التخليد في النار كحصن الإيمان ، ولكن لا يقدر على الوصول إلى أخذ حصن الإيمان حتى يأخذ الحصون التي حوله إن كانت موجودة فنسأل اللّه الكريم التوفيق والهدى ، والسلامة من الزيغ والردى . ( الحكاية العاشرة بعد الأربع مئة : عن بعضهم ) قال : كنت جالسا في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ومعي رجل من أهل البحرين يقال له خير ، فدخل علينا من باب المسجد سبعة أنفس ، فقال خير : الحق بالقوم لا يفوتوك ، فإنهم أولياء فقمت خلفهم فإذا هم عند قبر النبي صلّى اللّه عليه وسلم قيام ، فتقدمت إليهم ، فالتفت إلى واحد منهم ، فداخلنى الرعب حتى بلت ، فخرج القوم وخرجت معهم ، فالتفت إلى واحد منهم وقال لي : إلى أين تأتى ؟ ارجع فإنك لا تلحقنا ، فقال له واحد منهم دعه لعل اللّه يجبره ، فقال له : ما له أربعون سنة ، فقال دعه لعل اللّه يجبره فيلحقه بدرجة القوم ، فسرت معهم ، فكنت أرى ونحن نسير كأن الجبال والأرض تطوى ، فنرى من بعيد جبلا فنجوزه ، ونرى سهلا من بعيد فنجوزه في الحال وكنت أسمع دبيب الأرض مثل الرحا ، وكنت أرى كنوز الأرض تظهر لنا وتغيب عنا حتى وصلنا إلى واد كثير الشجر كثير النبات ، فإذا أقوام يصلون بواد نحوا من سبعين رجلا ، فبتنا في ذلك الوادي ، فلما أصبحنا وطلعت الشمس قمنا ، فإذا نحن بمدينة عليها سور أبيض من حجارة قطعة واحدة ونهر عظيم يدخل إليها ، وليس للمدينة باب إلا من الموضع الذي يدخل منه الماء ، وعليه شباك من ذهب ، فدخلناها جميعا ونحن نحو من مئة نفس ، فإذا فيها قباب من ذهب ، وتحتها عمد من ذهب وفضة ، وفيها أنهار من ذهب يجرى فيها الماء وأشجار بين القباب مثمرة ، وأرضها مفروشة بنبات الريحان ، وفيها طيور من كل لون ، وثمار كثيرة وتفاح وزن كل تفاحة نحو من خمسة أرطال بالبغدادى ، وكل تلك الفاكهة لا تشبه فاكهة الدنيا في الطعم واللون والريح ، وكنا نأكل من التفاح وغيره ، وكان أحدنا يأكل في الوقت مئة ومئتين ولا يشبع من التفاح والسفرجل والرمان والكمثرى ، ومن كل نوع من الثمار إلا النخل ، فأقمنا بها أربعين يوما ليس لنا فيها عمل إلا الصلاة والأكل ، وكنا لا نحتاج إلى وضوء
ولا شرب ماء ولا نوم ، فلما كان بعد الأربعين خرجنا منها ، فأخذت منها ثلاث تفاحات فلم يمنعونى ، فخرجنا من الموضع الذي يدخل منه الماء ، وكنا دخلنا منه ؛ فلما سرنا ساعة قالوا لي أين تريد نوصلك ؟ فقلت الموضع الذي أخذتموه ، وسألتهم عن اسم المدينة ، فقال لي واحد منهم ، هذه مدينة الأولياء خلقها اللّه عز وجل نزهة لأوليائه في دار الدنيا ، فمرة تظهر لهم باليمن ، ومرة تظهر لهم بالشام ، ومرة بالكوفة ، ولم يدخل هذه المدينة من لم يبلغ الأربعين غيرك ؛ فلما كان بعد ساعة انتهينا إلى موضع ، فقلت ما هذا الموضع ؟ قالوا اليمن ، وكنت آخذ من التفاح قطعة صغيرة فما أحتاج إلى طعام أياما كثيرة ، ولم يزل معي التفاح آكل منه إلى أن دخلت مكة فلقيت الكناني فأعطيته من التفاح واحدة ، فلما كان اليوم الثاني لقيني رجل فقال لي لم فعلت هذا ، ولم حدثت بما رأيت ؟ فقد أخذنا ما أعطيت الكناني ورددناه إلى مكانه ، فلقيت الكناني فقال كانت عندي في حق ، فلما أمسيت ذهبت لآكل منها فلم أجدها ، قلت : وقد تقدمت في هذا الكتاب حكاية تشبه هذه وليست هي هي ، وفي كل واحدة منهما أشياء ليست بالأخرى ، وكل ذلك ممكن في قدرة اللّه تعالى وسائغ في كرامات أوليائه ، رضى اللّه تعالى عنهم ونفعنا بهم أجمعين . ( الحكاية الحادية عشرة بعد الأربع مئة : عن الشيخ أبى عمران الواسطي رضى اللّه تعالى عنه ) قال : خرجت من مكة أريد زيارة قبر النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، فلما خرجت من الحرم أصابني عطش شديد حتى أيست من نفسي ، فجلست تحت شجرة أم غيلان آيسا من نفسي فإذا فارس قد أقبل على فرس أخضر ، وسرجه ولجامه وثيابه وآلته خضر ، وفي يده قدح أخضر ، فيه شراب أخضر ، فدفعه إلى : وقال لي اشرب ، فشربت ثلاث مرات لم ينقص مما في القدح شئ ، ثم قال لي أين تريد ؟ فقلت المدينة لأسلم على النبي صلّى اللّه عليه وسلم وأسلم على صاحبيه رضي اللّه عنهما ، فقال إذا وصلت وسلمت على النبي صلّى اللّه عليه وسلم وعليهما ، فقل لهم رضوان يقرئكم السلام ، وكذلك روى أيضا عن بعض الصالحين قال : كنت جالسا في بيت المقدس عند منبر سليمان عليه السّلام يوم الجمعة بعد صلاة العصر ، وإذا أنا برجلين يشبه أحدهما خلقنا والآخر طويل عظيم الخلق ، كان عرض جبهته أكثر من ذراع ، وكان فيه ضربة قد خيطت ، فجلس الذي بشبهنا
عندي وسلم على ، وجلس الآخر بعيدا منى فقلت له من أنت يرحمك اللّه ؟ قال أنا الخضر ؟ فقلت ومن ذلك الرجل ؟ قال أخي إلياس ، فداخلنى ما يداخل مثلي ، فقال لي لا بأس عليك نحن نحبك ، ثم قال لي : من صلى العصر يوم الجمعة ثم استقبل القبلة فقال : يا اللّه يا رحمن إلى أن تغرب الشمس ، ثم سأل اللّه تعالى شيئا أعطاه إياه ، فقلت له آنستنى آنسك اللّه بذكره ، هل كل ولى في الأرض تعرفه ؟ قال المعدودين ، قلت وما معنى المعدودين ؟ قال إنه لما قبض النبي صلّى اللّه عليه وسلم شكت الأرض إلى ربها سبحانه وتعالى ، فقالت بقيت لا يمشى على نبي إلى يوم القيامة ، فأوحى اللّه تعالى إليها إني سأجعل من هذه الأمة رجالا مثل الأنبياء ، قلوبهم على قلوب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، قال فقلت له كم هم ؟ قال ثلاث مئة وهم الأولياء ، وسبعون ، هم النجباء وأربعون وهم أوتاد الأرض ، وعشرة وهم النقباء ، وسبعة وهم العرفاء ، وثلاثة وهم المختارون ، وواحد وهو الغوث ، فإذا مات الغوث اختير من الثلاثة واحد فجعل في مرتبته ، واختير من السبعة واحد فجعل في الثلاثة ، واختير من العشرة واحد فضم إلى السبعة ومن الأربعين إلى العشرة ، ومن السبعين إلى الأربعين ، ومن الثلاث مئة إلى السبعين ، واختير من الدنيا واحد إلى الثلاث مئة يعنى من أهل الدنيا هكذا إلى يوم ينفخ في الصور ، ومنهم من قلبه مثل قلب موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام ، ومنهم من قلبه مثل قلب نوح وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام ، فقلت له مثل قلب إبراهيم تعظيما له ؟ قال نعم ، ومثل قلب جبريل وداود وسليمان عليهم الصلاة والسلام ، أما سمعت قول اللّه سبحانه ( فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ ) فما مات نبي إلا وعلى طريقته رجل يسلكها إلى يوم القيامة ، فلو أن الأربعين اطلعوا على قلوب العشرة لرأوا قتلهم ودماءهم حلالا وكذلك السبعون لو اطلعوا على قلوب الأربعين لرأوا قتلهم ودماءهم حلالا أما ترى ما كان من قصة موسى معي ؟ قال فقلت له مم طعامك ؟ قال من الكرفس والكمأة ، قلت فما طعام إلياس ؟ قال رغيفان من الحوارى كل ليلة ، قلت وأنت وهو أين مقامكما ؟ قال في جزائر البحر ، قلت وهل تجتمعان ؟ قال نعم إذا مات ولى صلينا عليه ، وإذا كان موسم الحج اجتمعنا فيه ، فيأخذ من شعري وآخذ من شعره ، قلت فعرفني أسماء هؤلاء القوم الذين سميتهم فأخرج درجا من كمه
فيه أسماء القوم كلهم قد كتبهم ، ثم قام فقمت معه ، فقال لي إلى أين ؟ فقلت أمشى معك ، فقال لا سبيل لك إلى ذلك ، فقلت إلى أين تقصد ؟ فقال وما تريد من ذلك ؟ فقلت أصلى معك وأتبرك ، فقال إني أصلى الغداة بمكة ، ثم أجلس في الحجر عند الركن الشامي إلى أن تطلع الشمس ، ثم أطوف بالبيت سبعا ، ثم أصلى خلف المقام ركعتين ، ثم أصلى الظهر بالمدينة والعصر ببيت المقدس والمغرب بطور سيناء والعشاء على سد ذي القرنين ثم لا أزال أحرس إلى الغداة ، عليه وعلى جميع المذكورين السلام . ( الحكاية الثانية عشرة بعد الأربعة مئة : عن بعض المشايخ ) قال : ورد على كتاب من أبى بكر محمد بن الشقيق يذكر فيه ما في رقبته من الأمانات ، ويسألني الدعاء أن يخلصه اللّه تعالى منها في الدنيا ، فخرجت من المنزل أريد صلاة الظهر ، فلما فتحت الباب إذا برجل عليه ثياب خضر وعليه تاج من جوهر وله شعاع ، فسلم على وقال ما عزمك أن تكتب إلى محمد الشقيق ؟ فقلت له ما تأمر به ، فقال اكتب إليه بعد يومنا هذا إلى تمام ستة عشر يوما يكون في قبره ، فقلت له أحكيه عنك ؟ فقال لا اكتب إليه فإنه يصدقك ، فتكتب إليه ثلاثة كتب اعرفه فيها بمنيته ، فلما وصلت إليه هيأ وصيته وفرغ منها ، وفي اليوم السادس عشر من اليوم الذي كتب إليه مات رحمه اللّه تعالى ، فرأيته في المنام ، فقال لي جزاك اللّه من أخ خيرا وكان بيني وبينه معاهدة أن من سبق منا إلى الجنة يشفع في صاحبه ، فقلت له العهد الذي بيني وبينك ، فقال أنا على ذلك ، وقد وهب لي ممن لم يكن بيني وبينه معاهدة خلق لا يحصون ، فقلت وأنا ؟ قال أنت أخصهم وأفضلهم ، رضى اللّه تعالى عن جميع الصالحين ونفعنا بهم آمين . ( الحكاية الثالثة عشرة بعد الأربعة مئة : عن بعضهم ) قال : خرجت من عدن مع رفقة لي ، فلما جن علينا الليل أصابني شئ في رجلي فبقيت وحدى على شاطىء البحر ، فجلست على الساحل ولم يكن معي شئ وكنت صائما ، فبينما أنا كذلك وقد مهدت لنفسي لأنام ، فإذا أنا برغيفين وبينهما طائر مشوى ، فأخذت الطائر فتركته ناحية ، فإذا أنا بأسود في يده عمود من حديد ، فقال لي كل يا مرائي ، فأكلت بعض الطائر مع رغيف ، وأخذت الرغيف الآخر
وما بقي من الطائر فجعلته في خرقة معي ووضعته عند رأسي ونمت ، فانتبهت وإذا الخرقة تحت رأسي وما فيها شئ ، وقال أيضا : رأيت الغوث وهو القطب رضى اللّه تعالى عنه بمكة سنة خمس عشرة وثلاث مئة على عجلة من ذهب ، والملائكة يجرون العجلة في الهواء بسلاسل من ذهب ، فقلت إلى أين تمضى ؟ فقال إلى أخ من إخواني اشتقت إليه ، فقلت لو سألت اللّه تعالى أن يسوقه إليك ؟ فقال وأين ثواب الزيارة ؟ قال واسم هذا القطب أحمد بن عبد اللّه البلخي رضي اللّه تعالى عنه ونفعنا به ، قلت : وسيأتي الكلام على هذه الحكاية في آخر الكتاب في فصل الجواب عن إنكار بعض المنكرين ، واللّه الموفق . ( الحكاية الرابعة عشرة بعد الأربعة مئة : عن بعض المشايخ ) قال : كنت جالسا ومعي جماعة من الصالحين بمكة وفينا رجل هاشمي ، فغشى عليه ، فلما أفاق قال أما رأيتم ما رأيت ؟ قلنا ما رأينا شيئا ، قال رأيت الملائكة محرمين يطوفون حول الكعبة ، فقلت لهم من أنتم ؟ قالوا ملائكة ، فقلت كيف حبكم للّه تعالى ؟ فقالوا نحن حبنا جوانى وحبكم برانى ، فقلت يعنون حبنا من داخل وحبكم من خارج ، قال : ودخلت في وقت من الأوقات إلى قبة بيت المقدس بالليل فبت فيها ، فبينما أنا قائم أصلى إذا بالقبة انشقت نصفين ، فبقيت مشقوقة حتى أبصرت السماء ، فنزل منها خلق لا يحصى عددهم إلا اللّه تعالى وهم يقولون : سبحان من هو هو ، سبحان من ليس إلا هو ، أهيا شراهيا فلم يزالوا يقولون هذا ، فلما كان آخر الليل قال لي واحد منهم كان إلى جانبي : ما قصتك ؟ قلت أحببت أن أصلى في هذا الموضع بالليل من أنتم ؟ فقالوا نحن الملائكة ، دخلنا أمس البيت المعمور ولا نعود إليه إلى يوم القيامة ، وذلك أنه يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة لا يعودون إلى يوم القيامة ، فإذا دخلوا في يومهم ساروا في تلك الليلة إلى بيت المقدس وإلى الصخرة ، ثم يمضون إلى بيت اللّه الحرام ، فيطوفون به أسبوعا ( سبعة أشواط ) ويصلون خلف المقام ركعتين ، ثم يمضون إلى المدينة فيسلمون على النبي صلّى اللّه عليه وسلم ثم يرجعون إلى مصافهم ، فلما صعدوا انضمت القبة وأصبح الصبح . وعن بعضهم قال : كنت بجبل النور بالمصيصة ، فدخل رجلي عظم عظيم ، فاجتهدت في نفسي كل الجهد أن أخرجه فلم أقدر على ذلك ، وبقي في رجلي أياما كثيرة حتى ورمت
وانتفخت واسودت وصارت مثل الزق ، فبقيت ملقى تحت شجرة ، فغلبتني عيناي ، فنمت فوجدت رائحة ، ففتحت عيني فإذا بحية سوداء قد وضعت فمها على الموضع الذي فيه العظم وجعلت تمصه وترمى القيح والدم ، فغمضت عيني ، فلم تزل تمص وترمى الدم حتى وصلت إلى العظم ، فحركته وأخرجته ، ثم أحسست بشئ لين مسح على رجلي ، فلا أدرى ذلك لسانها أو ذنبها ، فجلست فإذا أنا بالدم والعظم مطروحين وأنا لا أدرى أي الرجلين كانت تؤلمنى ، وزال ما عندي من الألم ، والحمد للّه على ذلك حمدا كثيرا ، فسبحان اللّه اللطيف الخبير ، الذي هو على كل شئ قدير . ( الحكاية الخامسة عشرة بعد الأربع مئة : عن بعض الصالحين ) قال : وصف لي بباب من الأبواب ثلاثة نفر من البدلاء العشرة ، فقصدتهم وسألت عنهم ، فإذا واحد منهم إمام بالجامع فرأيت عليه ثيابا جميلة وبزة حسنة ، وله عمامة كبيرة يديرها ، واسمه إبراهيم ، واسم الآخرين الحسن والحسين ، فجئت إلى إبراهيم الإمام بين المغرب والعشاء ، فسلمت عليه وقلت له إني قصدتك ، ففرح بي ، فلما صلينا العشاء أخذ بيدي ومضينا إلى منزله ، وإذا قصر عظيم وحاشية كثيرة ، فقدم لنا مائدة كبيرة عليها طعام كثير ، فجلس معنا الحسن والحسين ولم يجلس معنا إبراهيم ، فأكلنا ، وسألتهما عنه فقالا لي إنه لا يأكل إلا اللبن ، فلما كانت وقت النوم فرش له فرش كثيرة ، فنام عليه ، فلم أزل أراقبه ، فلما كان في بعض الليل نزل عن الفراش فصلى ركعتين من غير أن يتوضأ ، فقرأ في الأولى فاتحة الكتاب ، و قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ وفي الأخرى فاتحة الكتاب ، و قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ، فلما سلم قال : لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد يحيى ويميت وهو حي لا يموت ، بيده الخير كله ، وهو على كل شئ قدير ، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطى لما منعت ولا راد لما قضيت ولا ينفع ذا الجد منك الجد . قالها ثلاثا رافعا بها صوته ، ثم صلى ركعتين أخريين ، فقرأ في الأولى منهما الفاتحة ، و قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ، وفي الثانية الفاتحة ، و قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ، فلما سلم قال مثل ما قال من الذكر المذكور ثلاث مرات ، ثم صلى ركعتين أخريين فقرأ في الأولى فاتحة الكتاب ، وآية الكرسي ، وفي الأخرى فاتحة الكتاب ، و قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ثلاث مرات ،
رجع بعد الذكر المذكور إلى فراشه ، فلما كان وقت الفجر قام وأذن وصلى ركعتي الفجر من غير أن يجدد وضوءا ، ثم خرج إلى الصلاة ، فأقمت عندهم شهورا على هذا فلما كان يوم عرفة قال لي اقرأ اليوم سورة الأنبياء وسورة الحج ، وكلما مررت بذكر نبىّ من الأنبياء فصلّ عليه وعلى محمد صلّى اللّه عليه وسلم فإنك إذا فعلت ذلك أعطاك اللّه تعالى ثواب من حجّ إلى بيته الحرام ؛ فلما صلى الضحى جاءني الحسن وأخذ بيدي من المسجد فجئنا إلى الدار ، فإذا القوم تهيئوا للإحرام ، فدفع إلىّ إزارين وقال لي انو الإحرام ، ثم خرجنا من الدار وقد حملوا معهم سطلا صغيرا مملوءا دراهم صحاحا ، فلما جاوزنا المقابر صلينا ركعتين وقال لي انو الحجّ ، فنويت ، ثم لبوا فلبيت معهم ، وسجدوا فسجدت معهم ؛ فلما كان بعد ساعة رفعوا رؤوسهم ورفعت رأسي معهم ، فرأيت جبالا وأرضا لا أعرفها ، ورأيت جمالا وناسا سائرين ، فقال لي إبراهيم هؤلاء قوم خارجون من منى يريدون عرفة ، ثم أخذوا بيدي فسرنا حتى وافينا مسجد عرفات ، فاشتروا ماء فاغتسلنا ، واشتروا تمرا وخبزا ، فقال لي إبراهيم : كل ، فقلت إني صائم ، فقال لا تخالف نبيك محمدا صلّى اللّه عليه وسلم فقد أفطر في مثل هذا اليوم ؛ فلما كان عند غروب الشمس دفعوا إلىّ السطل وفيه الدراهم ، فقال لي إبراهيم خذ هذا فاستعن به على أمرك وعليك بالشام ، قم افترقنا فلم أرهم بعد ذلك ، رضى اللّه تعالى عنهم ونفعنا بهم * قلت : قوله أفطر في مثل هذا اليوم ، يعنى أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أفطر يوم عرفة بعرفة في حجة الوداع ، والسنة للواقفين الإفطار على الصحيح ولغيرهم الصيام ، وصومه يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده ، هكذا في الحديث ، وإنما شرع الفطر للواقفين لأنه أعون على الدعاء والعبادة المشروعة في ذلك اليوم من الأذكار والتلبية وغير ذلك . ( الحكاية السادسة عشرة بعد الأربع مئة عن بعض الشيوخ ) قال بعض الشيوخ : اعتللت علة شديدة أيست من نفسي وأيس منى من رآني ، فبينما أنا في أشد ما كنت ، رأيت في المنام في ليلة جمعة كأن رجلا دخل علىّ فجلس عند رأسي ، ودخل بعده خلق كثير ، وكانوا في وقت الدخول يشبهون الطيور ، فلما جلسوا صاروا في صورة الآدميين ، فلم يزالوا يدخلون وعيني إلى الباب فلما انقطع دخولهم رفع ذلك الرجل رأسه وقال قصدي هذا البلد لعيادة ثلاثة ،
أحدهم هذا وأومأ بيده إلىّ ، والآخر هو صالح الخلقانى بضم الخاء المعجمة وبالقاف وبعد الألف نون ، ثم ياء النسبة ، ولم أكن أعرفه قبل ذلك ، وامرأة لم يسمها ثم وضع يده على جبيني وقال : بسم اللّه ربى اللّه حسبي اللّه توكلت على اللّه اعتصمت باللّه فوضت أمرى إلى اللّه ما شاء اللّه لا قوة إلا باللّه ، ثم قال لي استكثر من قراءة هذا الكلمات ، فإن فيها شفاء من كل سقم ، وفرجا من كل كربة ، ونصرا على كل عدو ، وأوّل من تكلم بهذه الكلمات حملة العرش عليهم الصلاة والسلام حين أمروا بحمله ، ولا يزالون يقولون ذلك إلى يوم القيامة ، فقال له رجل كان جالسا عن يمينه أو قال عن يساره : يا رسول اللّه فإن قالها عند لقاء العدو ؟ فقال بخ بخ ( كلنة تعجب ) فيه فتح ونصر وبشرى ، فظننت أنه أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه ، فقلت يا رسول اللّه هذا الصديق فقال هذا عمى حمزة رضي اللّه عنه ، ثم أومأ بيده إلى من كان عن يساره صلّى اللّه عليه وسلم ، وقال : هؤلاء الشهداء ، ثم أومأ بيده إلى من وراءه وقال : وهؤلاء الصالحون ، ثم خرج فانتبهت وقد خرجت من علتي وبرئت منها ، وأصبحت أصحّ مما كنت ، والحمد للّه ربّ العالمين . ( الحكاية السابعة عشرة بعد الأربع مئة : عن بعضهم ) قال : لقيت بالبصرة رجلا يعرف بالمسكى وذلك لشدة ما كان يوجد منه من ريح المسك حتى إنه إذا دخل المسجد الجامع يعرف أنه قد جاء من شدة الرائحة ، وإذا مرّ في الأسواق كذلك ، فقصدته وبتّ عنده وقلت له يا أخي أنت تحتاج إلى مال كثير في ثمن الطيب ، فقال ما اشتريت طيبا قط ولا تطيبت بطيب قط ، وأنا أحدثك بحديثى لعلنى إذا متّ تترحم علىّ إذا ذكرتني ، كان مولدي ببغداد وكان أبى موسرا يعلمني كما يعلم الناس أولادهم ، وكنت من أحسن الناس وجها وكان بي حياء ، فقيل لأبى لو أجلست ابنك في السوق لينشط ؟ فأجلسنى في دكان بزاز ، وكنت أجلس عنده طرفي النهار ، فلما كان بعض الأيام جاءت عجوز فطلبت منه متاعا مترفعا ، فأخرج لها ما طلبت ، فقالت له وجه معي إنسانا حتى نأخذ ما نحتاج إليه وندفع له الثمن ونردّ الباقي معه ، فقال تنشط وامض معها ، فقلت نعم ، فمضيت معها حتى أدخلتني إلى قصر عظيم فيه قبة وعلى بابه خدم وحجاب ؛ فلما وصلت إلى صحن الدار إذا أنا ببنيان عظيم فيه قبة عليها ستارة ، فقالت لي : ادخل القبة فاجلس فيها ، فدخلت ، فإذا أنا بجارية
على سرير عليه فرش وشى ، وكل ذلك مذهب لم أر أحسن منها ، وعليها من كل الحلىّ ، فنزلت عنه وضربت بيدها في صدري وجذبتنى إليها ، فقلت لها : اللّه اللّه ، قالت لا بأس عليك لك عندي ما تحبّ فقلت لها إني حاقن ، فصاحت بالجواري فإذا بهنّ قد أقبلن ، فقالت لهن قدام مولاكنّ إلى الخلاء ، فلما دخلت الخلاء لم أجد فيه مسلكا أفرّ منه ، فحللت سراويلى وتغوّطت في كفى ومسحت به وجهي ويدي وقلبت عيني ، فدخلت جارية بيدها ماء ومنديل ، فصحت في وجهها كالمجنون فولت هاربة منى وقالت : مجنون ، فجاء الجواري ومعهن بساط فأدرجنى فيه وحملني وطرحنى في بستان ، فلما علمت أنهن مضين ، قمت فغسلت ثيابي ووجهي وسائر بدني ومضيت إلى منزلي ولم أحدث به أحدا ، فرأيت تلك الليلة في منامي رجلا ، فقال لي أين يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل اللّه منك ، أتعرفني ؟ قلت لا ، قال أنا جبريل ، فمسح بيده على وجهي وبدني ، فمن ذلك الوقت صار لبدنى رائحة المسك تفوح على ثيابي ، فهذه الرائحة من يد جبريل عليه السّلام . ( الحكاية الثامنة عشرة بعد الأربع مئة عن بعض الصالحين ) قال بعض الصالحين : كان بعبدان رجل من العباد يعرف بالبدوي ، فسألت عنه فقيل لي توفى ، وقال الحفار لما مات البدوي حفرت قبره ، فلما بلغت إلى اللحد أردت أن أسويه فبينما أنا أسويه إذ سقطت لبنة من لحد قبر ، يليه ، فنظرت في القبر الذي سقطت منه اللبنة فإذا بشيخ جالس في القبر عليه ثياب بيض تتقعقع ، وفي حجره مصحف من ذهب مكتوب بالذهب وهو يقرأ فيه ، فرفع رأسه إلىّ وقال لي أقامت القيامة رحمك اللّه ؟ قلت لا فقال ردّ اللبنة إلى موضعها عافاك اللّه ، فرددتها رضى اللّه تعالى عنه ونفعنا به * وقال بعضهم ركبت في زورق من البصرة أريد الأبلة ومعي ثلاثة نفر يشيعوننى ، فلما سرنا ساعة رفع الملاح المقذاف وجلس ، فقال أصحابي للملاح مالك ؟ فأومأ إليهم أن اسكتوا ، فلم يكن إلا ساعة وقد وصلنا الأبلة ، وكان معه زوارق فوصلت قريبا من العصر ، فحدث أصحاب زورقنا أصحاب الزوارق أننا وصلنا في ساعة ، فمضوا إلى الملاح وسألوه ؟ فقال اسكتوا ، رأيت فارسا أقبل راكبا على دابة لم أر أحسن منه ولا من دابته ، فطرح في صدر الزورق سلسلة من ذهب وكان يسير والزورق يجرى خلفه على الماء ، فخشيت أن أكلمكم فيذهب عنى ما رأيت .
الحكاية التاسعة عشرة بعد الأربع مئة عن بعض المشايخ ) قال بعض المشايخ : خرجت أنا وأبو علىّ البدوي نريد زيارة أخ من إخواننا ، فدخلنا البرّية فأصابنا جوع ، فإذا بثعلب يحفر الأرض ويخرج منها كمأة ويرمى بها إلينا ، فأخذنا منها حاجتنا ، ثم سرنا فإذا نحن بسبع عظيم نائم ، فلما قربنا منه إذا هو ضرير ، فوقفنا عليه نتعجب من أمره ، وإذا بغراب معه قطعة لحم كبيرة فضرب بجناحه على أذن السبع ، ففتح فمه فطرح فيه القطعة اللحم ، فقال لي أبو علىّ هذه الآية لنا ليست للسبع ، فسرنا في تلك البرية أياما ، فإذا بكوخ فيها فقصدناه فإذا فيه عجوز كبيرة ليس عندها شئ ، وعلى باب الكوخ حجر منقور ، فسلمنا عليها وجلسنا عندها فإذا هي مشغولة بعبادة ربها ، فلما غابت الشمس خرجت من الكوخ بعد أن صلت المغرب ومعها رغيفان عليهما بعض من تمر ، فقالت ادخلوا الكوخ فخذوا مالكم فيه ، فدخلنا فإذا نحن بأربعة أرغفة وقطعتين من تمر ، وما في ذلك الموضع نخل ولا تمر ، فأكلنا ، فلما كان بعد ساعة جاءت سحابة فأمطرت على الحجر حتى امتلأ ، ولم يسقط منه خارجا قطرة واحدة ، فقلنا لها كم لك هاهنا ؟ قالت سبعين سنة هكذا حالي مع مولاي في قوتى وشرابى كما ترون ، فقلنا هذا الماء على هذه الحالة ؟ فقالت كل ليلة تجىء هذه السحابة في الصيف والشتاء وهذان الرغيفان والتمر ، ثم قلت أين تريدون ؟ قلنا نريد أبا نصر السمرقندي نزوره ، فقالت رجل صالح أبا نصر ، تعال إلى القوم فإذا أبو نصر قائم عندنا ، فسلم علينا وسلمنا عليه ، ثم قالت إذا أطاع العبد مولاه أطاعه مولاه ، رضى اللّه تعالى عنها وعن الجميع ونفعنا بهم أمين . ( الحكاية العشرون بعد الأربع مئة : عن بعضهم ) قال : خرجت أنا ورجل يقال له محمد العابد من بيت المقدس يوم الجمعة نريد الرملة ، فأشرفنا على العقبة وإذا نحن بصوت يقول : ما أوحش الإنسان إذا لم تكن أنيسه ، وما أضيق الطريق إذا لم تكن دليله ، فأشرفنا فإذا نحن بامرأة عليها جبة من شعر وخمار من صوف وفي يدها عصا ، فسلمنا عليها فردت علينا السلام ، وقالت إلى أين ؟ فقلنا إلى الرملة ، فقالت وما تصنعون فيها ؟ قلنا لنا بها أحباب ، قالت وأين الحبيب الأكبر من قلوبكم ؟ قلنا هو حبيبنا وحبيب المؤمنين ، فقالت هو حبيبكم وحبيب المؤمنين باللسان ، وهو حبيبي بلساني وقلبي ، فقلنا إنا نراك امرأة
حكيمة إلا أنا نرى فيك زلة ، قالت وما هي ؟ قلنا امرأة شابة تسافر بغير محرم ، فقالت ( إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ ) فأخرجت دراهم من كسائى ودفعتها إليها ، فقالت من أين لك هذه ؟ قلت أنا رجل مباحى ، آخذ من الأشياء المباحة ، فقالت نعم كسب الضعيف ، قلت وما ضعفي ؟ قالت ضعف اليقين ، قلنا وما علامة اليقين ؟ فقالت ما تبلغ درجة اليقين حتى تضع المقراض على لحمك الذي ربيته على غير رضاه فتذيبه حتى ينبت لحم آخر يرضاه ، فقلنا لها لكل شئ علامة ودلالة ، فما دلالتك ؟ فضربت بيدها الأرض فأخذت كفّ حصى ، ثم قالت خذ يا ضعيف اليقين ، فأخذها محمد فإذا هي دنانير ، فقالت له خذها فما دخلت في كفة ميزان ولا في كف بني آدم قبلك ثم قالت لي إنما لم أعطك إياها لكونك فررت منها ، ثم قالت أين تريدون ؟ قلنا الرملة ، فقالت هذه الرملة ؟ فإذا نحن بحيطان الرملة ، فدخلناها والناس قد انصرفوا من صلاة الجمعة ، فأخذ محمد الدنانير وبنى بها مسجدا بعسقلان ، وهو معروف إلى يومنا هذا بمسجد المباحى ، رضى اللّه تعالى عنهم ونفعنا بهم آمين . ( الحكاية الحادية والعشرون بعد الأربع مئة عن بعض الصالحين ) قال بعض الصالحين : خرجت من الليل وحدى وأنا عليل وعلىّ حمى شديدة وأصابني عطش ، فلما بلغ بي الجهد عدلت إلى شجرة المقل ، فطرحت نفسي تحتها آيسا من الحياة ، فإذا أنا برجل معه أربعة أرغفة ، بين اثنين منها طائر مشوى ، وبين اثنين خبيص ، وكان عند رأسي ركوة ، فذهب بها إلى البحر فملأها وتركها عندي ، فإذا ماء أبرد من الثلج وأحلى من العسل ، فزالت عنى الحمى وما كنت أجده ، ثم جلس عندي وأخذت آكل ، فقام وقال قد جاءت الرفقة وعلىّ شغل غيرك ، فالتفت فإذا نحو من عشرين جمالا فقمت إليهم وغاب عنى رضى اللّه تعالى عنه ونفعنا به * وقال بعضهم أيضا كنت بمصر وكان بي فاقة فدخلت بعض المساجد ، فإذا أنا بشاب جالس ، فدفع إلىّ صرّة فيها قطع ، وقال لي خذ شعرك واغسل ثيابك ، فجئت إلى حجام فأخذت من شعري فدفعت إليه قطعتين ، فلما صارتا في كفه قبلهما وقال : مرحبا أنا في طلبك منذ ثلاثين سنة ، من أين لك هذه القطع ؟ فإنها ليست من قطع الدنيا ، لها نور عظيم من القدرة ، فحدثته بقصتها ، فأخذ بيدي ومضينا إلى ذلك
المسجد فلم نجد الشاب ، فصار الحجام لي صديقا ، فقال لي يوما سمعت سهل ابن عبد اللّه يقول : علامة الولىّ ثلاث : إذا أراد موضعا يكون فيه من غير حركة وإذا أراد أخا من إخوانه يحمل إليه ، وإذا اشتغل بعبادة أو سبب من الأسباب يجئ ملك يتكلم على شبهه فيحسب الناس أنه ذلك وهو الملك ؛ قال : فلما كان بعد أيام قال لي سهل بن عبد اللّه إذا صليت العصر فتعال حتى تأخذ من شعري وتنقص من دمى ، فلما صليت العصر مضيت معه إلى مسكنه ، فأخذت من شعره ونقصت من دمه وقعدت أنا وهو ، ثم طبخنا له قدرا فلما أذن المغرب قالى : إذا صليت المغرب فتعال حتى تأكل معي ، فلما صليت المغرب جاءني رجل من أصحابه فقال لي أىّ شئ فاتك ؟ قد تكلم علينا سهل من العصر إلى هذا الوقت بكلام لم أسمع مثله قطّ ، فقلت له احتفظوا بما سمعتم فإنه ليس من كلام سهل بل هو من كلام ملك ، فعلمت أن سهلا تكلم بمقامه رضى اللّه تعالى عنه ونفعنا به * قلت : هذا واضح لأن سهلا لم يزل مع هذا الحجام من العصر إلى المغرب ، فلم يبق إلا ما ذكر سهل أن الولىّ إذا اشتغل بعبادة أو سبب من الأسباب يجئ ملك فيتكلم على شبهه على ما تقدم ، وقوله : فعلمت أن سهلا تكلم بمقامه ، يعنى تكلم بشئ هو مقامه . ( الحكاية الثانية والعشرون بعد الأربع مئة عن سهل بن عبد اللّه ) روى عن سهل بن عبد اللّه رضي اللّه عنه قال : كنت بمكة فدخلت الطواف ، فرأيت رجلين أحدهما آخذ بيد الآخر ، فقال أحدهما للآخر قل : يا حىّ يا نور روح سمع آذان قلبي ، أو قال نور روح بصر عيون قلبي ، بحق الفحول عليك يا مروح الأرواح ، فدخلت بينهما وسلمت عليهما وقلت قد سمعت الكلمات وحفظت الألفاظ من أنتما رحمكما اللّه تعالى ؟ فقال أحدهما أنا الخضر وهذا أخي إلياس ، اذهب فلن يضرّك ما فاتك بعد حفظك لهؤلاء الكلمات ، وإياك أن تدعو بها في شئ من أمر الدنيا ، سلام اللّه عليهما ونفعنا بهم أجمعين . وروى أيضا عن أبي جعفر رضي اللّه عنه قال كنت في مركب صاعدا من البصرة إلى بغداد ، وكان معي رجل في المركب لا يأكل ولا يشرب ولا يصلى ، فقلت له أي شئ أنت ؟ فقال هو نصراني ، فقلت له لم لا تأكل ؟ فقال أنا متوكل ، فقلت وأنا أيضا متوكل ، فلأي شئ قعودنا ههنا الساعة يفتح القوم سفرتهم ويدعوننا إلى طعامهم ، قم بنا
نخرج ونمشى في البر ، فقال على شريطة أنا إذا دخلنا بلدا لا تدخل أنت مسجدا ولا أنا كنيسة ، فقلت له لك ذلك ، فلحقنا المساء في قرية ، فقعدنا على مزيلة ، فجاءنا كلب أسود وفي فمه رغيف ، فوضعه قدام النصراني فأكله ولم يلتفت إلىّ ولا عرض علىّ ، ثم سرنا ثلاثة أيام في كل ليلة يأتيه كلب برغيف فيأكله ، فلما كان الليلة الرابعة أمسينا بقرية ، فقمت أصلى المغرب ، فجاء رجل ومعه طبق عليه طعام ودورق فيه ماء ، فسلم علىّ فلما فرغت من الصلاة وضعه قدامي ، فقلت له احمله إلى ذلك الرجل وعدت إلى صلاتي ، فأتاني النصراني ومعه الطبق ، فلما سلمت قال اعرض علىّ دينك فإني أراه خيرا من ديني ، فقلت وكيف علمت ذلك ؟ قال إنه كان يوجه إلىّ برزقي مع كلب مثلي فكنت آكل ما يجئ به إلىّ ، ووجه إليك بإنسان مثلك بعد ثلاث فآثرتنى على نفسك ، فعلمت أن دينك خير من ديني ، ثم أسلم رحمه اللّه تعالى ، والحمد للّه الذي هدانا للإسلام ، وجعلنا من أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلم . ( الحكاية الثالثة والعشرون بعد الأربع مئة عن بعض المشايخ ) حكى عن بعض المشايخ قال : قال لي أبو بكر بن الشق بطرسوس إني سمعت من أبى الخير شيئا ما يقبله قلبي منه ، قلت له وما هو ؟ قال ذكر أنه لقى عيسى ابن مريم عليه السّلام ، فقلت له أنا أحكى لك حكاية تصديقا لقول أبى الخير ، سمعت محمد بن حامد وقد ذكر قول النبي صلّى اللّه عليه وسلم « كيف أخاف على أمة أنا أولهم وعيسى آخرهم » صلوات اللّه وسلامه عليهما ، فقال لي ابن حامد : إن عيسى عليه الصلاة والسلام ينزل ثلاث مرّات ، يظهر في أول مرّة للأولياء ، وفي الثانية للصلحاء ، وفي الثالثة ينزل بيت المقدس ، فيراه الخاص والعامّ ، فقال ابن الشفق فدخل داره وركب دابته وخرج علينا ، فقلنا له أين تريد ؟ فقال إلى أبى الخير استحله ، فقلت له اجلس إلى غد ، قال لا فإني أخاف الموت ، وذلك كان بعد أيام رجع إلى طرسوس فدخلت إليه ، فقال رجعت بأعجب مما مضيت فيه ، وذلك أنى وصلت وقد صلى أبو الخير العصر وهو في محرابه ، فلما صرت بباب المسجد قال يا أبا بكر ارجع فقد جعلناك في حلّ ، رضى اللّه تعالى عنه ونفعنا به وبجميع الصالحين * وحكى أيضا عن عمران السندي رضى اللّه تعالى عنه قال : كنت بمصر في الجامع الفلاني ، فخطر بقلبي
التزوج وقوى عزمي عليه ، فخرج من القبلة ، نور لم أر مثله ، فإذا بيد فيها نعل من ياقوتة حمراء وشراكها من زمرد أخضر مرصعة باللؤلؤ ، وإذا بهاتف يقول هذه نعلها فكيف لو رأيتها ؟ فذهبت من قلبي شهوة النساء * وقال محمد الوراق رحمه اللّه : كان رجل أسود يقال له مبارك يعمل في المباح ، وكنا نقول له ألا تتزوج يا مبارك ؟ فيقول أسأل اللّه أن يزوّجنى من الحور العين ، قال فغزونا ، فأخرج يده من تحت صدره وأشار إلينا بثلاث أصابع يقول ثلاثا . ( الحكاية الرابعة والعشرون بعد الأربع مئة عن بعضهم ) روى عن أبي أحمد الحملاسى رحمه اللّه قال : كانت لي أم صالحة ، فقالت لي يوما وقد عضنا الفقر وسوء الحال : يا بنىّ إلى متى نكون في مثل هذه الشدة ؟ فما كان وقت السحر قلت : اللهمّ إن كان لي في الآخرة شئ فعجل لي منه في الدنيا ، فرأيت نورا في زاوية البيت ، فقمت إليه فرأيت رجل سرير من ذهب مرصع بالجوهر ، فقلت لها خذي هذا وخرجت إلى الجامع أحدّث نفسي إلى من أدفع شيئا منه لأصحاب الجواهر وكيف أعمل ؟ فلما رجعت قالت لي أمي يا بنى اجعلني في حلّ فإني لما خرجت نمت فرأيت كأني دخلت الجنة ، فرأيت قصرا على بابه مكتوب : لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، هذا لأبى أحمد الحلاسى ، فقلت لا بنى ؟ قال لي قائل نعم ، فدخلته ودرت في بيوته فرأيت في بيت منها أسرة وبينها سرير مكسور ، فقلت ما أسمج هدا السرير من بين الأسرة ، فقال لي قائل أنت أخذت رجله ، فقلت ردّوها في موضعها ، فانتبهت وقد غابت ، فالحمد للّه على ذلك ، ورضي اللّه تعالى عنهما . والحلاسى بضم الحاء وكسر السين المهملتين * وروى أيضا عن بعضهم قال : كنت في بلاد الروم ، فصحبنا رجل فرأيناه لا يأكل ولا يشرب فقلت له ما رأيتك تأكل شيئا من القوت منذ أحد عشر يوما ، فقال إذا دنا فراقي منكم حدثتكم حديثي ، فلما دنا الفراق قلت له حدثنا ما وعدتنا ، قال غزونا في أربع مئة فخرج علينا العدو فقتل أصحابي ، فجرحت أنا فكنت بين القتلى ، فلما كان وقت الغروب أحسست برائحة فائحة من قبل الجو ، ففتحت عيني فإذا بجوار عليهن ثياب ما رأيت مثلها ، وفي أيديهن كاسات يصببن في أفواه القتلى ، فغمضت عيني حتى وصلن إلىّ فقالت واحدة منهن اصببن في حلق هذا وعجلن قبل أن تغلق أبواب
السماء فنبقى في الأرض ، فقالت أخرى أسقيه وفيه رمق ؟ فقالت لها الأخرى أسقيه لا بأس عليك يا أختي ، فصبت في حلقي فأنا منذ شربت ذلك الشراب لا أحتاج إلى طعام ولا شراب . ( الحكاية الخامسة والعشرون بعد الأربع مئة : عن بعض الشيوخ ) قال : دخلت بلاد الهند فوصلت إلى مدينة ، فرأيت فيها شجرة تحمل تمرا يشبه اللوز له قشرتان ، فإذا كسرت خرج منها ورقة خضراء مطوية مكتوب عليها بالحمرة : لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كتابة خلقية ، وأهل الهند يتبركون بها ويستسقون بها إذا منعوا الغيث ، ويتضرّعون بها عندها ، فحدثت بهذا الحديث أبا يعقوب الصياد ، فقال لي ما أستعظم هذا ، كنت بالأبلة فاصطدت سمكة مكتوب على أذنها اليمنى : لا إله إلا اللّه ، وعلى اليسرى : محمد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فلما رأيتها قذفت بها إلى الماء رضي اللّه تعالى عنهما * قلت : إنما قذف بها احتراما لها لما عليها من اسم اللّه ورسوله * وعن بعضهم قال : ركبت في البحر وكان إلى جانبي رجل به علة البطن ، فقام بالليل والمركب يسير ، فأخذت بيده ، فلما قعد على العود الذي يجلس عليه للوضوء ضربته موجة فرمت به إلى البحر ، فرجعت والناس كلهم قيام ، ولم يعلم به غيرى ، فلما صليت الفجر وإذا بالرجل إلى جانبي ، فقلت له أليس قد وقعت في البحر ؟ فقال بلى ، فقلت حدثني كيف كانت قصتك بعدى ؟ فقال لما وقعت في الماء لم أبلغ إلى قرار البحر حتى جاءني طائر عظيم ، فأدخل رقبته بين رجلىّ فشالنى من الماء ونظر إلى المركب وقد سار ، فطار بي حتى وضعني على مقدم المركب ووضع منقاره على أذني وقال بلسان عربى : كان ذلك في الكتاب مسطورا . ( الحكاية السادسة والعشرون بعد الأربع مئة : عن بعض أهل الروم ) قال : كان سبب إسلامي أنه غزانا المسلمون ، فكنت أساير جيشهم فوجدت منهم غرة في الساقة ، فأسرت نحو عشرة نفر وحملتهم على البغال بعد أن قيدتهم ، وجعلت مع كل واحد منهم رجلا موكلا به ، فرأيت في بعض الأيام رجلا من الأسرى يصلى ، فقلت للموكل به في ذلك ، فقال لي إنه في كل وقت صلاة يدفع إلىّ دينارا ، فقلت وهل معه شئ ؟ قال لا ولكنه إذا فرغ من صلاته ضرب بيده إلى الأرض ودفع إلىّ ذلك ، قال فلما كان من الغد لبست ثيابا خلقانا وركبت
فرسا دونا ، وسرت مع الموكل به لأتعرف صحة ذلك ، فلما دنا وقت صلاة الظهر أومأ إلىّ أنه يدفع إلىّ دينارا متى تركته يصلى ، فأشرت إليه بأصبعين أنى لا آخذ إلا دينارين فأومأ إلىّ برأسه نعم ، فلما فرغ من صلاته رأيته ضرب بيده الأرض فرفع إلىّ منها دينارين فلما ، كان وقت صلاة العصر أشار كالمرة الأولى فأشرت إليه أنى لا آخذ إلا خمسة دنانير ، فأشار إلىّ بالإجابة ، فلما فرغ من صلاته فعل كفعله الأول ، فدفع إلىّ خمسة دنانير ، فلما صلى فعل كما تقدم ودفع إلىّ عشرة ، فلما نزل وأصبحنا دعوت به وسألته عن خبره وخيرته في رجوعه إلى بلد الإسلام ، فاختار الرجوع ، فأركبته بغلا ودفعت إليه زادا وحملته بنفسي على البغل ، فقال لي أماتك اللّه تعالى على أحب الأديان إليه ، فوقع في قلبي من ذلك الوقت الإسلام فأنفذت معه جماعة من وجوه أصحابي وأوصيتهم بإيصاله إلى أول بلد من بلاد الإسلام ، ثم دفعت إليه دواة وبياضا ، وجعلت بيني وبينه علامة ، يكتب بها إلىّ إذا وصل إلى مأمنه ، وكان بيننا وبين ذلك الموضع مسيرة أربعة أيام ، فلما كان اليوم الخامس رجعوا ، فخشيت أن يكونوا قتلوه ، فسألتهم عنه ، فقالوا لما فارقناك وصلنا معه في ساعة واحدة وأقمنا في رجعونا أربعة أيام . ( الحكاية السابعة والعشرون بعد الأربع مئة عن الشعبي ) روى عن الشعبي ، رضى اللّه تعالى عنه قال : أقبل قوم من اليمن متطوعين بالجهاد في سبيل اللّه تعالى ، فهلك حمار رجل منهم فترحلوا منطلقين ، وأرادوا أن ينطلق معهم وعرضوا عليه دابة فأبى ، ثم قام وتوضأ وصلى ركعتين وقال : اللهمّ إني جئت مجاهدا في سبيلك ابتغاء مرضاتك ، وأشهد أنك تحيى النوتي وتبعث من في القبور وإني أطلب منك أن تبعث لي حماري ، ثم قام إليه فضربه ، فقام الحمار ينفض أذنيه فأسرجه وألجمه وركبه وأجراه حتى لحق أصحابه ، فقالوا له ما شأنك ؟ قال سألت اللّه تعالى أن يبعث لي حماري فبعثه ، قال الشعبي فرأيت ذلك الحمار يباع في الكناسة ، فذهب رجل من جلساء الشعبي إلى محلته فروى هذا عن الشعبي فكذّبوه ، وقالوا يحيى حمارا بعد الموت إنه يكذب على الشعبي ، قم معنا إليه ، فذهب معهم إلى الشعبي ، فقال يا أبا عمرو ألست حدثتني بهذا الحديث ؟ فقال متى كان ذلك ؟ فقال القوم قد علمنا أنه يكذب على أبى عمرو
فلما رجعوا قال له الرجل يا أبا عمرو أليس قد حدثتني به ؟ فقال له الشعبي : ويحك هل تباع الإبل في سوق الدجاج ، رضى اللّه تعالى عنه * قلت أنكر الإمام الشعبي رضي اللّه تعالى عنه على هذا الرجل لكونه حكى كرامة عظيمة لقوم لا تقبلها عقولهم ولا تبلغ إليها أفهامهم ، ومثل رأس ما لهم في العلم برأس مال التجار في الدجاج ، ومثل رأس مال من يعقلها ويقبلها في العلم برأس مال التجار في الإبل ، وهذا تساهل منه في التمثيل بالإبل بل ذلك أعزّ وأرفع وأعلى وأغلى من الجواهر النفاس ، ومثل رأس مال المنكرين أقلّ وأصغر وأدنى وأحقر من فلوس النحاس ، وإلى الفريقين أشار النبىّ المختار بقوله صلّى اللّه عليه وسلم « لا تعطوا الحكمة غير أهلها فتظلموها ، ولا تمنعوها عن أهلها فتظلموهم » . ( الحكاية الثامنة والعشرون بعد الأربع مئة عن الشيخ عبد الواحد بن زيد ) روى عن الشيخ عبد الواحد بن زيد رضي اللّه عنه قال : قصدت بيت المقدس فأضللت الطريق فإذا أنا بامرأة قد أقبلت إلىّ ، فقلت لها يا غريبة أنت ضالة ؟ قالت كيف يكون غريبا من يعرفه ، وكيف يكون ضالا من يحبه ؟ ثم قالت : خذ رأس عصاي وتقدم بين يدىّ ، فأخذت رأس عصاها ومشيت بين يديها سبعة أقدام أو أقل أو أكثر ، فإذا أنا بمسجد بيت المقدس فدلكت عيني وقلت لعل هذا غلط منى ، فقالت يا هذا سيرك سير الزاهدين ، وسير سيرى العارفين ، فالزاهد سيار ، والعارف طيار ، ومتى يلحق السيار الطيار ؟ ثم غابت عنى فلم أرها بعد ذلك رضي اللّه تعالى عنهما ونفعنا بهما بحق سيدنا محمد وآله آمين . ( الحكاية التاسعة والعشرون بعد الأربع مئة : عن إبراهيم بن أدهم رضى اللّه تعالى عنه ) قال : مررت براعى غنم ، فقلت له : هل عندك شربة من ماء أو من لبن ؟ قال نعم أيهما أحب إليك ؛ قلت الماء ، فضرب بعصاه حجرا صلدا لا صدع فيه ، فانفجر من الماء ، قال فشربت منه فإذا هو أبرد من الثلج وأحلى من العسل ، فبقيت متعجبا ، فقال الراعي لا تتعجب فإن العبد إذا أطاع مولاه أطاعه كل شئ ، رضى اللّه تعالى عنهما ونفعنا بهما وبجميع الصالحين * وروى أيضا عن حسن البصري رضي اللّه عنه قال : خرج سلمان الفارسي رضي اللّه تعالى عنه من المدائن ومعه ضيف ، فإذا بظباء تسير في الصحراء وطيور تطير في الهواء ، فقال سلمان ليأتنى ظبي وطير منكن سمينان فقد جاءني ضيف
وأحب إكرامه ، فجاء كلاهما ، فقال الرجل : سبحان اللّه أو قد سخر لك هذا الطير في الهواء ؟ فقال سلمان رضي اللّه تعالى عنه أفتعجب من هذا ، هل رأيت عبدا أطاع اللّه فعصاه شئ ؟ رضى اللّه تعالى عنه ونفعنا به . ( الحكاية الثلاثون بعد الأربع مئة عن بعضهم ) قال عبد الواحد بن زيد رضى اللّه تعالى عنه : سافرت أنا وأيوب السختياني رضي اللّه تعالى عنهما قال : فبينما نحن نسير في بعض طريق الشام إذا نحن بأسود قد أقبل يحمل كارة حطب ، فقلت له يا أسود من ربك ؟ فقال لمثلى تقول هذا ، ثم رفع رأسه إلى السماء وقال : إلهي حوّل هذا الحطب ذهبا فإذا هو ذهب ، ثم قال أرأيتم هذا ؟ قلنا نعم ، فقال اللهمّ رده حطبا ، فصار حطبا كما كان أوّلا ، ثم قال سلوا العارفين فإن عجائبهم لا تفنى . قال أيوب فبقيت متحيرا خجلا من العبد الأسود ، واستحييت منه حياء ما استحييت مثله قبل ذلك من أحد قط ، ثم قلت : أمعك شئ من الطعام ، فأشار بيده فإذا بين أيدينا جام فيه عسل أشدّ بياضا من الثلج ، وأطيب ريحا من المسك ، وقال : كلوا فو الذي لا إله غيره ليس هذا من بطن نحل ، فأكلنا فما رأينا شيئا أحلى منه ، فتعجبنا ، فقال ليس بعارف من تعجب من الآيات ، فمن تعجب منها فاعلم أنه بعيد من اللّه ، ومن عبد اللّه على رؤية الآيات فإنه جاهل باللّه ، رضى اللّه تعالى عنه وعن جميع الأولياء والصالحين ونفعنا بهم آمين . ( الحكاية الحادية والثلاثون بعد الأربع مئة : عن الواسطي رضي اللّه عنه ) قال : بينما أنا أسير في البادية فإذا أنا بأعرابى جالس منفرد ، فدنوت منه وسلمت عليه فردّ علىّ السلام فأردت أن أكلمه ، فقال اشتغل بذكر اللّه فإن ذكره شفاء القلوب ، ثم قال : كيف يفتر ابن آدم عن ذكره وخدمته والموت في أثره واللّه ناظر إليه ؟ ثم بكى وبكيت معه ، فقلت له مالي أراك وحيدا ؟ قال : ما أنا بوحيد واللّه معي ، وما أنا بفريد ، وهو أنيسى ، ثم قام ومضى عنى مسرعا وقال : يا سيدي أكثر خلقك مشغول عنك بغيرك وأنت عوض عن جميع ما فات يا صاحب كلّ غريب ، ويا مؤنس كل وحيد ، ويا مؤوى كل فريد ، وجعل يمشى وأنا أتبعه ، ثم أقبل إلىّ وقال : ارجع عافاك اللّه إلى من هو خير لك منى ، ولا تشغلنى عمن هو خير لي منك ، ثم غاب عن بصرى ، رضى اللّه تعالى عنهما ونفعنا بهما آمين .
الحكاية الثانية والثلاثون بعد الأربع مئة : عن عبد الواحد بن زيد رضي اللّه عنه ) قال : مررت براهب فسألته منذ كم أنت في هذا الموضع ؟ قال منذ أربع وعشرين سنة ، قلت من أنيسك ؟ قال الفرد الصمد ، قلت : ومن المخلوقين ؟ قال الوحش ، قلت فما طعامك ؟ قال ذكر اللّه ، قلت : ومن المأكولات ، قال ثمار هذه الأشجار ونبات الأرض ، قلت أفلا تشتاق إلى أحد ؟ قال نعم ، إلى حبيب قلوب العارفين ؟ قلت : ومن المخلوقين ؟ قال من كان شوقه إلى اللّه سبحانه وتعالى كيف يشتاق إلى غيره ؟ قلت فلم اعتزلت عن الخلق ؟ قال لأنهم سراق العقول وقطاع الطريق ، طريق الهدى ، قلت ومتى يعرف العبد طريق الهدى ؟ قال إذا هرب إلى ربه من كل شئ سواه ، واشتغل بذكره عما سواه . ( الحكاية الثالثة والثلاثون بعد الأربع مئة عن ذي النون المصري ) قال ذو النون المصري رضي اللّه عنه : بينما أنا أسير في بعض المفاوز إذا أنا برجل متزر بحشيش فسلمت عليه فردّ علىّ السلام ، ثم قال من أين الفتى ؟ قلت من مصر ، قال إلى أين ؟ قلت أطلب الأنس بالمولى ، قال اترك الدنيا والعقبى يصلح لك الطلب ، وتصلح إلى الأنس بالمولى ، قلت هذا الكلام صحيح بيّنه لي ، قال أتّهم فيما أعطينا ، ولقد أعطينا خيرا مما تقول ، وهو المعرفة ؟ قلت ما اتهمتك ولكي أريد أن تزيدني نورا على نور ، فقال يا ذا النون انظر فوقك ، فنظرت فإذا السماء والأرض كأنهما ذهب يتوقد ويتلألأ ثم قال اغضض بصرك فغضضت ، فإذا هما قد صارتا كما كانتا فقلت كيف السبيل إلى هذا ؟ قال تفرد للفرد إن كنت له عبدا رضي اللّه تعالى عنهما ونفعنا بهما * قلت : هذا الذي أراه ليس هو عين المعرفة المذكورة ، لكنه دليل على المعرفة ، لأن الكرامة تدل على الاستقامة عندهم ، والاستقامة لا تكون إلا للعارفين باللّه سبحانه ، وقوله : إن كنت له عبد ، هكذا هو بسكون الدال من غير ألف بعدها مراعاة للسجع . ( الحكاية الرابعة والثلاثون بعد الأربع مئة عن محمد المقدسي ) روى عن محمد المقدسي رحمه اللّه تعالى قال : دخلت يوما دار المجانين بالشام ، فرأيت فيها شابا على رقبته غلّ وفي رجليه قيد مشدود بسلسلة ، فلما وقع بصره علىّ قال يا محمد أترى ما فعل بي ؟ ثم قال جعلتك رسولا إليه ، قل له لو جعلت السماوات غلا على عنقي والأرضين قيدا على رجلي لم ألتفت منك إلى سواك
طرفة عين ، ثم أنشأ يقول : على بعدك لا يصير من عادته القرب * ولا يقوى على قطعك من تيمه الحب وحبك في قلبي وفي كبدي إذا * لم ترك العين فقد أبصرك القلب رضى اللّه تعالى عنه ونفعنا به وبجميع الصالحين * وقال ذو النون المصري رضى اللّه تعالى عنه : رأيت أسود يطوف حول البيت وهو يقول : أنت أنت ولا يديد على ذلك ، فقلت يا عبد اللّه أي شئ عنيت به ؟ فأنشأ يقول : بين المحبين سرّ ليس يفشيه * خط ولا قر عنه فيحكيه نار يقابلها أنس بمازجه * نور يخبره عن بعض ما فيه شوقى إليه ولا أبغى به بدلا * هذى سرائر كتمان تناجيه * وقال بعض العارفين : مساكين أهل الغفلة يشتغلون بكثرة الأعمال ويعظمونها ويفتخرون بها ، وأما أهل المعرفة فلو عملوا عمل أهل السماوات والأرض من الأزل إلى الأبد لكان ذلك أصغر في أعينهم في جنب عظمة اللّه تعالى من خردلة بين السماء والأرض . ( الحكاية الخامسة والثلاثون بعد الأربع مئة : عن أبي سعيد الخراز رضى اللّه تعالى عنه ) قال : كنت في البادية فنالنى جوع شديد ، فطالبتنى نفسي بأن أسأل اللّه طعاما ، فقلت ما هذا من فعل المتوكلين أهل الهمم ، فطالبتنى نفسي بأن أسأل اللّه سبحانه تعالى اصطبارا ، فلما هممت بذلك سمعت هاتفا يقول : ويزعم أنه منا قريب * وإنا لا نضيع من أتانا فهم أبو سعيد سؤل صبر * كأنا لا نراه ولا يرانا * قيل : رؤية القلب بمشاهدة الإيقان وإن غاب عن العينين العيان ، وفي هذا المعنى قلت نائبا عن لسان الحال : يا غائبا غاب وهو في قلبي أشاهده * ما غاب من لم يزل القلب مشهودا إن فات عينىّ من رؤياك حظهما * فالقلب قد نال حظا منك محمودا
إن كنت لست معي فالذكر منك معي * يراك قلبي وإن غيبت عن بصرى وإنما قلت هذين البيتين لأنى رأيت بعض المصنفين قد استشهد ببيت لا يصلح وهو هذا : فهذا لا يجوز في حق اللّه تعالى لوجهين : أحدهما قوله لست معي ، والثاني قوله غيبت عن بصرى ، بضم الغين المعجمة وكسر الياء المثناة من تحت وتشديدها ، ولا يصح أيضا في حقّ المخلوق ، فإن قلبه لا يراه لعدم النور الحاصل للعارفين باللّه ، بل قلب مثل هذا أشدّ ظلمة من سائر الجهال ، وإنما ذلك للعارفين كما قال القائل : قلوب العارفين لها عيون وكذلك لا يحسن قوله : فالذكر منك معي ، وإنما يحسن هذا الذكر من الخالق عزّ وجلّ كما قال سبحانه ( وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وقال تعالى ( فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ) وقال تعالى ( في الحديث القدسي ) : أنا جليس من ذكرني ، وأشباه ذلك من القول الكريم الذي يكسو العبد خلع عوالي الشرف ، ويسكنه من الجنان قصور أعالي الغرف ، اللهم أحي قلوبنا بغيث رحمتك ونوّرها بنور معرفتك وزينها بذكرك وشكرك وحسن عبادتك ، فإنك الملك المنان الكريم ، ذو الفضل العظيم ، والمسلمين آمين : ولئن سلمنا أن مثل هذا قد يقال في حق المخلوق مجازا مع ما فيه من التعسف ، فلا يحسن أيضا أن يستشهد به في باب المعرفة باللّه سبحانه وتعالى والمشاهدة لجمال جلاله تعالى بأنوار القلوب المسقاة كؤوس الوصل من راح المحبة على بساط القرب في حضرة القدس حين طاب وقت المنادمة والأنس ، وللّه در القائل : قلوب العارفين لها عيون * ترى ما لا يراه الناظرونا وألسنة بسرّ قد تناجى * يغيب عن الكرام الكاتبينا وأجنحة تطير بغير ريش * فتأوى عند ربّ العالمينا وترعى في رياض القدس طورا * وتشرب من بحار العارفينا عبادا قاصدوا بالسرّ حتى * دنوا منه وصاروا صابرينا
وللّه در القائل الآخر : للعارفين قلوب يعرفون بها * نور الإله بسرّ السرّ في الحجب صمّ عن الخلق عمى عن مناظرهم * بكم عن النطق في دعواه بالكذب ( الحكاية السادسة والثلاثون بعد الأربع مئة عن ذي النون المصري ) قال ذو النون رضى اللّه تعالى عنه : وصف لي رجل من العرب ، وذكر لي من لطائف شأنه وحسن كلامه في إشارات أهل المعرفة ، فارتحلت إليه حتى بلغت مكانه ، فوقفت عنده أربعين صباحا فلم أجد وقتا أقتبس من علمه لكثرة شغله بربه ، فلما كان بعض الأيام نظر إلىّ وقال من أين الرجل ؟ فأجبته ، فقال لأىّ شئ جئتني قلت لأقتبس من علمك ما يرشدنى إلى ربى ، فقال اتق اللّه واستعن به وتوكل عليه ، فإنه ولىّ حميد ثم سكت ، فقلت زدني يرحمك اللّه تعالى فإني رجل غريب جئتك من بلد بعيد أريد أن أسألك أشياء اختلجت في ضميري ، فقال أمتعلم أنت أم عالم أم مناظر ؟ فقلت بل متعلم محتاج ، قال قف في درجة المتعلمين واحفظ أدب السؤال ، فإنك إن تعديت وتركت الحرمة أفسد ذلك عليك نفع العلم ، فإن العقلاء من العلماء والعارفين من الأصفياء سلكوا طريق الصدق والوفاء ، وقاموا على قدم القرب والصفاء ، وقطعوا أودية الحزن والبلاء ، فذهبوا بخير الدارين ولذائذهما ، فقلت يرحمك اللّه متى يبلغ العبد ما وصفت ؟ فقال إذا صار خارجا عن الأسباب والأنساب وقطع قلبه من كل علاقة ، فقلت ومتى يكون العبد كذلك ؟ قال إذا خرج من جميع الحول والقوة وليس له شئ يملكه ولا حال يعرفه ، رضى اللّه تعالى عنهما ونفع بهما . ( الحكاية السابعة والثلاثون بعد الأربع مئة عن ذي النون المصري ) قال ذو النون أيضا رضى اللّه تعالى عنه : بينما أنا في بعض سياحتى إذا أنا بشيخ على وجهه سيما العارفين ، فقلت له يرحمك اللّه كيف الطريق إلى اللّه ؟ فقال لو عرفت اللّه لعرفت الطريق إليه ، ثم قال يا هذا دع الخلاف والاختلاف ، قلت : وما تجديد التوحيد ؟ قلت يا هذا يرحمك اللّه أليس خلاف العلماء رحمة من اللّه ؟ قلت نعم إلا في تجريد التوحيد ؟ قال فقدان رؤية ما سواه لوجدانه ، قلت وهل يكون العارف مسرورا ؟ فقال وهل يكون العارف محزونا ؟ قلت أليس
من عرف اللّه طال همه ، قال بل من عرف اللّه زال همه ، فلت وهل تغير الدنيا قلوب العارفين ؟ قال وهل تغير العقبى قلوب العارفين حتى تغيرها الدنيا ؟ قلت أليس من عرف اللّه صار مستوحشا ؟ قال ولك يكون مهاجرا متجرّدا ، قلت وهل يتأسف العارف على شئ غير اللّه ؟ قال وهل يعرف العارف غير اللّه فيتأسف عليه ؟ قلت وهل يشتاق العارف إلى ربه ؟ قال وهل يكون العارف غائبا عنه طرفة عين حتى يشتاق إليه ؟ قلت ما اسم اللّه الأعظم ؟ قال أن تقول اللّه وأنت تهابه ، قلت فأنا كثيرا ما أقول ولا تداخلني الهيبة ، قال لأنك تقول اللّه من حيث أنت لا من حيث هو ، قلت عظني ، قال حسبك من الموعظة علمك بأنه يراك ، فقمت من عنده ، فقلت ما تأمرني به ، قال اطلاعه عليك في جميع أحوالك ، لا تنسه ، رضى اللّه تعالى عنهما ونفعنا بهما وبجميع الصالحين . ( الحكاية الثامنة والثلاثون بعد الأربع مئة عن الشيخ أبى العباس الحرار ) عن الشيخ أبى العباس الحرار بالحاء المهملة والراء المكررة رضي اللّه عنه ، قال : دخلنا على الشيخ أبى أحمد الأندلسي ونحن جميعا من المريدين قصدنا زيارته ، فرأينا حوله خلقا عظيما ونقباء ، كل نقيب تحت يده جمع كثير ، فنظر الشيخ إلينا ثم قال : إذا جاء الصغير إلى المعلم ولوحه ممحوّ كتب له المعلم ، وإذ جاء ولوحه مملوء أين يكتب له المعلم ؟ ثم قال بالذي جاء يرجع ، ثم نظر إلينا نظرة أخرى فقال ؛ من شرب من مياه مختلفة دخل مزاجه التغير ، ومن اقتصر على ماء واحد سلم مزاجه من التغير * قال أبو العباس : ورأيت من أصحاب الشيخ أبى حامد أربعة مئة شاب في داره ، كلهم في سن خمس عشرة سنة أو نحوها ، وكلهم مكاشفون ، فلما كان بعض الأيام بعث الشيخ خادمه إلىّ ، فمشيت معه إليه ، فوجدت عنده جماعة وهو يتكلم ، فلما جلست أخذت وشهدت الشيخ قائما على رأسي ومعه قدوم وهو يهدم فىّ وأنا أشهد أعضائي تتفرّق على الأرض إلى أن وصل إلى كعبى ولم يبق فىّ شئ إلا شمله الهدم ثم أخذ يبنينى بناء جديدا من كعبى صاعدا إلى أن بلغ دماغى ثم قال لي قد استغنيت فسافر إلى بلدك ؛ فلما جزت من بين يدي الشيخ انكشف لي العالم العلوي كشفا بحيث لا ينحجب عنى شئ منه ، رضى اللّه تعالى عنهما * قلت قوله : أخذت هو بضم الهمزة وكسر الخاء وسكون الذال المعجمة وضم التاء المثناة من فوق ،
ومعناه غبت عن نفسي وعن هذا العالم ، وكشف لي شئ من عالم الملكوت . ( الحكاية التاسعة والثلاثون بعد الأربع مئة عن أبي العباس الحرار ) قال أبو العباس الحرّار أيضا : كان الشيخ أبو يوسف يوما يحضر ميعاد الشيخ أبى عبد اللّه القرشي رضى اللّه تعالى عنه وعن الجميع ، قال فبعثني الشيخ أبو يوسف يوما إلى القرشي أسأله هل يعمل في ذلك اليوم ميعادا أم لا ؟ فمضيت إليه فلما وصلت الساحة التي فيها باب داره وقفت مترددا هائبا ، وإذا بطاقة فتحت وجارية أخرجت رأسها من الطاقة وقالت : يا أحمد قال لك الشيخ قل لأبى يوسف نحن ما نعمل اليوم ميعادا فشكرت اللّه تعالى كما عاملنى الشيخ بهذه الحالة من غير إقدام على سؤاله فلما وصلت إلى أبى يوسف قعد ، وكان مضطجعا وقال : لم وقفت بساحة الباب حتى قالت لك الجارية ما قالت ؟ قلت يا سيدي أنا أهابه ، فقال إذا كنت وحدك هبه ، وإذا كنت بي أقدم ، فقيل للشيخ أبى العباس المذكور أيهما أعلى كشفا في هذه القضية ؟ قال القرشي لأن أبا يوسف أرسلني إليه وخاطره معي يدرك ما يجرى لي ، والقرشي كالمرآة يدرك كل ما يتوجه إليه ، رضى اللّه تعالى عنهم ونفعنا بهم . ( الحكاية الأربعون بعد الأربع مئة عن أبي العباس الحرار ) قال أبو العباس الحرّار أيضا رضى اللّه تعالى عنه وردت من السياحة على الشيخ أبى العباس المرينى ، بفتح الميم وكسر الراء وسكون الياء المثناة من تحت وكسر النون وياء النسبة ، وكان رجلا كبيرا ، فلما جلست إليه سأله سائل ، فقال له يا سيدي أيما أفضل العقل أم الروح ؟ فشاهدت الشيخ قد أسرى بروحه وأسرى بروحى معه إلى أن دخلنا السماء الدنيا ، فاشتغلت برؤية أملاكها وأنوارها وغاب الشيخ عنى ، فطلبت مستقرّا أستقرّ فيه فلم أجده فنزلت ووقفت ونظرت إلى الشيخ ، فإذا هو مستغرق في غيبته ثم بعد لحظة حضر فقال للسائل : أسرى بالنبي صلّى اللّه عليه وسلم صحبة جبريل عليه السّلام فانتهى معه جبريل إلى حده ووقف ، وقال : يا محمد ما منا إلا له مقام معلوم منذ خلقت ما تعديت ههنا فتقدم النبىّ صلّى اللّه عليه وسلم إلى مقامه الذي اتصل به ، فكان جبريل عليه السّلام روحا وكان محمد صلّى اللّه عليه وسلم حينئذ عقلا أخذ العلم من معدنه ، ولم يأخذه من تقليد ولا معقول وكذلك عادة شيوخ هذه الطائفة أرباب المعارف والعلوم اللدنية رضى اللّه تعالى عنهم ونفعنا بهم أجمعين .
الحكاية الحادية والأربعون بعد الأربع مئة عن أبي العباس أيضا ) قال أبو العباس أيضا رضي اللّه عنه : كنت في وقت تجريدى بمصر أتردد إلى مسجد كان قبالة مصنع الفخارين بطريق القرافة أبيت فيه ، فكنت أخرج في الليل أمشى في الجبانة ، فكشف اللّه لي أحوال أهل القبور المنعمين والمعذّبين باختلاف أحوالهم ، فما رأيت أحسن من الجهة التي تلى قبل الفتح * قال المؤلف : وفي هذا المكان المذكور دفن الشيخ المذكور بإشارته ، وزرت قبره هناك * وقال الشيخ أبو العباس أيضا رضي اللّه عنه : مرضت مرة في بلدي أشبيلية ، فكنت مضطجعا على ظهري وإذا أنا أنظر طيورا كبارا ملوّنة بالأخضر والأبيض والأحمر ترفع أجنحتها رفعة واحدة وتضعها وضعا واحدا ، وأشخاصا على أيديهم أطباق مغطاة فيها تحف ، فوقع لي أنها تحفة الموت ، فاستقبلتها وتشهدت ، فقال لي واحد منهم أنت ما جاء وقتك هذه تحفة مؤمن غيرك قد جاء وقته ولم أزل أنظر إليهم إلى أن غابوا عنى ، رضى اللّه تعالى عنهم * وحكى أن داود العجمي رضى اللّه عنه لما مات حمل إلى قبره ، فإذا هو مفروش بالريحان ، فأخذ الذي دفنه سبعة من أغصان الريحان ، فكان الناس ينظرون إليها تعجبا سبعين يوما لم تتغير عن حالها حتى أخذها الأمير من الرجل ففقدت ، فلا يدرى أين ذهبت * وقال بعضهم : رأيت مسكينة الطفارية بعد موتها في المنام وكانت تحبّ مجالس الذكر ، فقلت مرحبا يا مسكينة ، فقالت هيهات هيهات ذهبت المسكنة وجاء الغنى ، قلت هنيئا لك ، قالت وما تسأل عمن أبيحت له الجنة بحذافيرها ؟ قلت بماذا قالت بمجالس الذكر رضى اللّه تعالى عنهما ونفعنا بها آمين . وقال أبو العباس الحرّار رضي اللّه عنه كنت في بعض السياحات أحتاج إلى الاستنجاء بالأحجار ، فأخذت مرة حجرا لأستنجى به ، فقال لي سألتك باللّه لا تستجمر بي ، فتركته وأخذت غيره ، فقال لي كذلك ، فتذكرت ما رتبه الشارع صلّى اللّه عليه وسلم في ذلك ، فأخذت الحجر وقلت له أمرني اللّه تبارك وتعالى أن أتطهر بك وهو خير لك * وقال رضى اللّه تعالى عنه : تركت أخي بمكة ورجعت إلى مصر ، ثم جاءني بعد ذلك وسلم علىّ ففرحت بقدومه وقال لي : يا أخي أنا جائع ، فقلت له يا أخي ما أملك شيئا ولا أتكلف شيئا ولا أسأل أحدا شيئا ، فما تم كلامي حتى دخل من الشباك البيت عصفور كبير وألقى في حجري قيراطا كبيرا فأخذته واشتريت له به شيئا ، فأكله رضي اللّه عنه .
الحكاية الثانية والأربعون بعد الأربع مئة عن الشيخ صفى الدين بن أبي المنصور ) قال الشيخ صفىّ الدين بن أبي المنصور تلميذ الشيخ أبى العباس المذكور رضى اللّه تعالى عنهما : كانت لأستاذى أبى العباس ابنة تطلعت نفوس أصحابه ومحبيه إلى التزوج بها ، فاطلع الشيخ على ما في نفوسهم ، فقال لهم هذه البنت التي لي لا يخطر لأحد تزويجها ، فإنها ساعة ولدت أطلعنى الحقّ سبحانه وتعالى على زوجها من هو وأنا أنتظره ، قال الشيخ صفى الدين وكنت حينئذ وراء الفرات مع والدي في وزارة الملك الأشرف ، فلما جئنا إلى مصر بعث الملك العادل والدي رسولا إلى مكة عند أبي عزيز ليعين الملك المسعود ابن الملك الكامل إلى اليمن ، فجئت أنا حينئذ إلى الشيخ أبى العباس الحرّار وصحبته وكنت وأنا صغير إذا ذكر عندي الشيوخ والأولياء تلوح لي صورته ، فلما صحبته غيرت هيئتى وكانت هيئة جميلة ، لي الثياب المذهبة والبغلة الحسنة وغير ذلك ، وهجرت الأهل ولزمت الشيخ إلى أن قدم والدي من مكة في حشكلة عظيمة ، وخرج من مصر للقائه خلق كثير بجميع الاهتمام والخيام ، فقال لي الشيخ اخرج للقاء والدك ، فقلت يا سيدي ما بقي لي والد غيرك وأنا لا أركب لهم شيئا من دوابهم ، ولا آكل معهم ، قال تخرج على كلّ حال ، فخرجت على دويبة في هيئة رثة وأهلي يبكون على حالي ، فلما لقيت والدي في بركة الحاج سلمت عليه وحدى ، فلم يعرفني هو ولا من حوله ، وكان معه عسكر أجناد ومماليك وخدام ، فلما عرفني بعد ذلك وقف واصفرّ وجهه وبهت بهتة أسأل اللّه أن يثيبه عليها ، ثم مشوا وبقوا متعحبين وإذا بأهلي وإخوتي ، وكل من خرج من الطوائف وصلوا واجتمعوا وأنا في ناحية وحدى ، ولما نزل البكة قدمت إليه التقاديم ، وجمع على سماطه كل من جاء صحبته وكل من خرج لأجله إلا أنا لم أحضر معهم ، وانفردت وحدى أبكى بكاء شديدا ، بكاء أسير قد أخذ من أهله وحيل بينه وبين أحبته ، وفي آخر الحال هددني بالقيد والحبس إن لم أعد لما كنت عليه معه ، فأخبرت الشيخ فطردنى وقال روح إلى أبيك ولا تعد إلىّ فبكيت زمانا ، وكنت أنشد ما قاله مجنون ليلى : جننا بليلى ثم جنت بغيرنا * وأخرى بنا مجنونة لا نريدها وأطلعنى اللّه على سرّ مقصود الشيخ أنه أحالنى على صدقي ليكون
بريئا من الحظ والقصد في أمرى ، فانشرحت لذلك من جهة الشيخ ، ومضيت إلى دار والدي ، وحبست نفسي في خزانة ، وآليت أن لا آكل ولا أشرب ولا أنام ولا أخرج إلا إن أراد الشيخ ، فسأل عنى والدي فأخبروه بطرد الشيخ لي ، وما صممت عليه ، فقال إذا اشتدّ به الجوع والعطش يحتاج يأكل ويشرب ، فأقمت إلى ثالث يوم على ذلك الحال ، فاستيقظ والدي من النوم وقال قولوا له يذهب إلى الشيخ ويفعل بنفسه ما يختار ، فقلت لا أروح حتى يروح والدي إلى الشيخ ويسأله قبولى ، وقصدت بذلك إعزاز الشيخ فقال : نعم فاستدعى به وخرج ماشيا من بيته إلى مسجد الشيخ وأنا معه فقبل يد الشيخ وقال : يا سيدي هذا ولدك تصرّف فيه كيف شئت ، وأود لو كنت مكانه ، فقال له الشيخ أرجو أن ينفعك اللّه به ، فسلمني إلى الشيخ ومضى أعظم اللّه أجره وجزاه عنى خيرا ، فأقمت بعد ذلك شهرا ما رأيته وأنا أحمل كل يوم على كتفي جرّتين ماء إلى زاوية الشيخ حافيا والناس يخبرونه بذلك ، فيقول تركته للّه تعالى ، أسأل اللّه ألا يضيع له أجر ذلك ، وأن يجازيه بما هو أهله ، ثم بعد وفاة الوالد رأيت في النوم كأن الشيخ قال لي : يا صفى الدين قد زوجتك ابنتي ، فلما استيقظت بقيت متحيرا لا يمكنني من الحياء أن أخبره ، وإن لم أخبره تكون خيانة بكونى أخفى عليه شيئا رأيته ، فالتفت إلىّ ، وقال رأيت كذا وكذا ، فقال يا بنىّ هذا كان من الأزل أو كما قال ، فزوّجنى إياها وكانت من أولياء اللّه تعالى ، على وجهها نور لا يخفى على أحد ممن يراها أنها ولية للّه تعالى ، وأنها من أهل الجنة ، ورزقت منها أولادا فقهاء فقراء ، وعشنا في بركتها بعد موت أبيها زمانا كثيرا ، وكانت كثيرة المكاشفات أخبرت بوقت موتها قبله بسنة ، وأخبرت قريب موتها بعجائب ووقائع تقع بعد موتها ، فوقعت فكانت تقول في نزعها لنفسها ( يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً ) وتكرر ذلك إلى أن خرجت روحها ، رضى اللّه تعالى عنها . ( الحكاية الثالثة والأربعون بعد الأربع مئة عن الشيخ صفى الدين المذكور ) قال الشيخ صفىّ الدين المذكور رضي اللّه عنه في رسالته : وممن رأيت بدمشق الشيخ على الكردي رضي اللّه عنه ، كان ظاهر الوله ، وكان يتحكم في أهل دمشق تحكم المالك ، ولما دخلت دمشق كنت في حشكلة من الغلمان واللباس والأهل وأنا ابن ثلاث
عشرة سنة فقعدت في الجامع من باب جبرون إلى أن جاءني عند مقصورة الإمام الغزالي رضي اللّه عنه ، فمدّ يده إلىّ مملوءتين تفاحا ، فقال خذ ، ففزعت منه وتأخرت إلى خلفي ، فرماني بالتفاح واحدة واحدة ومضى ، ثم جاءني عقب ذلك الشيخ أبو القاسم الصقلى وكان معتبرا ، ومعه الشيخ نجم الدين خال والدتي وكان مدرسا بدمشق ، فأخبرناهما بذلك فتعجبا منه عجبا كثيرا وقالا : يا بنىّ أبشر فسيكون لك شأن هذا الرجل قطب الشام ، يقال له على الكردي أتاك بالضيافة ، وعزيز أن يعمل مثل هذا مع أحد ، فقمت ومشيت إليه وسلمت عليه عند باب جبرون وقبلت يده ، فبش في وجهي وضحك إلىّ فسألت عنه سيدي الشيخ عتيقا ، فقال يا بنىّ هو إمام فنه في وقته * ومما اتفق للشيخ المذكور من الكرامات أنه قال في بعض الأوقات لرجل من أعيان دمشق يقال له بدر الدين : اعمل في دارك للفقراء سماعا ، وأطعمهم شيئا ، فقال له السمع والطاعة ، فرتب الرجل طعاما لأولاد الفقراء المعروفين بالجامع وغيره ، فهم مجتمعون وإذا بالشيخ علىّ قد جاء إلى الدار ، فرأى في صفة منها قوالب سكر ، فقال لصاحب الدار : ارمها كلها في البركة ، قال : كلها ؟ قال نعم ، ثم رمى الجميع في البركة ، فصار الفقراء يشربون الجلاب ويسمعون إلى آخر النهار ثم أكلوا وانصرفوا ، ثم قال الشيخ علىّ لصاحب الدار أخرج القوالب ، فأخرجها فوجدها كلها صحاحا لم يذهب من السكر شئ ، ثم قال لصاحب الدار اخرج وأغلق الباب على الدار واقفلها ولا تأتني إلا بعد ثلاثة أيام ، ففعل ذلك وتركه في الدار وحده ، فلما كان اليوم الثاني لقيه في الطريق ، فسلم عليه ثم ذهب إلى داره فوجدها مغلقة على حالها ففتحها ودخل ، فوجد أكثر الرخام مقلوعا ، فخرج إلى الشيخ علىّ وقال يا سيدي لم قلعت رخام الدار ؟ قال يا بدر الدين تكون رجلا جيدا وتضيف الفقراء على رخام حرام ، قال يا سيدي هذه الدار إرثى عن أبي وجدى ، فتغيظ الشيخ عليه وخلا ، ففكر في فعل الشيخ وعلمه بمكاشفاته ، فتذكر أنها كانت قد قلع رخامها وأصلح فأرسل إلى الصناع الذين رخموها وقال لهم عرفوني ما صنعتم في ترخيم الدار ، قالوا له فيه عيب عملنا شيئا في غير موضعه ، فقال لا بد أن تقولوا لي أمرها وأمنهم على نفوسهم ، فقالوا رخامك بعناه ورخمناها بشئ من رخام الجامع * وقال الشيخ صفى الدين أيضا رضي اللّه عنه في رسالته : لما جاء الشيخ الأجلّ شهاب الدين السهروردي
رضي اللّه عنه إلى دمشق في رسالة الخليفة إلى الملك العادل بالخلعة والطوق وغير ذلك ، قال لأصحابه : أريد أن أزور عليا الكردي ، فقال له الناس : يا مولانا ، لا تفعل أنت إمام الوجود ، وهذا رجل لا يصلى ويمشى مكشوف العورة أكثر أوقاته ، فقال لابد لي من ذلك . قال وكان الشيخ علىّ الكردي مقيما أكثر أوقاته في الجامع ، حتى دخل عليه موله آخر يقال له ياقوت ، فساعة دخوله من الباب خرج الشيخ علىّ من دمشق وسكن جبانتها بالباب الصغير ، وما دخلها بعد ذلك إلى أن مات ، وياقوت فيها يتحكم ، فقالوا للشيخ شهاب الدين هو في الجبانة ، فركب بغلته ومشى في خدمته من يعرفه موضعه ؛ فلما وصل إلى قريب مكانه ترجل وأقبل يمشى إليه ، فلما رآه علىّ الكردي قد قرب منه كشف عورته ، فقال الشيخ شهاب الدين ما هذا الشئ يصدنا عنك وها نحن ضيفانك ، ثم دنا منه وسلم عليه وجلس معه وإذا بحمالين قد جاءوا ومعهم مأكول معتبر ، فقيل لهم من تريدون ؟ قالوا : الشيخ عليا الكردىّ ، فقال لهم ضعوه قدام ضيفي . وقال للشيخ شهاب الدين : بسم اللّه هذه ضيافتك فأكل الشيخ ، وكان يعظم الشيخ عليا الكردي رضى اللّه تعالى عنهم أجمعين ونفعنا بهم * قلت : وهذا الوله المذكور عن الشيخ علىّ الكردي موجود في كثير من الأولياء مشهور ، وقد زاد على كثير منهم حتى نسبوا إلى الجنون وهم المعروفون في الكتب بعقلاء المجانين ، وكثير منهم قيدوا وحبسوا ، وقد ذكرت جماعة منهم في هذا الكتاب يحسب الناس أنهم مجانين وهم العقلاء والأولياء ، ولكن محبة اللّه ومعرفته وعظيم ما شاهدوا من عظمته وجلاله وكماله حيرهم وهيمهم وشجاهم ؟ وتيمهم ، كما قدمت من إنشاد بعضهم : حيرتهم محبة اللّه حتى * حسب الناس أن فيهم جنونا هم ألبا ذوو عقول ولكن * قد شجاهم جميع ما يعرفونا وقول تحفة رضى اللّه تعالى عنها : معشر الناس ما جننت ولكن * أنا سكرانة وقلبي صاح أنا مفتونة بحب حبيب * لست أبغى عن بابه من براح منهم من غلب عليه السكر براح محبة الجمال المشهود ، فهام في حبه
وغاب عن الوجود ، ومنهم آخرون أيضا يحبون ولكن تستروا بالجنون كما قدمت أيضا من إنشاد بعضهم حيث يقول : وموّهت دهري بالجنون على الورى * لأكتم ما بي من هواء فما انكتم فلما رأيت الشوق والجذب قاتلي * هجرت طعامي والشراب ولم أنم فإن قيل مجنون فقد جنّ في الهوى * وإن قيل مسقام فما بي من سقم وكذلك قلت في معنى ذلك : سقى اللّه قوما من شراب وداده * فهاموا به ما بين باد وحاضر يظنهم الجهال جنوا وما بهم * جنون سوى حبّ على القوم ظاهر قلت هذه مع أبيات أخرى ، وقد قدمت ذلك الكتاب . ومنهم آخرون يجمعون في التستر بين الوله والتجريد ، يوهمون الناس أنهم لا يصلون ولا يصومون ويكشفون عوارتهم حتى يساء الظن بهم ولا ينسبون إلى الصلاح ، وهم يصلون ويصومون في الباطن فيما بينهم وبين اللّه تعالى ، وقد شوهد كثير منهم يصلون في الخلوات ولا يصلون بين الناس ، وسيأتي الكلام في أهل التجريد في آخر الكتاب في فصل الجواب ، وهناك يوضح حكمهم وبيان من يعتقد ومن لا يعتقد ، ومن جملة المجردين الشيخ ريحان كان في عدن ، وأظنه حبشيا معتقا كان يصدر معه في الظاهر شئ مما ينكره ظاهر الشرع ، وله كرامات مشهورات ، وها أنا أحكى عنه الآن بعض الحكايات . ( الحكاية الرابعة والأربعون بعد الأربع مئة عن المؤلف ) قال المؤلف كان اللّه له : أخبرني بعض الأخيار أنه كان بعض الناس في ساحل بحر عدن ، فأغلق باب البلد دونه فلم يقدر أن يدخل ، فبات في الساحل ولم يكن له عشاء ، فرأى الشيخ ريحان في الساحل ، فأتى إليه وقال : يا سيدي أغلقوا الباب دونى وما معي عشاء وأنا أشتهي منك أن تطعمنى هريسة ، فقال الشيخ ريحان انظروا إلى هذا يطلب منى العشاء وما يريد أيضا إلا هريسة كأني أنا مهرسا أصنع الهريسة ، فقال له يا سيدي لا بد أن تطعمنى ذلك ، قال فلم أشعر إلا والهريسة حاضرة حارّة في الحال ، فقلت يا سيدي بقي السمن ، فقال انظروا
هذا الفاعل التارك وما يرضى بأكل الهريسة أيضا إلا بالسمن فأنا كنت سمانا أبيع السمن ، فقلت يا سيدي ما آكلها إلا بسمن ، فقال اذهب بهذه الركوة إلى البحر وائتني بماء أتوضأ قال : فذهبت إلى البحر فغرفت منه في الركوة وجئت به ، فأخذ منى الركوة ، فصبّ منها سمنا على الهريسة ، فأكلت من ذلك ولم أذق مثله قط رضى اللّه تعالى عنه ، ونفعنا به وبجميع الصالحين وأعاد علينا من بركاتهم * وأخبرني أيضا بعض المباركين قال : أرسلنا شيخنا نشترى له تمرا من سوق عدن ، فلم نجد في السوق شيئا منه ، فرجعنا إليه بغير شئ ، فلقينا الشيخ ريحان في الطريق فقال انظروا هؤلاء الرسل الملاح أرسلهم شيخهم في شهوة اشتهاها فرجعوا لغير شئ ، اذهبوا إلى بيت فلان في المكان الفلاني تجدوا حاجة الشيخ عنده ، فال فذهبنا إلى ذلك الشخص في الموضع الذي سماه ، فوجدنا عنده التمر ، فاشترينا منه للشيخ وجئناه به وأخبرناه بما قال لنا الشيخ ريحان فضحك وقال أشتهي أن أرى هذا الشيخ ريحان ، فلم نشعر إلا بالشيخ ريحان قد دخل عليه المسجد الذي هو فيه فخلا به وتحدثا ساعة ، فلما خرج الشيخ ريحان تعجب الشيخ مما رأى منه وأثنى عليه وعظمه * وقلت : هذا الشيخ المذكور هو شيخ شيوخنا الذي في عدن وهو الشيخ الكبير العارف باللّه تعالى الفقيه الإمام ذو المناقب العديدة والسيرة الحميدة والكرامات الكبيرة والمحاسن الشهيرة أبو محمد عبد اللّه بن أبي بكر المدفون في مورع ، رضى اللّه تعالى عنه ونفعنا به والمسلمين ببركته ، صحب الشيخ الجليل الإمام الحفيل ذا المجد الأثيل والحظ الجزيل العارف باللّه المشهور المشكور عظيم الكرامات رفيع المقامات أبا الذبيح إسماعيل بن محمد الحضرمي اليمنى رضى اللّه تعالى عنه ونفعنا به والمسلمين ببركاته وبركة سلفه ، وقرأ عليه ونال منه منالا فاخرا وحظا وافرا زاده اللّه من كل خير آمين وجميع المسلمين * قال المؤلف كان اللّه له : وأخبرني أيضا بعضهم قال : أخبرني إنسان ثقة قال : خرجت في شهر رمضان المبارك أشترى لأهلى شيئا من السوق بين العشاءين ، فلقيني الشيخ ريحان رضى اللّه تعالى عنه ، فجرّنى وارتفع بي في الهواء ارتفاعا كبيرا ، فبكيت وقلت له ردني ، فردّنى إلى الأرض وقال أردت أن أفرجك فأبيت * قلت : لعله أراد بهذه الفرجة أن يطلعه على
عجائب ملكوت السماوات * قلت : وأخبرني بعض الصالحين أيضا قال قلت للشيخ ريحان خاطرك معي ، فقال لي ما دام هذا الرأس صحيحا لا تخف وأشار إلى رأسه ، قال فحسبت أنه يعنى ما دمت حيا ، ولم يظهر لي مراده إلا بعد موته وذلك أنه سقط بعد ذلك بمدة طويلة في أصل جبل فانكسر رأسه ومات ، رضى اللّه تعالى عنه ونفعنا به * قال الشيخ صفى الدين رضى اللّه تعالى عنه : رأيت بجيزة مصر امرأة مولهة أقامت فوق ثلاثين سنة قائمة على رجليها في مكان من الأرض بين الحلفاء ما جلست ليلا ولا نهارا لا شتاء ولا صيفا ، ولا يسترها شئ من الشمس والمطر ، تأوى الحيات والثعابين حولها ، وكان أمرها عجيبا ، رضى اللّه تعالى عنها ونفعنا بها وبجميع الصالحين . ( الحكاية الخامسة والأربعون بعد الأربع مئة ) قال المؤلف كان اللّه له : أخبرني بعض الصالحين قال : زرت بعض الأولياء الصالحين وصحبني إنسان ، فلما وصلنا إليه وسلمنا عليه ، أتانا بطعام في جفنة كبيرة ، وكان للمكان الذي نحن فيه بابان باب كبير ، وباب صغير ، فدخل علينا بالجفنة من الباب الصغير ، فلم يسع الباب دخول الجفنة ، فصاح صيحة عظيمة ، فرأينا الجفنة قد انضمّ بعضها إلى بعض مثل الثوب إذا عطفت بعضه على بعض ثم دخل ووضعها بين أيدينا ، فرأيناها تنفتح وتتسع حتى عادت إلى حالها الأول ، وإنما جاءنا من الباب الصغير وفعل هذا حتى نرى هذه الكرامة منه ، لأن رفيقي كان ينكر عليه ، فاستغفر اللّه وتاب رضي اللّه عنه ونفعنا به ، وأخبرني بعضهم أنه اجتمع بجماعة من الصالحين في اليمن وأن واحدا منهم غرف شيئا من الهواء بكفه ووضعه في فمه ، فإذا هو عسل رضي اللّه عنه . ( الحكاية السادسة والأربعون بعد الأربع مئة عن المؤلف ) قال المؤلف رضي اللّه عنه : بلغني أن الشيخ الكبير العارف باللّه تعالى سفيان اليمنى رضي اللّه عنه دخل عدن في وقت ، فقيل له : ههنا يهودي ولاه السلطان على بعض الجهات الكبار المناصب عندهم ، فحصل له منزلة عالية ومنصب كبير ، فصار المسلمون يمشون تحت ركابه ، وإذا جلس يقومون على رأسه ، فمشى الشيخ سفيان إليه وهو يومئذ في الرياضة ، والتجرّد في زىّ فقير ، فوجده جالسا على كرسي والمسلمون تحته على الأرض قائمون في خدمته ؛ فلما وصل إليه قال له : قل
أشهد أن لا إله إلا اللّه ، وأشهد أن محمدا رسول اللّه ، فصاح اليهودي واستغاث بجنده عليه ، فلم يقدروا أن يفعلوا شيئا ، ثم أعاد عليه الشهاد ثانية وثالثة ، وهو في كلّ ذلك يصرخ بالجند ، فلا يقدرون على شئ ، ثم بعد المرّة الثالثة أخذ الشيخ بجمة اليهودي ، أو قال بذؤابته بيده اليسرى ، وأخذ سكينا صغيرة كانت معه بيده اليمنى وقال : بسم اللّه واللّه أكبر ، وتقرّب بذبحه إلى اللّه تعالى ثم رجع إلى مكانه ، كان يقعد في الجامع ، فبلغ الخبر إلى الأمير ، فلم يصدّق واستبعد ذلك لكون المقتول من خدام السلطان ومن خاصته ، ولا سيما والقاتل ذكروا أنه مسكين ، ثم تواتر الخبر عنه إلى الأمير ، فقال لغلمانه أئتونى به ، فذهبوا إلى الجامع فلم يقدروا أن يصلوا إليه ، فرجعوا إلى الأمير ، فركب في عسكره حتى بلغ الجامع ، فلم يقدر أحد منهم أن يدخل الجامع ، فضلا عن أن يمدّ يده إليه بسوء ، فعرف الأمير أنه محمىّ من قبل اللّه عزّ وجلّ ، فرجع وخاف على نفسه الشدّة من قبل السلطان ، لكون البلد في دركه ، فاستشار أهل العقل والرأي ماذا يفعل ؟ فقال له بعض الأولياء هؤلاء ما لهم إلا بعضهم بعضا ، وفي لحج رجل من الأولياء يقال له العايدى ، فأرسل إليه ليأتيك ، وأشك إليه الحال ، فأرسل إليه فجاء وشكا إليه ولزمه ، قال له أشتهي أن لا يخرج القاتل من البلد حتى أعرّف السلطان ويأتيني بالجواب ، فقال له نعم إن شاء اللّه تعالى ، ثم خرج العايدى من عنده وجاء إلى الشيخ سفيان رضى اللّه تعالى عنه ، وكان بينهما صحبة وودّ ، فشكره العايدى على ما فعله وقال : قلعت حجرا من طريق المسلمين ، ثم قال له اخرج بنا نتمشى ، فخرجا يمشيان حتى بلغا باب الحبس ، فقال العايدى للحباس : دونك الرجل قيده واحبسه ، فمدّ سفيان رجليه للقيد وقال السمع والطاعة ، فقيد وبقي في الحبس مدة أيام إن شاء ترك القيد في رجليه وإن شاء فتحه ورمى به ؛ فلما كان يوم الجمعة وحضرت وقت الصلاة حلّ القيد وذهب إلى الجامع ، فوجده قد امتلأ بالناس ، فدخل حتى وصل إلى قرب من الأمير ، ثم نظر إلى الناس وقال أصلى على هؤلاء الموتى أربع تكبيرات اللّه أكبر ، ثم خرج ورجع إلى الحبس وأقام فيه مدّة أيام حتى جاء جواب السلطان وهو يقول : أطلقوه فنحن نطلب السلامة منه ، فقد كان قبل هذا ادّعى أن البلاد بلاده ، وأن الملك له دوننا ، ثم خرج من الحبس ولم
يكن للسلطان ولا للشيطان عليه سلطان ، وقد كان جرى له مع السلطان قصة ، فدخل على السلطان يوما فقال له اخرج من بلادي ، وكان ذلك في أبين ، بالباء الموحدة ثم الياء المثناة من تحت بلد بينها وبين عدن نحو مرحلتين ، فخرج السلطان منها خائفا * وهذا هو الملك الذي أشرت إليه في خطبة الكتاب بقولي : ملوك على التحقيق ليس لغيرهم * من الملك إلا اسمه وعقابه ولحج بالحاء المهملة ثم الجيم : على نحو مرحلة من عدن ، والعايدى : بالعين المهملة وبعد الألف ياء مثناة من تحت ثم دال مهملة ، رضى اللّه تعالى عنهم ونفعنها بهم . ( الحكاية السابعة والأربعون بعد الأربع مئة عن المؤلف ) قال المؤلف كان اللّه له : بلغني أيضا أنه تخاصم خادم الشيخ أبى الغيث المشهور رضى اللّه تعالى عنه ونفعنا به والمسلمين ببركته هو وغلام السلطان ، فضرب خادم الشيخ غلام السلطان ، فبلغ ذلك السلطان ، فأم بخادم الشيخ أبى الغيث فقتل ، فبلغ الشيخ أبا الغيث ، فأطرق رأسه ساعة ثم قال مالي وللحراسة ، أنا أنزل من المشباب وأترك الزرع ، فقتل السلطان في ذلك الوقت ، فجاء ولده الملك المظفر رحمه اللّه إلى الشيخ المذكور رضي اللّه عنه مستغفرا ، ونعله على رأسه ، أو قال في عنقه ، فقال له الشيخ ما تريد ؟ قال الملك ، فقال أنا قد وليتك * قلت : المشباب المذكور بالميم المكسورة ثم الشين المعجمة ثم الباء الموحدة مكرّرة قبل الألف وبعدها ، يعنى به مكانا عاليا من خشب منصوبة فوقها عريش يجلس عليه حارس الزرع * وكذلك بلغني أن بعض أئمة الأشراف استولى على بعض جبال اليمن ، ثم أراد النزول إلى تهامة ، فكتب الشيخ أبو الغيث المذكور المشكور المقدم المشهور رضي اللّه عنه إلى الولىّ الكبير الفقيه العالم ذي المناقب والمفاخر والكرامات الظواهر محمد بن إسماعيل الحضرمي رضى اللّه تعالى عنه يقول له : قد عزمت على النقلة من بلاد اليمن من أجل ظهور الفتن ، فهل لك أن توافقنى على ذلك ؟ فكتب إليه الفقيه محمد كتابا يذكر فيه كثرة أهله وقرابته ، وأن النقلة بهم تشقّ عليه ، ولا يمكنه أن ينتقل ويتركهم ، ثم قال ولكن عليك أن تحمى جهتك ، وأنا أحمى جهتي ؛ فلما بلغ الشيخ أبا الغيث قوله هذا ، قال نعم ، فقتل الإمام المذكور أو مات في الحال ، رضى اللّه تعالى عنهما ونفعنا بهم .
الحكاية الثامنة والأربعون بعد الأربع مئة عن المؤلف ) قال المؤلف رضى اللّه عنه وكان اللّه له : سمعت من غير واحد من الصالحين ومن الثقات يروون عن الشيخ أبى الغيث رضى اللّه تعالى عنه أنه قال : أتى الشيخ والفقيه السيدان الكبيران ، العارفان المشهوران المقدمان صاحبا عواجة إلى شيخى السيد الجليل الولىّ العارف باللّه الشيخ علىّ المعروف بالأهدل رضى اللّه تعالى عن الجميع ، ونفعنا والمسلمين ببركتهم وطلبا منه أن يذهب معهما إلى بعض المواضع ، قال فوافقهما وذهبت أنا معهم ؛ فلما كان بعض الليل إذا أنا أنظر الشيخ والفقيه في الهواء ، فوقفا وفي يديهما سيفان مسلولان ، وأنا والشيخ علىّ رضى اللّه تعالى عنه في الأرض ونحن سائرون ، فذكرت ما رأيت منهما للشيخ علىّ ، فقال لي يا أبا الغيث هذا في مقام التولية والعزل يوليان ويعزلان بإذن اللّه تعالى وسوف أرثهما أنا ، وترثني أنت ، رضى اللّه تعالى عنهم ، ونفعنا بهم * قلت : يعنى أنه فوّض إليهما في التصرّف في المملكة بعد أن وفقا لموافقة مراد الحقّ عزّ وجلّ . وقد بلغني أنهما سمعا خطابا من قبل الحقّ عزّ وجلّ وهو يقول لهما : إذا أردتما أن تفعلا شيئا فافعلا ولا تسألاني ، فإني أكره أن أرى ذلّ السؤال في وجوهكما ، رضى اللّه تعالى عنهما ونفعنا بهما . ( الحكاية التاسعة والأربعون بعد الأربع مئة عن المؤلف ) قال المؤلف كان اللّه له : أخبرني بعض الصالحين قال : منذ عشرين سنة لا تزال الدنيا تأتيني في صورة عجوز كبيرة وقبيحة المنظر لا أستطيع أن أنظر إليها ، تحمل لي طعاما وشرابا لم أذق مثله قط ، ولا أقدر أصف طعمه وريحه ولا الإناء الذي هو فيه حسنا ولونا وجنسا ، قال وأذوق في كل ذلك طعم كلّ شئ طيب من الحلواء والعسل واللحم واللبن وغير ذلك وليس هو هو ، قال وتأتيني السباع من الأسود والنمور وغيرها وتجلس إلى جانبي في البرية ، وكل سبع يأتيني يوافقني في الجلوس والاضطجاع ، إن جلست جلس وإن اضطجعت اضطجع ، ويفترس الغزلان ويأتي بها ويأكلها عندي ، وإن رأى طارقا يطرقني ضرب بيده على الأرض حتى أنتبه ، قال واجتمع في بعض الأوقات بكثير من الأولياء الإنس والجنّ ، وينزل علينا في كل ليلة بعد صلاة العشاء مائدة عظيمة عليها طعام لا يقدر على وصفه الواصفون ، فيه طعم كلّ شئ طيب ، فنجتمع وقد نبلغ في
بعض الأوقات نحو أربع مئة رجل ولا ينقص أكلنا منها شيئا ، قال وينزل علىّ في أوقات الفاقة مائدة من الهواء ، فإن التفتّ إليها رجعت عنى ، وإن اشتغلت بعبادتي ولم ألتفت إليها لم تزل تنزل حتى تقع بين يدىّ فآكل منها حاجتي ، قال وأول ما نزلت علىّ في بدايتى ليلة السابع من انقطاعى إلى اللّه عزّ وجلّ بعد أن اشتدّ بي الجوع ، وكان أشد ما لقيت ليلة الخامس ، ثم هان بعد ذلك ونزل معها نور عظيم يملأ الوجود ، قال وكانت الشياطين تأتيني وتفزعنى بأهوال عظيمة ، ويأتيني سلطانهم في عساكر كثيرة في السلاح والعدد ، وتضرب الطبول في موكبه وتمرّ بين يدىّ العساكر وعليهم اللباس المليح ، قال وكذلك مرّ بين يدىّ في بعض الأوقات شئ عظيم يهول الناظر ، له سبعون رأسا ، وذكر أشياء كثيرة من العجائب العظيمة والكرامات الكريمة ، رضى اللّه تعالى عنه ونفعنا به والمسلمين آمين . ( الحكاية الخمسون بعد الأربع مئة عن بعض المشايخ ) روى أن بعض المشايخ خطب امرأة ، فأبى أهلها أن يزوّجوه إلا بجارية تخدمها ، فلم يقدر على شراء الجارية ، فذكر ذلك لصاحب له ، فقال له صاحبه أنا أكون عوض الجارية التي تخدم ، فاذهب إليهم وقل لهم عندي جارية للخدمة ، ولكنها قالت تخدم في مكان تقعد فيه وحدها لا تراكم ولا ترونها ، فذهب إليهم وقال لهم كذلك ، فقالوا نعم إذا قامت بالخدمة التي نطلب فلا حاجة لنا في رؤيتها فزوّجوه ، ثم أتى بصاحبه وتركه في مكان وحده وكان أسود ليس له لحية ، فقعد يطحن لهم وعلى وجهه برقع المرأة تحسب أنه جارية ، وكان الشيخ يخرج من عند زوجته بالليل يتعبد ، فذكرت المرأة ذلك الخروج للنساء ، فقلن لها عسى يذهب إلى الجارية ، فلما خرج في تلك الليلة خرجت بعده لتنظر هل هو عند الجارية ، فوجدت الجارية تصلى والرحا تدور بنفسها ، فتعجبت من ذلك ولم تجد الشيخ هناك ، فرجعت وسكتت حتى جاء الشيخ فذكرت له ذلك ، وقالت رأيت الجارية تصلى والرحا تدور بنفسها ، فقال ما هي جارية ذاك أخي فلان ، فقالت أنا أستغفر اللّه وأنا الجارية التي تخدمكما رضى اللّه تعالى عنهما ونفعنا بهما آمين . ( الحكاية الحادية والخمسون بعد الأربع مئة عن أبي عبد اللّه القرشي ) قال الشيخ الكبير قدوة الشيوخ العارفين وبركة أهل زمانه من العالمين أبو عبد اللّه
القرشي رضى اللّه تعالى عنه ونفعنا به : لما جاء الغلاء الكبير إلى ديار مصر توجهت لأدعو ، فقيل لا تدع فما يسمع لأحد منكم في هذا الأمر دعاء ، فسافرت إلى الشام ، فلما وصلت إلى قريب ضريح الخليل عليه الصلاة والسلام تلقاني الخليل صلّى اللّه عليه وسلم ، فقلت له يا خليل اللّه ، اجعل ضيافتى عندك الدعاء لأهل مصر ، فدعا لهم ففرّج اللّه عنهم * قلت وقوله : تلقاني الخليل عليه الصلاة والسلام قول حقّ لا ينكره إلا جاهل بمعرفة ما يرد عليهم من الأحوال التي يشاهدون فيها ملكوت السماوات والأرض ، وينظرون الأنبياء أحياء غير أموات ، كما نظر النبىّ صلّى اللّه عليه وسلم موسى عليه السّلام يصلى في الأرض . ونظر أيضا جماعة من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في السماوات وسمع منهم مخاطابات ، وقد تقدم أنه يجوز للأولياء رضى اللّه تعالى عنهم من الكرامات ما يجوز للأنبياء عليهم الصلاة والسلام من المعجزات بشرط عدم التحدي . ( الحكاية الثانية والخمسون بعد الأربع مئة عن بعضهم ) روى أيضا أنه لما وصل الشيخ أبو عبد اللّه القرشي رضي اللّه عنه إلى القدس ، كان معه الفقيه أبو الطاهر المحلى ، فمرّ الفقيه أبو الطاهر المذكور يوما على مدرسة بالقدس والفقهاء جالسون على بابها بأعظم هيئة ولباس وزىّ وأكثرهم أعجام ، فاستحيا أن يمرّ عليهم لحقارته في نفسه وهو شاب فقير أسود ، ورثّ الحالة ، فلما رجع إلى الشيخ وبات معه إلى الصبح ، قال له الشيخ امض إلى المدرسة التي مررت عليها ، كن بها معيدا ، قال فتعجبت وعظم ذلك علىّ واستحلت وقوعه ولم يمكنني إلا الامتثال ، فجئت إليها وأنا أتوهم أن البواب يمنعني من الدخول ، فلم يمنعني ، فدخلت ووجدت المدرّس جالسا وحلقة كبيرة دائرية عليه ، فأردت أن أدخل في الحلقة فلم يفسح لي منهم احتقارا واستهانة بي ، فجلست خلفهم وإذا برجل دخل من باب المدرسة ، فلما رآه المدرس عبس وجهه وقام إليه يتلقاه ، وانقبضت الجماعة بأسرهم ، فقلت للذي أنا وراء ظهره : يا أخي ما للجماعة ؟ قال هذا الذي دخل جدلىّ خلافي لا يطاق ، وإذا جاء لا يبقى للشيخ معه كلام إلا ملاطفته ، ولا يستطيع أحد مجاراته ، فلما تلقاه الشيخ أجلسه في مكانه ، فلما قعد استفتح وألقى مسئلة خلافية عقدت ، فلما استكمل إيرادها فتح على حفظ سؤاله والجواب عنه ، فزاحمت ودخلت بين اثنين وانطلق
لساني ونصيت سؤاله وما غيرت منه شيئا ، وهذا ترتيب المناظرين إعادة السؤال ، ثم أجبته بما فتح اللّه تعالى علىّ ولم أكن قرأت علم الخلاف ولا ناظرت ، فتعجب المدرّس منى وبهت الجماعة من أمرى واستعظموا ذلك ، وقال المناظر للمدرّس هذا الفقيه من أين لكم ؟ قال ما رأيناه إلا هذه الساعة ، فقال المناظر لمثل هذا تبنى المدارس ، ففرح المدرس حيث كان في حلقته من أجاب هذا المناظر ، ثم قال المدرّس لي ما اسمك ؟ فذكرت له اسمى ، فقال قد وليتك الإعادة ، ثم قام فقمت معه ، وقامت الجماعة معي ، فقال لي يا فقيه ، عادتنا إذا استعدنا معيدا نشيعه حال توليته إلى منزله ؛ فلما خرجنا من المدرسة قصد أن يمشى هو والجماعة معي ، فسألته أن يخلى عنى ذلك فقبل ورجع ، فلما جئت إلى الشيخ قال لي : يا فضولي ولأي شئ منعته أن يفعل عادته ويوصلك إلى منزلك ؟ قلت له يا سيدي حملا عن خاطرك ، وبقيت بها إلى أن توفى الشيخ ، فدفن بظاهر بيت المقدس رضى اللّه تعالى عنه ونفعنا به آمين . ( الحكاية الثالثة والخمسون بعد الأربع مئة عن بعضهم ) روى أن الشيخ أبا عبد اللّه القرشي رضي اللّه عنه كان يوما جالسا في ميعاده بمصر . وكان الشيخ أبو العباس القسطلاني رضي اللّه عنه هو الذي يقرأ المواعيد بين يديه ، فحضر ميعاد الشيخ أبو العباس الطنجي ، ففتح القارئ المذكور الكتاب وسكت ، فقال له الشيخ القرشي مالك لا تقرأ ؟ قال يا سيدي الكتاب أبيض ما فيه شئ مكتوب ، فقال الشيخ القرشي من ههنا ؟ فقالوا أبو العباس الطنجي ، فقال الشيخ القرشي له : يا أبا العباس معي تفعل هذا ؟ ثم قال للقارئ اقرأ ، فوجد الكتاب مكتوبا ، فقرأ على عادته ، وكان أبو العباس القسطلاني المذكور ، وقد ترك زينة الدنيا وأقبل على خدمة الشيخ القرشي بنفسه ، وكان زاهد مصر في وقته ، وكان كثير الرياضات ، وكانت إقامته في آخر عمره بمكة المشرّفة ، وبها مات ، وقبره معروف ، وكان قد حصل قحط في وقته بمدينة النبىّ صلّى اللّه عليه وسلم لانقطاع المطر ، وكان هناك يومئذ ، فعزم الناس على الاستقساء ، وتقرّر الحال على أن يستسقى أهل المدينة يوما ، والغرباء يوما ، والمجاورون يوما ، فاستسقى أهل المدينة فلم يمطروا ، فعمل أبو العباس المذكور طعاما كثيرا وأطعم الفقراء وأهل الضرورات واستقسى فمطروا ، رضى اللّه تعالى عنه ونفعنا به .
الحكاية الرابعة والخمسون بعد الأربع مئة عن الشيخ صفى الدين ) روى الشيخ صفىّ الدين رضي اللّه عنه في رسالته أنه قال : كان الشيخ أبو عبد اللّه محمد الأزهري العجمي رضي اللّه تعالى عنه كثير السياحات ، صاحب آيات عظيمات وحكايات تضيق عنها العقول ، قال تلميذه الكبير أبو الحسن بن الدقاق رضي اللّه عنه : أدخلني الشيخ محمد العجمي على ثلاث مئة وستين عالما غير عالم السماوات والأرض ، قال ووصل بي إلى جبل قاف ، وأراني الحية الدائرة بالجبل ورأسها على ذنبها وهي خضراء ؛ قال وكان الشيخ إذا مشى بي إلى أمر خارق أوطى الأرض أبقى معه غائبا عن حسى المعهود ، فخرج يوما من دمشق وأنا بصحبته إلى أن وصلنا طبرية ، ووقفنا على قبر سليمان عليه الصلاة والسلام ، فقلت : يا سيدي هذا قبر سليمان عليه الصلاة والسلام ، قال هكذا يقال ، ثم مشى وأنا خلفه محمول إلى أن أشرفنا على بناء مهول ، وإذا نحن بأقوام تلقوا الشيخ وسلموا عليه ، وتبرّكوا بقدومه ، ثم مشوا قدامه ، فوجدت منهم وحشة ، فالتفت الشيخ إلىّ وقال يا علىّ احفظ نفسك واشتغل بي ولا تشتغل بمن تراه ، فهؤلاء جانّ ونحن قادمون على قبر سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام ؛ فلما وصلنا إلى البنيان تلقته طائفة أخرى وأدخلوه البناء ، وهو صورة قصر عظيم والشيخ يمشى وأنا خلفه ، وإذا في صدر المكان رجل قائم عليه هيبة عظيمة ونور عظيم ، وفي يده عصا ، فقال الشيخ لي هذا سليمان ، ثم تقدّم وقبل يده ، وفي إحدى أصابعه الخاتم ، ثم تأخر ، فأخذه جماعة من الجنّ خدّام سليمان عليه الصلاة والسلام ، وذهبوا به إلى موضع ، وقدّموا ضيافته طعاما ، فأكل الشيخ وأكلت معه ، ثم ذهبوا به يفرّجونه على ذخائر سليمان عليه الصلاة والسلام ؛ فأنوا به إلى البساط ، فوقف عليه ، فجاءت ريح ففرشته ، حتى رآه ، ثم جاءوا به على عرش بلقيس ، فرآه إلى أن استكمل ذخائر سليمان عليه الصلاة والسلام ، ثم مرّ على مغارة منذ زمن نبىّ اللّه سليمان صلّى اللّه عليه وسلم ؛ فلما أراد الشيخ الانصراف وضعوا له سريرا ، وأشار الشيخ إلىّ فوضعوا لي سريرا آخر ؛ فلما جلسنا عليهما ارتفعا بنا في الهواء لا نبصر من يحملهما ، ومر بنا في الهواء فوق بحر انتهينا إلى مكان ؛ فلما وصلنا حطّ بنا السريران إلى الأرض ، فنزلنا عنهما ثم ارتفعا في الهواء ورجعا ، فمشى الشيخ وأنا خلفه ساعة ، وإذا نحن
بدمشق قد بدت * قال : وكنا يوما بدمشق ، وكان في أصحاب الشيخ من هو من الحجاز ، ومن هو من العراق ، فذكروا الرطب ، فقال له أهل الحجاز : رطبنا أطيب ، وقال العراقيون : رطبنا أطيب ، وكان للشيخ خادم اسمه يوسف ، فنظر الشيخ إليه ، فخرج الخادم من الباب وغاب لحظة ، ثم دخل وعلى يده طبق فيه رطب كما جنى من النخل ، فوضعه بين يدي الشيخ ، فقال الشيخ يا حجازيون هذا رطب بلادنا فأحضروا أنتم رطب بلادكم ؛ وله من العجائب والكرامات أشياء عطيمات ، رضى اللّه تعالى عنه ونفعنا به . ( الحكاية الخامسة والخمسون بعد الأربع مئة : عن الشيخ المغاورى رضي اللّه عنه ) قال : كنت مدة سنين مولعا بالحرب ، وعدة سنين بالسياحة ، أدخل إلى بلد الكفار لأمور أمرت بالدخول إلى بلادهم لأجلها وحجابى بحكمي ، إن أردت رأوني ، وإن أردت لم يروني ، فورد علىّ أمر من جهة الحقّ سبحانه وتعالى بأن أدخل إلى بلادهم لأجتمع فيها برجل صديق فدخلت أرضهم وأريتهم نفسي ، فأخذوني أسيرا وفرح بي من أخذني وكتفنى وجاء بي إلى السوق يبيعني ، وكان هذا هو طريق المقصود الذي أمرت به ، فاشترانى رجل معتبر راكب على دابة ، ووقفنى على الكنيسة لأكون فيها خادما ، فباشرت خدمتها أياما ، وإذا بهم قد أحضروا بسطا كثيرة ، ومباخر وطيبا كثيرا ، فقلت لهم ما الخبر ؟ قالوا الملك عادته زيارة الكنيسة يوما في السنة وقد جاء وقت زيارته ، فنحن نهيئها له ونخليها ، فلا يبقى فيها أحد حتى يدخل وحده ، يتعبد فيها ؛ فلما أغلقوها بقيت أنا فيها واحتجبت عنهم فلم يروني ، وإذا بالملك قد جاء ففتحوها له ودخلها وحده وأغلقوا عليه الباب ، فدار بالكنيسة يفتشها وأنا أنظر إليه وهو لا يراني إلى أن اطمأنّ ، فدخل المذبح الذي فيها وتوجه إلى القبلة وكبر بالصلاة ، فقيل لي هذا هو الذي أردنا لك الاجتماع به ، فظهرت ووقفت وراءه حتى يسلم من الصلاة ، ثم التفت فرآني فقال : من تكون ؟ قلت مسلم مثلك ، قال وما جاء بك ههنا ؟ قلت أنت ، فأقبل علىّ وسألني عن أمرى ، فأخبرته بما أمرت به من الاجتماع ، ولم يكن لي طريق إلى ذلك إلا بصورة ما جرى من الأسر والبيع ، واتخاذهم لي خادما للكنيسة ، وتمكينى لهم من نفسي في جميع ذلك ، ليقع الاجتماع ، ففرح بي ، فكاشفته وكاشفنى ، ووجدته من كبار الصدّيقين ، فقلت له
كيف حالك بين هؤلاء الكفار في باطن الأمر ؟ قال يا أبا الحجاج لي فوائد بينهم لا أبلغ مثلها لو كنت مع المسلمين ، قلت له صف لي ، قال توحيدي وإسلامي وأعمالى خالصة للّه عزّ وجلّ وحده ، ما لأحد اطلاع عليها ، وآكل حلالا ما فيه شبهة ، وأنفع المسلمين نفعا ، لو كنت أكبر ملوكهم ما بلغته من الدفع عنهم ، وأكفّ عنهم أذى الكفار حتى لا يصل إليهم ، وأفعل في الكفار من القتل والإفساد لأحوالهم ما لو كنت أعظم ملوك المسلمين ما فعلته ، وسأريك من بعض تصرّفاتى فيهم ، ثم ودعني وودعته ، وقال لي ارجع إلى حالتك ، فأخفيت نفسي واحتجبت عن الناظرين ، فخرج الملك وقعد على باب الكنيسة وقال : أئتونى بجميع من يختصّ بالكنيسة ، فأحضروا له جماعة منهم وعرضوهم عليه ، وقالوا هذا بطريقها ، وهذا شماسها ، وهذا راهبها ، وهذا مشارف أوقافها ، وهذا جابى رباعها ، قال : فمن يخدمها ؟ قالوا له فلان يعنون الذي وقفنى على الكنيسة ، اشترى أسيرا ووقفه على خدمتها ، فأظهر غضبا عظيما وقال : تكبرتم جميعا عن خدمة بيت الربّ ، وجعلتم رجلا من غير الملة نجسا يخدم بيت الربّ ، فأخذ السيف وضرب رقاب الجميع في حجة الغيرة على بيت الربّ ، وأمر بإحضارى ، فظهرت لهم ، فقدمونى إليه ، فقال هذا خادم الكنيسة التي يتبرّك بها يستحقّ في مقابلة كبر هؤلاء الإكرام والتعظيم والخلع والمركوب ، وإطلاقه إلى وطنه وأهله ، ففعلوا بي ذلك وانصرفت عنه رضي اللّه تعالى عنهما ونفعنا بهما . ( الحكاية السادسة والخمسون بعد الأربع مئة عن بعضهم ) روى أن أمير المؤمنين بالمغرب المسمى يعقوب رحمه اللّه تعالى رأى مرأى وأحوالا من أحوال المريدين ؛ وسببه أنه قتل أخاه غيرة على الملك ، فندم على قتل أخيه ندما أورثه توبة أثرت في باطنه أحوالا حسنة ، وتغير عليه من نفسه ما لا يعهده لثمرة التوبة ، فما كان أبركه عليه ذنبا * وفي مثل هذا قال القائل : وربّ قطيعة جلبت وصالا * وكم ذا في الزوايا من خبايا فشكا ما يجده لمريدة كانت تدخل قصره ، فقالت له هذه أحوال المريدين ، فقال كيف أعمل بنفسي ، ومن يعرفني ويداوينى ، قالت له الشيخ أبو مدين سيد
هذه الطائفة في هذا الزمان ، فبعث يعقوب إلى الشيخ أبى مدين وطلبه طلبا حثيثا والتجأ إليه ، فاقتضى إجابة الشيخ أبى مدين له ، فقال قولوا له نطيع اللّه عزّ وجلّ سبحانه وتعالى بطاعته ، وأنا ما أصل إليه بل أموت بتلمسان ، وكان الشيخ يومئذ في بجاية ، فلما وصل إلى تلمسان قال لرسل يعقوب : سلموا على صاحبكم ، وقولوا له شفاؤك على يد أبى العباس المرينى ، ونفعك على يده ، ومات الشيخ أبو مدين بتلمسان رضي اللّه تعالى عنه ونفعنا به ، ومضت الرسل إلى يعقوب فأخبروه بما أوصى به الشيخ له ، فطلب الشيخ أبا العباس المرينى طلبا حثيثا ، وسير إليه في كلّ الجهات إلى أن ظفروا به ، فأخبروه بما عليه من الطلب ، فوجد من الحقّ سبحانه إذنا بالاجتماع به ، فمشى إليه واجتمع به ، ففرح يعقوب بذلك ، ثم أمر بذبح دجاجة وخنق أخرى وأن يطبخ كل واحدة منهما على حدة وقدمها بين يدي الشيخ ، وسأله أن يتناول ، فنظر الشيخ إليهما وأمر الخادم برفع المخنوقة وقال هذه جيفة ، وأكل من الأخرى ، فسلم يعقوب نفسه له وأنزل نفسه منزلة خادم ، وفتح له على يده ، وترك الملك وسلمه لابنه واشتغل مع الشيخ وثبتت قدمه في الولاية ببركة الشيخ أبى العباس ، وإشارة الشيخ أبى مدين رضى اللّه تعالى عن الجميع ونفعنا بهم . ومما جرى ليعقوب أن الناس كانوا محتاجين إلى المطر ، فقال أبو العباس ليعقوب بعد أن خرجا إلى خارج البلد : صلّ واستسق للمسلمين فقال له يعقوب أنت أحقّ بذلك يا سيدي وأولى ، فقال له الشيخ بهذا أمرت ، فصلى يعقوب ودعا فنزل المطر على الفور رضي اللّه تعالى عنهما ونفعنا بهما والمسلمين آمين . ( الحكاية السابعة والخمسون بعد الأربع مئة عن الشيخ صفى الدين ) قال الشيخ صفىّ الدين رضي اللّه عنه : رأيت امرأة كبيرة الشأن يعظمها الأولياء والعلماء مغربية يقال لها ستّ الملوك زارت بيت المقدس في وقت كان فيه الشيخ الكبير الشأن علىّ بن علبس : بفتح العين المهملة والباء الموحدة وسكون اللام بينهما وفي آخره سين مهملة ، اليماني رضي اللّه تعالى عنه ، قال الشيخ علىّ المذكور : كنت في بيت المقدس ، وإذا أنا أشهد حبلا من نور مدّ لي من السماء إلى قبة كانت في المسجد ، فمشيت إلى القبة ، فوجدت فيها هذه المرأة ستّ الملوك والنور الذي شهدته متصل بها ، فطلبت الولىّ سفيان اليماني من
الأكابر وأرباب الهمم العالية ، وكان معمر الأوقات بالصلاة ، ظهر في جهة من اليمن بعد وصوله إلى ديار مصر وحجه ، وشهد له جماعة كثيرة لما رأوا من كراماته رضي اللّه عنه ونفعنا به * قلت : هذا سفيان الذي قدمت ذكره في قتله لليهودي الذي ذبحه في عدن من أجل رفعته على المسلمين واستخدامه لهم يمشون تحت ركابه بولاية السلطان . وقد بلغني أنه قتل يهوديا آخر في تعز بالحال بأن قال له تفعل كذا وكذا وإلا قطيت رأس هذا القلم ، وكان في يده رضي اللّه تعالى عنه قلم وسكين ، فقال اليهودي قط القلم وما علىّ من قطته فقط رأس القلم ، وإذا برأس اليهودي مقطوع يد حرج على الأرض ، وله كثير من الكرامات العظيمات ، وكان فقيها قد اشتغل بالعلم وحصل حتى قيل له إن أردتنا فاترك القولين والجهتين ، فترك ذلك واشتغل باللّه تعالى * وأما وصولى إلى ديار مصر فقد بلغني أنه سافر إليها ليحضر الجهاد في دمياط ، وكان فتح المسلمين على يديه ، وكان قد قال لهم بعض من أطلعهم اللّه على ما شاء من الغيب : إن فتح دمياط يكون على يد رجل من أهل اليمن * وممن حضر الجهاد بدمياط الفقيه العالم الولىّ العارف عبد الرحمن النويري رضي اللّه عنه ، واستشهد ، قال الأفرنجى الذي قتله ضربت عنقه ، ثم قلت له بعد أن مات : يا قسيس المسلمين أنتم تقولون في قراءتكم ( وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) قلت له ذلك بطريق التهكم ، ففتح عينيه ورفع رأسه وقال بصوت قوىّ : نعم أحياء عند ربهم يرزقون ، ثم سكت فعندما رأيت ذلك وسمعت ما سمعت ، نزع اللّه الكفر من قلبي وأسلمت على يده ، وأرجو اللّه أن يغفر لي ببركته وإسلامي على يديه انتهى كلامه ، وكان يقال بعد ذلك للشيخ عبد الرحمن الشهيد الناطق ، وله كرامات كثيرة رضي اللّه عنه ونفعنا به آمين . ( الحكاية الثامنة والخمسون بعد الأربع مئة عن الشيخ صفى الدين ) قال : كنت في السياحة تألف إلىّ الوحوش وتجلس حولى وأمشى بينها كأنني منها ، وإلى يوم خطر لي دخول العمران ، وتذكرت طفلا صغيرا كان يقرب لي ، ثم رأيت غزالة صغيرة من الوحوش التي حولى ، فخطر في نفسي لو كانت معي هذه الغزالة أحملها للطفل ، فعندما خطر لي هذا الخاطر نفر عنى الجميع وتباعدت وصارت تنظر إلىّ خلاف ما كانت عليه ، فاستغفرت اللّه وتباعدت
من ذلك الخاطر ، فعادت إلىّ كما كانت رضي اللّه تعالى عنه * وقال آخر منهم كنا جماعة نذهب في أي وقت شئنا إلى أىّ مكان شئنا تطوى لنا الأرض ، فلما كان بعض الأيام اشتريت لأولادي دارا ، وأخذت بذلك كتابا كتب لي فيما يتعلق بالدار وشرائها ، فأرسل إلىّ أصحابي بعد ذلك الموعد بيننا المكان الفلاني ، فرجعت إلى حالي الذي كنت أعهده فلم أجده معي ، فأرسلت إليهم أقول لهم ذلك الجناح الذي كنت أطير به قد قص ، فأرسلوا إلىّ يقولون انظر من أين أتيت ، واقطع العلاقة التي قطعتك ، قال : فقطعت كتاب شراء الدار المذكورة فإذا بحالي قد عاد إلىّ ، فالتقيت بهم في المكان الذي ذكروا ، ورضي اللّه تعالى عنهم ونفعنا بهم أجمعين . ( الحكاية التاسعة والخمسون بعد الأربع مئة عن الشيخ صفى الدين ) قال الشيخ صفى الدين رضي اللّه عنه : كان الشيخ مفرج وليا عظيم الشأن ، وكان عبدا حبشيا اصطفاه اللّه بلا أسباب معلومة ولا مقدمات معهودة ، أخذه عن حسه المعهود أخذة عظيمة أقام فيها ستة أشهر ما استطعم فيها طعاما ولا شرابا ، فلما رأى سيده حاله تغير ضربه فلم يتأثر بالضرب ، فظن أن به الجنون ، فاستندب شخصا لضربه ليفيق ويتناول الغذاء ، فكان الضارب يقول للجنية بزعمه اخرجى ، فيقول الشيخ مفرج قد خرجت يعنى نفسه ، فقيدوه وغابوا عنه ثم جاءوا إليه فوجدوا القيد في ناحية وهو في ناحية أخرى فحبسوه وغابوا عنه فوجدوه خارجا عن المكان الذي حبس فيه ، فلما تكاثرت عليهم كراماته أحضروا أفراخا مشوية ، فقال لها طيرى فطارت أحياء بإذن اللّه تعالى ، فسكتوا عنه ، وتواترت كراماته واشتهرت ولايته وظهرت بركاته ، رضي اللّه عنه . ( الحكاية الستون بعد الأربع مئة عن بعض الشيوخ ) حكى أنه كان بعض الشيوخ بالرقة ، فشكى إليه والى الرقة حتى تغير عليه خاطره ، فاتفق أن الوالي مرّ يوما على الشيخ ، فصاح عليه صيحة واحدة قال له فيها مت فمات في الحين * وتكلم هذا الشيخ يوما في الكرامات ، فقالت له عجوز لها عليه إدلال كم فشار وكم دعاوى والناس هلكى من عدم المطر ، فكاشف الشيخ عليها ، فخرجت من عنده وركبت بغلتها وكانت تربى أولاد الملوك ، فلما بلغت بعض
الطريق إذا سحابة قد أرخت مطرا غزيرا ، وهبت ريح فرمتها عن البغلة في الطين ثم قامت فركبت ورجعت إلى الشيخ وقالت : قلنا إنك أنزلت المطر بجاهك فلأي شئ رميتنى من فوق البغلة في الطين ؟ قال لكثرة فضولك * وقال رضي اللّه عنه كان الملك نور الدين ملك الشام معدودا عندنا من الأولياء الأربعين ، كان صلاح الدين من الثلاث مئة ، وكانت الأبدال إذا رأوا نور الدين يقول لهم كيف أنا عندكم ؟ فيقولون أنت أصلح الظلمة ، مع ما كان عليه من أوصاف الولاية ، رضي اللّه عنه ونفعنا به آمين . ( الحكاية الحادية والستون بعد الأربع مئة عن بعضهم ) روى أنه كان الشيخ أبو محمد بن الكبش رضي اللّه عنه يجتمع بالخضر عليه السّلام في أكثر الأوقات ، وكان له صاحب معروف كبير موسر ، فقال له يوما يا أخي مالي منك نصيب ، فقال فماذا ؟ قال تجمع بيني وبين الخضر يوما وتسأله أن يظهر لي حتى أراه ، فقال أنا أقول له ، فقال للخضر عليه السّلام صاحبي فلان قصد رؤيتك ، فقال صاحبك ما يريد أن يراني ، فقال سبحان اللّه هكذا قال لي ، فقال قل له أنا يوم الجمعة أقصد إلى رؤيته ، فلما كان يوم الجمعة بادر الرجل إلى مطمر له فيه قمح ففرق منه إلى قريب وقت الجمعة شكرا لإجابة الخضر عليه السّلام إلى زيارته ، ثم أغلق الباب وتوضأ وجلس على سجادته يذكر اللّه تعالى وينتظر الوعد ، فدقّ الباب رجل ، فقال للجارية انظرى من بالباب ، فخرجت فوجدت رجلا عليه أطمار ، فقال لها قولي لسيدك رجل يريد الاجتماع بك ، فأخبرته فقال لها ما صفة الرجل ؟ قالت عليه أطمار ، فقال مسكين لا شك أنه يريد من القمح الذي سمع عنه ، قولي له يرجع بعد الصلاة ، فقالت له ذلك فمضى ، فلما كان بعد الصلاة اجتمع الرجل بابن الكبش وقال له جلست في انتظاره وما رأيته اليوم ، قال له يا قليل التوفيق هو الذي خرجت الجارية إليه وقلت لها قولي له ارجع بعد الصلاة ثم قال تريد أن ترى الخضر وعلى بابك الحجاب ، فقال الجارية عندي حرّة لوجه اللّه تعالى ، وصار إذا دقّ أحد الباب خرج إليه بنفسه ، رحمه اللّه تعالى . ( الحكاية الثانية والستون بعد الأربع مئة ) قال المؤلف كان اللّه له . سمعت من غير واحد يحكى أن بعض التجار قال : كنت مسافرا ومعي دابة عليها
قماش ، فلما دخلت مصر واختلطت بالناس نظرت إلى الدابة فلم أجدها ، ففتشت عليها وسألت عنها فلم أعلم لها خبرا ، فقال لي بعض أصحابي ائت الشيخ أبا العباس الدمنهورى لعله يدعو لك ، وكنت أعرفه قبل ذلك ، فجئت إليه وسلمت عليه وحكيت له قصتي ، فما أصغى إلى كلامي : ولا فرّحنى بحاجتي ، ولكن قال لي عندنا ضيفان نطلب لهم كيت وكيت من الدقيق واللحم والحوائج ، فخرجت من عنده وأنا أقول واللّه لارجعت إليه ، هؤلاء الفقراء ما يعرفون إلا حوائجهم ، أتيت إليه وأنا مضرور فما سمع شكواي ولا دعا لي ، بل طلب منى قضاء حاجته ، فمضيت على هذه النية فوجدت بعض من لي عليه دين فأمسكته ، وقلت له ما أفارقك حتى تخلصنى ، فدفع إلىّ ستين درهما أو نحو ذلك ، فلما حصل لي ذلك قلت في نفسي واللّه لأخاطرنّ معه في هذه ، فإما حصل لي الجميع وإلا ذهبت مع ما ذهبت في سبيل اللّه تعالى ، فاشتريت جميع ما ذكر لي الشيخ وفضل معي فضلة فاشتريت بها علبة حلاوة ، وحملت الجميع حمالا وقصدت الشيخ فلما وصلت قريب الزاوية إذا أنا بدابتى واقفة على باب الزاوية ، فقلت في نفسي هذه دابتي ، ثم قلت وأين دابتي لعلها تشبهها ؟ فلما دنوت منها وجدتها دابتي بعينها وعليها القماش بحاله كما كان ، فتعجبت من ذلك ، ثم قلت أخلى من يحفظها أو أدخل بها الزاوية لئلا تذهب ، ثم قلت الذي سلمها وحفظها علىّ هو يحفظها ، ثم دخلت على الشيخ فوضعت الحوائج كلها بين يديه ، فاستعرضها حاجة حاجة حتى انتهى إلى العلبة الحلاوة فقال إيش هذه ؟ فقلت يا سيدي فضلت معي فضلة فاشتريت بها هذه ، فقال هذه لم تكن داخلة في الشرط ، ولكني أزيدك بها زيادة ، اذهب إلى القيسارية وبع قماشك ولا تستعجل عليه ، وكلما بعت شيئا فاقبض ثمنه ، ولا تخف أن يرد عليك أحد من التجار ، فالبحر في يميني والبرّ في شمالي ، قال فمضيت إلى القيسارية فوجدت جميع ما كان معي من القماش مطلوبا ، فبعته بزيادة كثيرة على العادة جدا ، وكلما بعت شيئا قبضت ثمنه حتى بعت الجميع وقبضت ثمنه ، فلما فرغت من ذلك أقبل التجار من البرّ والبحر كأنهم قد أطلقوا انتهى كلامه ، قلت وهذا الشيخ أبو العباس له كثير من الكرامات النفاس المشهورات عند الناس ، رضي اللّه عنه ونفعنا به آمين
الحكاية الثالثة والستون بعد الأربع مئة عن الشيخ أبى العباس بن العريف ) روى عن الشيخ أبى العباس بن العريف رضي اللّه عنه أنه قال : أصبحت يوما ضيق الصدر ، وكان لي صاحب يعرف بأبى محمد الطرابلسي ، فقلت له يا أبا محمد أصبح اليوم قلبي منكوسا فعساك تحكى لي حكاية من حكايات الصالحين ، قال نعم ، كنت يوما ببلد إفريقية في العشر الأول من ذي الحجة فإذا أنا بثلاثة نفر وقوف على رأسي ، فقالوا يا أبا محمد هل لك في المسير إلى الحجّ ؟ فقلت الرأي على ما رأيتموه ، فقالوا عوّل هل بركة اللّه تعالى ، فتقدمني الواحد منهم وتأخر الاثنان منهم ، فساروا فكان إذا أتى الليل خرج الواحد منهم عن الطريق فأتى بعرجون موز ، فيقول ههنا عجوز دفعت إلىّ هذا فبعد ثلاث ليال وإذا بأحد منهم قال لي يا أبا محمد أبشر هذه جبال تهامة ، فحججت معهم ووافقت في صحبتهم ، فلما آن وقت الرجوع ، قالوا لي أنت في دعة اللّه فقلت لهم تسومونى الفرقة فقالوا لا بد من ذلك ومضوا وعدلت إلى عيذاب ووصلت إلى أسوان ، فقالت لي نفسي تمضى إلى الإسكندرية فلعل أحدا من معارفنا يطلعنك في البحر إلى المغرب ، فقلت لها وإلى الآن لم تؤمني واللّه لا دخلت الصحراء إلا من ههنا ، فكنت إذا احتجت الوضوء أو الشراب أقول وعزّة المعبود لا أبرح حتى أتوضأ وأشرب فتظلنى سحابة فلا تزال تمطر حتى ترجع غديرا فأتوضأ وأشرب ، وإذا جعت قلت كذلك ، فما برحت على هذه الحالة حتى رجعت إلى المكان الذي خرجت منه ، وها أنا أتخبط يا أحمد وأنت تلبث ثياب الأمراء ، وتنظر إلى وجوه الشباب وتقول قلبي نكس شيخ سوء مثلي قلبه نكس ، وأما أنت فمنكوس كنت ومنكوس بقيت ، قال أبو العباس فو اللّه ما نسيت برد قوله ، فمنكوس كنت ومنكوس بقيت إلى أن ألقى اللّه تعالى رضي اللّه تعالى عن الجميع ونفعنا بهم آمين . ( الحكاية الرابعة والستون بعد الأربع مئة عن الشيخ ابن العريف ) روى عن الشيخ ابن العريف أيضا رضي اللّه عنه قال : أصبحت يوما مهموما ، فقلت للشيخ أبى القاسم بن روبيل : حدثني بحكاية عسى اللّه أن يفرج مابى ، فقال نعم ، وصف لي رجل ببعض السواحل يعرف بأبى الخباز . فقصدته على ساحل البحر ، فسلمت عليه وجلست فلم يتكلم ولم أكلمه ، حتى إذا كان وقت الصلاة أقبل نفر
من بعض الأودية متفرّقون ، فاجتمعوا إليه وتقدمهم واحد منهم ، فصلى بهم ثم افترقوا ولم يكلم واحد منهم أحدا ، وجلس الشيخ مكانه وجلست عنده حتى إذا كان وقت الصلاة أقبل النفر فصلوا ، ثم انصرفوا حتى جاء وقت العصر فاجتمعوا وصلوا ، ثم جلسوا بعد ذلك وتذاكروا في سير الصالحين ومقامات الأولياء إلى قريب الاصفرار ، ثم تفرّقوا واجتمعوا للمغرب ، ثم تفرّقوا فجلست عندهم ثلاثة أيام وهم على ذلك ، ثم وقع في نفسي أن أسأله عن مسألة أستفيدها فتقدمت إليه وقلت : أيها الشيخ مسألة أسأل عنها ، فقال قل فنظر الجماعة إلىّ كالمنكرين ففزعت ، فقلت له أيها الشيخ متى يعلم المريد أنه مريد ؟ فأعرض عنى ولم يجبني ، فخفت أن أكون قد أغضبته ، فقمت عنه ، فلما كان في اليوم الثاني قلت لا بد أن أسأله عن المسألة وعزمت على ذلك ، فتقدمت إليه وقلت أيها الشيخ متى يعلم المريد أنه مريد ؟ فأعرض عنى كالأول ولم يجاوبنى ، فقمت وعدت إليه في الثالثة وسألته عن المسألة بعينها فاجتمع إلىّ وقال لا تقل هكذا ، أظنك تريد أن تسأل عن أول قدم يضعه المريد في الإرادة ؟ فقلت نعم ، فقال لي إذا اجتمع فيه أربع خصال : أن تطوى له الأرض وتكون عنده كقدم واحد ، وأن يمشى على الماء ، وأن يأكل من الكون متى أراد ، وأن لا تردّ له دعوة ؛ فعند ذلك يضع أول قدمه في الإرادة ، وأما متى علم المريد عندنا أنه مريد سقط من حدّ الإرادة ، قال الشيخ أبو العباس بن العريف رضي اللّه عنه فصحت صيحة واحدة كادت نفسي تذهب معها ثم قلت له آيستنا من الإرادة يا أبا القاسم ، وتعجبت من علوّ همة هذا الشيخ رضي اللّه عنه وعن الجميع ونفعنا بهم آمين . ( الحكاية الخامسة والستون بعد الأربع مئة : عن الشيخ عبد اللّه القرشي ) أنه سمع شيخه أبا يزيد القرطبي رضي اللّه عنه يقول لما سأله عن بدايته رجاء فائدة ينتفع بها قال : يا بنىّ أمر غريب ، ما أدخلني في هذا الطريق إلا أمر مزعج ، وإنما كنت من التجار كان لي دكان في العطارين ، وكنت لا أبيع من السلع إلا ما عزّ ثمنها وعزّ وجودها ، وكان لباسى مثل ذلك ، فدخلت يوما إلى الجامع لأصلى صلاة الصبح قضاء ، فلما تممت الصلاة رأيت حلقة كبيرة ، فمضيت إليها وأنا حينئذ لا علم لي بالصالحين إلا على ما يقوله العوام من أنهم في البراري والجبال ، فوقفت عليهم وسمعت القارئ يقرأ في حكايات الصالحين ومجاهداتهم مثل حكاية أبى يزيد ، فقلت في نفسي بصوت لا يسمعني إلا من
قرب منى : سبحان اللّه مثل هذا يدون في الكتب ؟ فقال لي رجل وبأىّ شئ تدوّن الكتب ؟ فقلت هذا الذي يحكيه شبيه الكذب ، رجل يترك الماء سنة ويعيش ؟ فقال لي الرجل لا تنكر ، فبينا أنا أراجعه الكلام ، وإذا في الحلقة شخص عليه سلهام قد أكل أطرافه الشجر ، فرفع رأسه إلىّ وقال أما تستحى أن تتكلم في الصالحين ؟ فقلت وأين الصالحون ؟ ثم تركتهم ومضيت وأنا متعجب ، فلما كان قرب الظهر وأنا جالس في الدكان على العادة أبيع وأشترى ، وإذا أنا بالرجل صاحب السلهام قد مرّ فرأيته ولم يرني ، فمشى عنى ثم رجع وإذا به كأنه يطلبنى ، فقال لي سلام عليك ، فقلت وعليكم السلام ؟ فقال ما اسمك ؟ قلت عبد الرحمن ، فقال لي أتعرفني ؟ فقلت نعم أنت الرجل الذي تكلمت معه في الحلقة ، فقال وأنت على تلك العقيدة أو تبت ؟ فقلت ما أعرف لي عقيدة أتوب منها ، فاتكأ بصدره على صخرة قدام الدكان وقال : يا أبا يزيد أىّ شئ تقول في عمل الصالحين ؟ فقلت أين أولئك ؟ فقال نعم ، يمشى في الأسواق رجال لو قال أحدهم هكذا وأشار إلى حجر كان معي في قاع الدكان فتحرك معه ، فانفجر منه فرجتان كان فيهما رهون الناس ، فوثبت فأمسكتهما ورددتهما إلى مكانهما ، ثم قلت وهل يعطى لرجل المقدرة على مثل هذا ؟ فقال وأىّ شئ هذا في جنب ما يحكم الإنسان فيه ، قلت وفيماذا يحكم به غير هذا ؟ فقال : لو قال للدكان انخلع عن مكانك لا نخلع ، فرأيت الدكان قد تحرك حركتين فلم يبق فيه زجاجة ولا آنية إلا تحركت حتى خفت أن ينطبق علىّ ، فبقيت متحيرا ، فتركني ومضى وكان فىّ غريزة عقل ، فقلت إذا كان مثلي يفنى عمره في هذا الدكان كيف يمكنه الاجتماع بمثل هؤلاء القوم ؟ فلما كان الغد ذهبت إلى الحلقة أسمع كلام القوم سماعا آخر ، فو اللّه ما أبقى في السماع وسعا أن أمضى إلى الدكان ، فمضيت إلى خالى ودفعت له المفاتيح وكان هو صاحب الدكان ، فقال أين تمضى ؟ فقلت له سآتى إن شاء اللّه تعالى ولم يعلم قصدي ، فلم أرجع إلى الدكان بعد ذلك ، رضي اللّه عنه ونفعنا به . ( الحكاية السادسة والستون بعد الأربع مئة عن بعضهم ) روى أنه كان سيدي الشيخ العارف أحمد بن الرفاعي قدّس اللّه روحه وأعاد علينا من بركاته ، يقرأ القرآن وهو شاب على الشيخ العارف على ابن القارئ الواسطي رضي اللّه عنه ، فصنع شخص طعاما ودعا إليه الشيخ ابن القارئ وأصحابه وجماعة
آخرين من المشايخ والقرّاء وغيرهم ، فلما أكلوا من الطعام كان معهم قوّال ، فشرع يغنى بدفّ في يديه وسيدي أحمد جالس عند نعال القوم ونعل الشيخ ابن القارئ معه ، فلما طاب القوم واستراحوا وتواجدوا ، وثب سيدي أحمد بن الرفاعي إلى القوّال وخسف الدفّ الذي كان معه ، فالتفت المشايخ إلى الشيخ علىّ بن القارئ ونافروه فيما صدر من سيدي أحمد ، وقالوا لي هذا صبي مالنا معه مطالبة ، والمطالبة عليك ، فقال لهم الشيخ ابن القارئ اسألوه فإن أتى بالجواب وإلا فعلىّ المطالبة ، فالتفتوا إليه وقالوا له لم كسرت الدف ؟ فقال لهم : أي سادة نرجع إلى أمانة القول يخبرنا بما يخطر بباله ، فأىّ شئ قال اتبعناه ، فسألوا القوّال عما خطر بباله فقال : إني كنت بارحة أمس عند أقوام يشربون ، فسكروا وتمايلوا كتمايل هؤلاء المشايخ ، فخطر لي أن هؤلاء كأولئك ، فلم يتم خاطري حتى قام هذا الصبى وخسف الدف فعند ذلك نهض المشايخ إلى سيدي أحمد وقبلوا يده واعتذروا له رضي اللّه عنه ونفعنا بهم آمين . قلت وإنما تمايلوا بشراب المحبة الذي أشار إليه الشيخ الكبير العارف أبو الحسن الشاذلي رضي اللّه عنه لما قيل له ما شراب الحبّ ، ومن الساقي ، وما الذوق ، وما الشوق ، وما الرىّ ، وما السكر . وما الصحو ؟ فقال الشراب هو النور الساطع عن جمال المحبوب ، والكأس هو اللطف الموصل ذلك إلى أفواه القلوب ، والساقي هو المتولى الخصوص الأكبر والصالحين من عباده ، وهو اللّه العالم بالمقادير ومصالح أحبابه ، فمن كشف له عن ذلك الجمال وحظى بشئ منه نفسا أو نفسين ثم أرخى عليه الحجاب ، فهو الذائق المشتاق ، ومن دام له ذلك ساعة أو ساعتين فهو الشارب حقا ، ومن توالى عليه الأمر ودام له الشراب حتى امتلأت عروقه ومفاصله من أنوار اللّه تعالى المخزونة ، فهو الرّى ، وربما غاب عن المحسوس والمعقول فلا يدرى ما يقال له ولا ما يقول ، فذلك هو السكر ، وقد تدور عليهم الكؤوسات ، وتختلف لديهم الحالات . ويردّون إلى الذكر والطاعات ، ولا يحجبون عن الصفات مع تزاحم المقدورات ، فذلك وقت صحوهم أو اتساع نظرهم ومزيد علمهم ، فهم بنجوم العلم وقمر التوحيد يهتدون في ليلهم ، وبشموس المعارف يستضيئون في نهارهم ( أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) ، وقال بعض الشيوخ الكبار العارفين باللّه : المحبة أخذة من اللّه قلب
من أحبّ اللّه أن يكشف له من نور جماله وقدس كمال جلاله ، قال ويكون الشرب بالتدريب بعد التدريب والتهذيب : فيسقى كل منهم على قدره ؛ فمنهم من يسقى بغير واسطة واللّه سبحانه يتولى ذلك ، ومنهم من يسقى من جهة الوسايط كالملائكة والعلماء والأكابر من المقرّبين والصدّيقين والعارفين ، فمنهم من يسكر بشهود الكأس ولم يذق بعد شيئا ، فما ظنك بعد بالذوق وبعد بالشرب وبعد بالرىّ وبعد بالسكر بالمشروب ثم الصحو بعد ذلك على مقادير شتى ، كما أن السكر أيضا كذلك رضي اللّه عنه . وفي السكر برؤية الكأس قلت : حميا برؤيا كاسها سكر ناظر * فكيف بمن من تلك بالكاس يشرب بها شارب للراح كل مشاهد * جمال جلال ليس عن ذاك يحجب ( الحكاية السابعة والستون بعد الأربع مئة . عن بعضهم ) قال : هلّ علىّ هلال رمضان ، فساعة رؤيته أطلعنى اللّه سبحانه على ليلة قدره أىّ ليلة هي ، وعرّفنى بها فتحققتها ، فلما كانت الليلة المعنية ليلة القدر ، كنت أهرب منها كما يهرب الغريم من غريمه وأنوارها تضئ وتلمع في عيني وأنا أقول . وعزّتك يا ربّ وجلالك ما أحتاج معك إلى ليلة القدر . وقال بعضهم : أوقاتنا والحمد للّه كلها ليلة القدر . وأنشدوا في معنى ذلك : لولا شهود جماله في ذاتي * ما كنت أرضى ساعة بحياتى ما ليلة القدر المعظم شأنها * إلا إذا عمرت بها أوقاتي إن المحبّ إذا تمكن في الهوى * والحبّ لم يحتج إلى ميقاتى وقال بعضهم : رأيت الملائكة ليلة ست وعشرين من رمضان في بعض السنين وهم في تهيئة وتعبية كما يتهيأ أهل العرس له قبله بليلة ، فلما كانت ليلة سبع وعشرين وهي ليلة جمعة ، رأيت الملائكة تنزل من السماء ومعها أطباق من نور . فلما كانت ليلة ثمان وعشرين رأيت تلك الليلة كالمتغيظة وهي تقول : هب أن لليلة القدر حقا يراعى . أمالي حقّ يرعى ؟ انتهى كلامي رضي اللّه عنه . قلت : لعلّ تغيظها على الناس لتركهم إحياءها مع كونها جارة لليلة القدر ، وحقّ الجار أن يكرم بشئ مما أكرم به جاره . وأما أطباق النور المذكورة فلعلها هدية
إلى من أحيا ليلة القدر الشريفة . ومن أناله اللّه تعالى شيئا من بركة تلك الليلة ، واللّه أعلم . وقد ذكر بعضهم أنه رأى في ليلة القدر كلّ شئ ساجدا للّه عزّ وجل حتى الشجر والحجر ، ورأى الأنوار قد ملأت الوجود من العرش إلى الفرش . وقال لي بعض الفقراء : رأيت في الليلة المذكورة مكتوبا بالنور ( رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا ) الآية . قلت : وهذه إشارة إلى الاهتمام بهذا الدعاء ، وأن يأمن لا أحد من مكر اللّه . اللهم إنا نعوذ بك من مكرك ( رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ) . ( الحكاية الثامنة والستون بعد الأربع مئة عن بعض العلماء ) قال : رأيت الإمام أبا حامد الغزالي رضي اللّه عنه في البرية وعليه مرقعة وبيده ركوة وعكاز ، وقد كان قبل ذلك يحضر مجلسه في بغداد مئة عمامة من أبناء الأمراء . وقيل كان يدرس لثلاث مئة ويحضر مجلسه العلماء الفضلاء والطلبة النجباء ، قال فقلت له يا إمام أليس تدريس العلم ببغداد خيرا من هذا ؟ فنظر إلىّ شزرا وقال : لما بزغ بدر السعادة في فلك الإرادة وجنحت شموس الأصول إلى مغارب الوصول . تركت هوى ليلى وسعدى بمعزل * وعدت إلى مصحوب أوّل منزل ونادت بي الأشواق مهلا فهذه * منازل من تهوى رويدك فانزل ونادت يعنى قال لسان حال الأشواق وصلت إلى منازل الأحباب ، فدع عنك تعب السير والمشاقّ . وقد ذكرت نبذة من مناقبه في كتاب ( الإرشاد ) ، وقد شهد له خلائق من الأولياء بالولاية العظمى والمقام العالي الأسنى ودرجة الصديقية وشرف المعالي ، فلا التفات إلى ذمّ كل حاسد مشئوم . وكل معاند محروم ، وكل أعمى عن محاسنه غير موفق ، سوف يرى إذا كشف الغطاء وتحقق : سيدرون فيما بعد أيام حامد * لمن شرف العليا وفخر المحامد إذا حجة الإسلام بان مقامه * لكلّ الورى ما بين خلّ وحاسد بيوم به عال مقام محمد * عليه صلاة اللّه زين المشاهد شفيع الورى مولى البرايا مقدما * له مشهد يحلو لكل مشاهد
الحكاية التاسعة والستون بعد الأربع مئة ) روى أنه كان سيدي أحمد بن الرفاعي رضي اللّه عنه إذا طلب منه أحد أن يكتب له عوذة ولم يكن عنده مداد ، يأخذ الورقة ويكتب عليها بغير مداد ، فكتب يوما لشخص بغير مداد ، فأخذ الشخص الورقة وغاب مدّة ثم جاء بها ودفعها إليه ليكتب له فيها ممتحنا له ، فلما نظر إليها قال : أي ولدى هذه مكتوبة ، وردّها إليه من غير ضجر * وكان في حياته رضى اللّه عنه شخصان قد تحابا في اللّه تعالى ، ولزم كل واحد منهما الآخر ، وكان اسم أحدهما وهو الأكبر معالى بن يوسف واسم الآخر عبد المنعم ، فمكثا على ذلك سنين ، فلما كان بعد أيام خرجا إلى الصحراء وجلسا يتحدثان ، فسأل عبد المنعم الشيخ معالى عما حصل له في ملازمته إياه في تلك المدة ، وأمره الشيخ معالى أن يتمنى ، فقال عبد المنعم : أي سيدي عبدك يريد الساعة كتاب عتقنا من النار ينزل علينا من السماء ، فقال الشبخ معالى إن كرم اللّه واسع فضله لا يحدّ ، فبينما هما كذلك إذ سقطت عليهما ورقة بيضاء من السماء ، فقال الشيخ معالى لعبد المنعم خذ هذه الورقة ، فقام وأخذها فلم ير فيها شيئا مكتوبا ، فقال قم بنا إلى سيدي أحمد حتى نعرضها عليه ، فأتياه ودفعا إليه الورقة ولم يعرّفاه ماذا جرى لهما ، فنظر فيها ثم خرّ ساجدا للّه تعالى ؛ فلما رفع رأسه من سجوده قال : الحمد للّه الذي أراني عتق أصحابي من النار في الدنيا قبل الآخرة ، فقيل له : أي سيدي هذه الورقة بيضاء ما فيها شئ من الكتابة ؟ فقال : أي أولادي ، يد القدرة لا تكتب بسواد ، وهذه مكتوبة بالنور ، ثم دفعها إليهما ، فلما مات عبد المنعم جعلت في كفنه ، رضى اللّه تعالى عن الجميع ونفعنا بهم . ( الحكاية السبعون بعد الأربع مئة عن الشيخ جمال الدين ) روى أن الشيخ جمال الدين خطيب أونية ، بضم الهمزة وكسر النون وفتح الياء المثناة من تحت ، كان من كبار أصحاب سيدي أحمد قدّس اللّه روحه ، وكان في أونية بستان ، فأراد أن يشتريه لضرورة دعته إلى شرائه ، فطلب يوما من سيدي أحمد أن يرسل إلى صاحب البستان . وهو الشيخ إسماعيل بن عبد المنعم شيخ أونية ، ويكلمه في بستانه ويشتريه منه ، فقال سيدي أحمد سمعا وطاعة ، أي أخي أنا أمشى إليه ، ثم قام ومشى معه إلى صاحب البستان وكان منزله في أونية فشفع
إليه في البيع المذكور فأبى ، فكرر الشفاعة فقال : أي سيدي إن اشتريته منى بما أريد بعتك ، فقال أي إسماعيل قل لي كم تريد في ثمنه ؟ فقال أي سيدي تشتريه منى بقصر في الجنة ، فقال أي ولدى من أنا حتى تطلب منى هذا ؟ اطلب منى مهما أردت من الدنيا ، فقال أي سيدي ما أريد شيئا من الدنيا سوى ما ذكرت ، فنكس سيدي أحمد رأسه واصفر لونه وتغير ، ثم رفعه وقد تبدلت السفرة بحمرة وقال أي إسماعيل قد اشتريت منك البستان بما طلبت ، فقال أي سيدي اكتب لي خطك بذلك ، فكتب له في ورقة : بسم اللّه الرحمن الرحيم ، هذا ما اشترى إسماعيل بن عبد المنعم من العبد الفقير الحقير أحمد بن أبي الحسن الرفاعي ضامنا له على كرم اللّه تعالى قصرا في الجنة ، تحفه أربعة حدود : الأول إلى جنة عدن ، الثاني إلى جنة المأوى ، والثالث إلى جنة الخلد ، والرابع إلى جنة الفردوس ، بجميع حوره وولدانه وفرشه وأسرّته وأنهاره وأشجاره عوض بستانه في الدنيا ، واللّه له شاهد وكفيل ، ثم طوى الكتاب وسلمه إليه ، فأخذه ومضى إلى أولاده وهم على الدالية يسقون ذرة كانوا قد ذرعوها في البستان المذكور ، فقال انزلوا فقد بعت البستان المذكور على سيدي أحمد ، فقالوا كيف بعته ونحن محتاجون إليه ؟ فعرّفهم بما جرى من حديث القصر وأن خطه في يده بذلك ، فأبوا أن يرضوا إلا أن يجعلهم شركاء فيه ، فقال انزلوا فهو لي ولكم واللّه على ما نقول وكيل ، فرضوا ونزلوا واستولى الخطيب على البستان وتصرف فيه ، ثم بعد مدة يسيرة توفى الشيخ إسماعيل بائع البستان إلى رحمة اللّه تعالى ، وكان قد وصى أولاده أن يجعلوا ذلك الكتاب في كفنه ففعلوا ودفنوه ، فلما أصبحوا من الغد وجدوا على قبره مكتوبا : ( قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا ) رضى اللّه تعالى عنهم ونفعنا ببركاتهم أجمعين . ( الحكاية الحادية والسبعون بعد الأربع مئة عن بعضهم ) حكى أنه خرج سيدي أحمد قدّس اللّه روحه ليلة وقت السحر يتوضأ بين النخيل ، فمرّت به سفن مصعدة فيها الشحنة ، وجماعة من أتباع ديوان واسط ، ومعهم جماعة من المدادين وخلفهم جندي من أتباع الديوان ، فلما نظر الجندي إلى سيدي أحمد قال له : أي شيخ قم معنا ، فقام ومشى قدامهم ، فأدخله مع المدادين ، فمر
سيدي أحمد معهم حتى وصل إلى القرية المعروفة ببذرية ، بالباء الموحدة والذال المعجمة والراء والياء المثناة من تحت ، وقت صلاة الصبح ، فرآه فقير ، فصاح واستغاث ، فاجتمع الفقراء حوله وأكثروا الضجيج ، فلما علم أصحاب السفينة أنه سيدي أحمد انزعجوا مما وقع منهم ، وعظم عليهم ، وجاءوا إليه ووقفوا بين يديه معتذرين مما جرى لهم ، فقال لهم : أي سادة وحياتكم ما كان إلا الخير ، قضينا لكم حاجة وكسبنا الحسنة وما ضرّ نفسي ، وأنا ما أزال جالسا في الرواق ما أعمل شيئا ، وأنتم تسخرون ضعيفا أو من له صنعة وتبطلونهم من صنائعهم وتأثمون فيهم ، فإذا عرض لكم حاجة بعد فأعلمونى حتى أساعدكم إلى أن أتعب فأرجع ، فقالوا نحن نستغفر اللّه مما جرى ، فتوّبنا وارض عنا ، فتوّبهم وقال لهم رضى اللّه عنكم وعنا ، ثم دعا لهم وودعهم فقال له الجندي الذي سخره : أي سيدي هؤلاء القوم رضيت عنهم ، فالبعيد الشقي كيف يكون حاله ؟ فقال له اللّه تعالى يرضى عنك ، فقال له : أي سيدي توّبنى ، فأخذ العهد عليه وتوّبه وقال له : ربنا يشهد علينا أننا إخوة دنيا وأخرى ، ثم صعدوا إلى واسط ، فترك الجندي خدمة أبناء الدنيا والملوك ورجع إلى سيدي أحمد فأخبره بترك الخدمة ، ولازم طاعة اللّه سبحانه وتعالى ، وصار من خيار الناس رحمة اللّه تعالى عليه ورضوانه . ( الحكاية الثانية والسبعون بعد الأربع مئة : عن بعض الأخيار ) قال : سمعت بالشيخ أبى الفضل بن الجوهري المصري قدّس اللّه روحه ، فخرجت من بلدي وعقدت النية لزيارته فدخلت مصر يوم جمعة فحضرت مجلس وعظه مع جملة الناس ، فإذا بشيخ بهىّ المنظر مليح المخطر عليه رياش وأثواب رفيعة وعمامة شرب وطيلسان كذلك ، وله همة عالية وقباء واسع ، أو قال ودنيا واسعة ، فقلت في نفسي هذا ابن الجوهري الذي قيل فيه ما قيل ، وسارت الركبان بصلاحه ودينه وورعه وكثرة صفاته وقوّة إيمانه وصفاء يقينه ، وهو على هذا الزىّ واللباس ، فبقيت متعجبا من ذلك ومضيت وتركته على تلك الحال ، فبينما أنا سائر في بعض أزقة مصر وشوارعها إذا بامرأة تصيح بأعلى صوتها وتنوح وتبكى وتقول : وا مصيبتاه ، وا بنتاه ، وا فضيحتاه ، فتقدمت إليها رحمة لها مما تعمل بنفسها ، وقلت مالك أيتها المرأة وما قصتك ؟ فقالت لي يا سيدي أنا امرأة
من أرباب البيوتات ولم يكن لي من الأولاد سوى بنية واحدة ، فربيتها بجهدي وحفظتها بكليتى إلى أن ترعرعت واستوت ، فخطبها منى رجل من المسلمين وصلاح العالمين ، فعلمت أنه كفء لها فزوّجتها به وهذه ليلة دخولها على بعلها ، وقد اعترض لها عارض من الجانّ فأذهب عقلها ، فقلت لها شفقة عليها ورحمة لها : لا بأس عليك فعلىّ دواؤها وإصلاح شأنها بلا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم ، فسكن ما بها ومضت قدامي ، فلم أزل أتبع أثرها إلى أن أتت بي إلى دار عالية البنيان مليحة الأركان ، فأذنت لي ، فصعدت إلى مجلس فيه من جميع الأفنان مما يصلح لأهل العرس والولدان ، فأمرني بالجلوس فجلست ، وإذا بابنتها تلتفت يمينا وشمالا مما حلّ بها من أمر الجان بحكم العزيز المنان مع ما فيها من الحسن والجمال ، فقرأت عليها عشر آيات من القرآن على السبع القراءات ، فتكلم عند ذلك الجان بلسان فصيح يسمعه القريب والبعيد وقال : يا شيخ أبا بكر لا تفتخر علينا بقراءتك على الروايات السبع ، فنحن سبعون صنفا من الجن الذين أسلمنا على يد علىّ رضى اللّه عنه يوم بئر ذات علم ، ونحن جئنا في يومنا هذا نصلى وراء الشيخ صالح أبى الفضل بن الجوهري الذي احتقرته وظننت به ما ظننت ، فاستغفر اللّه تعالى من ذلك ، ودارك غفلتك ؛ بالتوبة إلى ربك فبينما نحن عابرون على دار هذه الصبية لأجل الصلاة وراء الشيخ الصالح في هذا اليوم الشريف اعترضتنا ، فرمت علينا نجاسة ، فسلم أصحابي وتنجست أنا وأحرمتنى الصلاة خلف الشيخ الولىّ ، ففعلت بها ما رأيت غضبا عليها ، فقلت له بحرمة هذا الشيخ الصالح الذي جئتم إليه من أجل الصلاة وراءه إلا خرجت عنها ، فقال لي سمعا وطاعة ، فخرج عنها في الحال وعوفيت الصبية من ساعتها ، وأرخت قناعها على وجهها استحياء منى ، كأن لم يكن بها شئ ، ففرحت والدتها بذلك فرحا شديدا ، وقالت جزاك اللّه عنا خيرا ، وسترك كما سترتنا ، ثم خرجت في ساعتي وقد عقدت النية على زيارة الشيح المذكور ، فلما رآني مقبلا إليه تبسم ضاحكا وقال لي : أهلا وسهلا بالشيخ أبى بكر الذي ما صدق بخبرنا حتى أخبره الجان عنا ، فوقعت عند كلامه هذا مغشيا علىّ ، وأقمت في السماع مدة ، ولزمت صحبة الشيخ في زاوية من رباطه بعد أن تبت إلى اللّه عزّ وجلّ أن لا أنكر كرامات الصالحين ، رضى
اللّه تعالى عنهم ونفعنا بهم أجمعين * قلت : وبلغني أن الشيخ الكبير العارف باللّه أحمد بن الجعد اليمنى زار في بدايته الشيخ الكبير العارف باللّه تعالى عيسى المعروف بالهتار اليمنى ، فرأى عليه ثيابا جميلة وبزة حسنة ، فتغير اعتقاده ورجع إلى خلفه ، فناداه الشيخ عيسى : تعال يا غلام إني لم ألبس هذه حتى أبليت في اللّه تعالى كذا وكذا جلدا ؛ فزال عنه ذلك ، وأتى إليه وسلم عليه ، وطلب منه الدعاء رضى اللّه تعالى عنهما آمين . ( الحكاية الثالثة والسبعون بعد الأربع مئة عن سفيان الثوري ) حكى أن سفيان الثوري رضى اللّه تعالى عنه : كلمه أصحابه لما رأوا ما هو عليه من شدّة الخوف وكثرة المجاهدة والجهد ، فقالوا له يا شيخ لو نقصت عن هذه المجاهدة التي نراها بك نلت مرادك إن شاء اللّه تعالى ، فقال لهم كيف لا أجتهد كل الاجتهاد وقد بلغني أن أهل الجنة يكونون في منازلهم ، فيتجلى لهم نور عظيم تضئ له الجنان الثمان من شدة ضيائه وحسن بهائه ، فيظنون أن ذلك نور من قبل الرحمن سبحانه وتعالى فيخرّون ساجدين ، فينادى مناد : ارفعوا رؤوسكم ليس هو الذي تظنون إنما هو نور حورية تبسمت في وجه زوجها ، فظهر من تبسمها هذا النور ، فليس يا إخواني يلام من اجتهد في طلب الحور الحسان ، فكيف بمن يطلب المولى الرحمن ؟ ثم أنشأ يقول : ما ضرّ من كانت الفردوس منزله * ماذا تحمل من بؤس وإقتار تراه يمشى نحيلا خائفا وجلا * إلى المساجد يسعى بين أطمار يا نفس ما لك من صبر على النار * قد حان أن تقبلى من بعد إدبار ( الحكاية الرابعة والسبعون بعد الأربعة مئة : عن أبي سليمان الدارانى رضى اللّه عنه ) قال : قصدت سنة من السنين الحج إلى بيت اللّه الحرام وزيارة قبر نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام على قدم التجريد ، فبينما أنا سائر في بعض الطريق إذا أنا بشاب حسن الثياب من أهل العراق سائر يقصد معي ما أقصد ، فكان إذا سارت الرفقة قرأ كتاب اللّه تعالى ، وإذا نزلوا صلى ، وهو مع ذلك نهاره صائم وليله قائم ، لم يزل هذا دأبه حتى وصلنا مكة شرّفها اللّه تعالى ، فأراد الشاب مفارقتي وتوديعى ، فقلت له يا بنىّ ما الذي هيجك لما رأيته
منك ؟ فقال يا أبا سليمان لا تلمني ، فإني رأيت في منامي قصرا من قصور الجنة مبنيا بلبنة من ذهب ولبنة من فضة ، وكذلك شراريفه ، وبين كل شرافتين حورية لم ير الراءون مثلها لما بها من الحسن والجمال والبهاء والكمال ، وقد أرخين ذوائب شعورهن ، فتبسمت إحداهن في وجهي فأنارت الجنة بنور ثناياها ، ثم قالت يا فتى جدّ للّه تبارك وتعالى في طلبي لأكون لك وتكون لي ، ثم استيقظت من منامي ، فهذه قصة حالي ، فحقيق علىّ يا أبا سليمان أن أجدّ ، فمن جدّ وجد ، وما رأيته منى من الاجتهاد فهو في خطبة حورية ، قال فسألته الدعاء ، فدعا لي وآخانى في اللّه تعالى ثم سارعنى قال أبو سليمان فعاتبت نفسي فقلت : يا نفس تيقظى واسمعى هذه الإشارة التي هي بشارة ، إذا كان هذا الاجتهاد كله في طلب حورية ، فكيف بمن يطلب ربّ الحورية عزّ وجلّ ؟ * قال المؤلف أحسن اللّه تعالى خاتمته : هذه المنامات التي يراها الصالحون أسرار يظهرها الحقّ سبحانه لهم في مرآة القلوب الصافية بالرؤيا الصالحة التي هي جزء من أجزاء النبوّة يبشرهم ويعظهم بها ليزدادوا جدّا وزهدا ، وليسوا كأمثالنا الذين نوعظ ولا نتعظ * ومن المواعظ العجيبة ما اتفق في أيام سماع هذا الكتاب علىّ وذلك أنّ بعض الناس قالت له نفسه : ليت أحدا يبيعك جارية للتسرى ويصبر عليك بثمنها إلى الموسم ثم تبيعها ، فبينما هو يتمنى ذلك إذ جاءه بعض الفقراء المباركين قبل أن يطلع على ذلك أحد غير اللّه سبحانه وتعالى ، فقال له رأيت في المنام كأنك في قبة يعلوها نور وكأن عندك جارية ، وكأنّ خارج القبة سبعا من الحور العين ذوات جمال فائق ورؤية فاخرة وهن مشتاقات إليك ، قالت واحدة منهنّ وهي تشير إليك هذا الشيخ مجنون أنا أعشقه وهو يعشق هذه الجارية * قلت وفي هذا المعنى أقول : يا عاشقا للغوانى مغرما بهوى * دار الغرور وعيش شيب بالكدر إن الغوانى الحسان الحور مسكنها * دار السرور على فرش على السرر في سندس الفرش أقمار على سرر * من اليواقيت في قصر من الدرر يشاهد المخ في الساقين ناظرها * من فوق سبعين ملبوسا من الحبر قد طرن شوقا إلى أزواجهنّ كما * يشتاق للغائب المحبوب في السفر
الحكاية الخامسة والسبعون بعد الأربع مئة عن بعض الصالحات ) حكى أن بعض الصالحات وهي شعوانة رضى اللّه تعالى عنها رزقت ولدا ، فربته أحسن تربية ، فلما كبر ونشأ قال لها : سألتك باللّه يا أماه إلا ما وهبتنى للّه سبحانه وتعالى فقالت يا بنىّ إنه لا يصلح أن يهدى للملوك والرؤساء إلا أهل الأدب والتقى ، وأنت يا ولدى غرّ لا تعرف ما يراد بك ، ولم يأن لك ذلك ، فأمسك عنها ولم يقل لها شيئا فلما كان ذات يوم خرج إلى الجبل ليحتطب ومعه دابة له ، فلما توسط الجبل نزل عن الدابة وأقبل يحتطب ويجعل في حبله حتى جمع حزمة وربطها ، وجاء يطلب الدابة ليحمل عليها الحطب ، فوجد السبع قد افترسها ، فجعل يده في رقبة السبع وقال له يا كلب وحقّ سيدي لأحملنك الحطب كما تعديت على دابتي ، فحمل على ظهره الحطب وجعل يقوده وهو طائع لأمره حتى وصل إلى دار أمه ، فقرع عليها الباب فقالت : من بالباب ؟ فقال ولدك الفقير إلى رحمة اللّه ربّ الأرباب ، ففتحت له ، فلما رأت الحطب على ظهر الأسد ، قالت يا بنىّ ما هذا ؟ فحكى لها القصة ، فسرّت بذلك وعلمت أن اللّه جلّ جلاله قد عنى به واصطفاه لخدمته ، فقالت له أما الآن يا بنىّ فقد صلحت لخدمة الملوك ، اذهب فقد وهبتك للّه عزّ وجلّ وأنت وديعتي إياه ، فودّعها وشيعته بالدعاء ، ثم أنشأت تقول : جعل الرضا لسباقه ميدانا * فجرى وأطلق من يديه عنانا فتقدّم السباق في غسق الدجى * يطوى القفار ويطلب الأوطانا هجر الخلائق والعلائق في رضا * محبوبه وتجنب الإخوانا شرب الظما حتى تعطش قلبه فغدا * وراح من بعد الظما ريانا رضى اللّه تعالى عنهما ونفعنا بهم وجميع الصالحين . ( الحكاية السادسة والسبعون بعد الأربع مئة عن ذي النون المصري رضى اللّه تعالى عنه ) قال : كنت في البادية قاصدا مكة ، فغلبنى العطش ، فملت إلى حىّ بنى مخزوم ، فرأيت جارية صغيرة حسناء جميلة وهي تترنم بالأشعار ، فعجبت منها لصدور ذلك عنها وهي من جملة الصغار ، فقلت لها : يا هذه الجارية أما فيك حياء ؟ فقالت يا ذا النون ، إني شربت البارحة بكأس الحب
مسرورة ، فأصبحت اليوم في حبّ مولاي مخمورة ، فقلت لها يا جارية أراك حكيمة فأوصينى بوصية ، فقالت يا ذا النون عليك بالسكوت ، والرضا من الدنيا بالقوت حتى تزور في الجنة الحىّ الذي لا يموت ، فقلت لها هل عندك ماء ؟ فقالت أنا أدلك على الماء ، فظننت أنها تدلني على بئر ماء أو عين ، فقلت نعم ، فقالت إن الناس يسقون يوم القيامة على أربع مراتب : ففرقة تسقيهم الملائكة قال اللّه تعالى ( بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ ) . وفرقة يسقيهم رضوان خازن الجنة قال اللّه تعالى ( وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ ) . وفرقة يسقيهم المولى جلّ جلاله وهم الخواصّ من عباده قال اللّه تعالى ( وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً ) فلا تعط سرّك في دنياك غير مولاك حتى يسقيك مولاك عقباك ، رضى اللّه عنها * قلت : هكذا وقع في الأصل ذكر ثلاث فرق وليس فيه ذكر الرابعة ، ولعلّ ذلك - واللّه أعلم - وفرقة تسقيهم الولدان قال عزّ من قائل ( يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ ) وتكون هذه الفرقة في الترتيب غير الأخيرة ، وتكون الأخيرة هي الفرقة التي سقاهم ربهم شرابا طهورا ، لأن الختام لا يكون إلا بالأفضل الأشرف الأكمل ، واللّه سبحانه وتعالى أعلم . ( الحكاية السابعة والسبعون بعد الأربع مئة : عن ذي النون أيضا رضي اللّه عنه ) قال : بينا أنا أطوف إذ لمع نور فلحق بعنان السماء ، فتعجبت منه ، فأتممت طوافى وأسندت ظهري إلى الكعبة أفكر في ذلك النور ، فسمعت صوتا شجيا بنغمة حسنة فتبعت الصوت فإذا أنا بجارية متعلقة بأستار الكعبة وهي تقول : أنت تدرى يا حبيبي * من حبيبي ؟ أنت تدرى ونحول الجسم والدم * ع يبوحان بسرّى قد كتمت الحب حتى * ضاق بالكتمان صدري قال : فلما سمعت قولها انتحبت وبكيت ، ثم قالت إلهي وسيدي ومولاي ، بحبك لي إلا ما غفرت لي ، فقلت يا جارية ما يكفيك أن تقولي بحبي تقولي بحبك لي ، فمن أين علمت أنه يحبك ؟ قالت إليك عنى يا ذا النون ، أما علمت أن للّه تبارك وتعالى أقواما يحبهم ويحبونه ، أحبهم قبل أن يحبوه ؛ أما علمت قول الحقّ سبحانه وتعالى ( فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ) فسبقت محبته لهم قبل محبتهم له ، فقلت لها من أين علمت أنى ذو النون ؟ فقالت يا
بطال جالت القلوب في ميدان الأسرار ، فعرفتك بمعرفة العزيز الجبار ، فقلت إني أراك ضعيفة البدن نحيلة الجسم ، فهل بك علة ؟ فأنشأت تقول : محبّ اللّه في الدنيا عليل * تطاول سقمه فدواه داه كذا من كان للبارى محبا * يهيم بذكراه حتى يراه ثم قالت انظر من خلفك ، فالتفتّ ورائي فلم أجد أحدا ، فرددت وجهي نحوها فلم أرها ، ولم أر أين ذهبت وأنا في كل وقت أتوسل إلى اللّه عزّ وجلّ بها فأرى ببركتها القبول والإجابة رضى اللّه تعالى عنها ونفعنا بها آمين . ( الحكاية الثامنة والسبعون بعد الأربع مئة : عن بعض الصالحين ) قال : كنت متوجها من منى إلى عرفات ، فلقيتنى جارية عليها مسح من شعر وقناع من صوف ، وبيدها سبحة وعكاز ، وعلى وجهها نور الطاعة والعبادة ، وهي مهرولة في مشيتها تقول اللّه اللّه ، فقلت في نفسي هذه جارية مدعية ، فقالت ( يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ ) * فعلمت أنها ولية للّه تعالى فقلت لها : يا جارية كلى بكلك بك مشغول ، فقالت : يا مسكين وكلى لكلك مبذول ، ولكن ورائي من هو أحسن منى ، فالتفتّ فلم أر أحدا ، فقالت بعلوّ صوتها يا مدعى يا كذاب ما هكذا فعل الأحباب بالأحباب ، أما الأول فإنك أسأت الظن بخدام ربّ الأرباب ، وأما لو جئت إليه حقا وعرفته صدقا لأوقفك على بابه لما رأيناك من بعيد حسبناك عابدا ، فلما رأيناك من قريب حسبناك عارفا ، فلما كلمتنا حسبناك عاشقا ، ولو كنت عابدا له ما اشتغلت بغيره ، ولو كنت عارفا به ما رجعت منه إلينا ، ولو كنت عاشقا لنا ما رجعت منا إلى سوانا ، ثم هربت عنى مسرعة وهي تقول : ما مع اللّه سوى اللّه حتى غابت عنى ، رضى اللّه تعالى عنها . وحكى عن الشبلي رضي اللّه عنه : أنه أتاه جماعة من المارستان ، فقال لهم إيش أنتم ؟ فقالوا محبوك يا أبا بكر ، فرماهم بالحجارة فهربوا ، فقال يا كذّابون أين المحبة ؟ لو صدقتم في محبتكم لما هربتم ، رضى اللّه تعالى عنه ونفعنا به آمين . ( الحكاية التاسعة والسبعون بعد الأربع مئة عن امرأة عابدة ) حكى أنه كان في بني إسرائيل امرأة عابدة ، وكانت ابنة ملك من ملوكهم ، فخطبها رجل من أبناء الملوك فأبت أن تتزوّج به ، ثم قالت لجارية لها انطلق والتمسى لي رجلا
ورعا زاهدا ناسكا فقيرا ، فانطلقت الجارية فوجدت فقيرا عابدا ورعا ، فجاءت به إلى مولاتها ، فقالت له إن شئت أن تتزوّج بي ذهبت معك إلى من يعقد نكاحي عليك ، ففعل ، فعقدوا النكاح ، ثم قالت له انطلق بي إلى أهلك ، فقال واللّه ما أملك إلا هذا الكساء الذي على ظهري هو دثارى بالليل ولباسى بالنار ، فقالت إني قد رضيت بك على ذلك ، فانطلق بها إلى أهله ، وكان يكسب بالنهار ويأتيها بالليل بما تفطر عليه ، ولم تكن تفطر بالنهار بل تصوم تطوّعا للّه تعالى ، وكان إذا أتاها بشئ أفطرت عليه وحمدت اللّه تعالى على كل حال ، قالت الآن تفرّغت للعبادة ، فلما كان ذات يوم لم يفتح عليه بشئ يأتيها به ، ففزع من ذلك وشقّ عليه وقال : زوجتي جالسة في بيتها وهي صائمة تنتظر أن آتيها بشئ تفطر عليه ، فقام فتوضأ وصلى ودعا ربه تبارك وتعالى وقال : يا ربّ إنك تعلم أنى ما أسألك لدنياى وإنما ذلك لرضا زوجة صالحة ، اللهم ارزقني رزقا من لدنك فإنك خير الرازقين ، قال فنزلت عليه لؤلؤة من السماء ، فأخذها وذهب بها إلى امرأته ، فلما نظرت إليه راعها ذلك وقالت له : من أين أتيت بهذه اللؤلؤة التي لم أر مثلها قط عند أهلي ؟ فقال لها طلبت اليوم قوتا فلم يفتح لي بشئ ، فقلت امرأتي جالسة في بيتها تنتظر ما آتيها به تفطر عليه وهي بنت ملك ولا أقدر أذهب إليها بغير شئ ، فدعوت ربى سبحانه وتعالى فرزقنى هذه اللؤلؤة من السماء ، فقالت ارجع إلى مكانك الذي دعوت اللّه تعالى فيه فابتهل إليه واسأله وقل : اللهمّ سيدي ومولاي إن كان هذا شيئا رزقتنا في الدنيا فبارك لنا فيه ، وإن كان مما ادخرته لنا في الآخرة الباقية فارفعه ، ففعل الرجل ذلك ، فرفعت اللؤلؤة ، فرجع إليها فأخبرها بذلك ، فقالت الحمد للّه الذي أرانا ما ادخر لنا في الآخرة ، ثم قالت لا أبالي الآن أن لا أقدر على شئ من هذه الدار الفانية ، وشكرت اللّه تعالى على ذلك رضى اللّه تعالى عنهما . ( الحكاية الثمانون بعد الأربع مئة : عن أحمد بن عبد اللّه المقدسي رحمه اللّه تعالى ) قال : صحبت إبراهيم بن أدهم رضى اللّه تعالى عنه ، فسألته عن بداية أمره وما كان سبب انتقاله من الملك الفاني إلى الملك الباقي ؟ فقال لي : أخي كنت جالسا في أعلى قصر مملكتي والخوّاص قيام على رأسي ، فأشرفت من الطاق فرأيت رجلا من الفقراء جالسا بفناء القصر وبيده رغيف يابس ،
فبله بالماء بملح جريش وأنا أنظر إليه إلى أن فرغ من أكله ، ثم شرب شيئا من الماء ، وحمد اللّه تعالى وأثنى عليه ونام في فناء القصر ، فألهمني اللّه سبحانه الفكر فيه ، فقلت لبعض مماليكي إذا قام ذلك الفقير فائتني به ، فلما انتبه من نومه ، قال له الغلام : يا فقير إن صاحب هذا القصر يريد أن يكلمك ، فقال بسم اللّه وباللّه توكلت على اللّه ، ولا حول ولا قوّة إلا باللّه العلىّ العظيم وقام معه ودخل علىّ ، فلما نظر إلىّ سلم علىّ ، فرددت عليه السلام وأمرته بالجلوس فجلس ، فلما اطمأن قلت له : يا فقير أكلت وأنت جائع فشبعت ؟ قال نعم ، قلت وشربت الماء على شهوة فرويت ؟ قال : نعم ، قلت ثم نمت طيبا بلا هم ولا غمّ فاسترحت ؟ قال نعم فقلت في نفسي وأنا أعاتبها يا نفس ما أصنع بالدنيا والنفس تقنع بما رأيت وسمعت ، فعقدت التوبة في تلك الساعة مع اللّه تعالى فلما انصرم النهار وأقبل الليل لبست مسحا من الشعر وقلنسوة من الصوف وخرجت حافيا سائحا إلى اللّه تعالى ، فلحقني رجل حسن الوجه والثياب طيب الرائحة فتقدمت إليه وصافحته وسلمت عليه ، فرد علىّ السلام وقال لي يا إبراهيم أين تريد ؟ فقلت هربت منه إليه ، فقال لي أنت جائع ؟ قلت نعم ، فقام الشيخ وصلى ركعتين خفيفتين وقال لي قم فصل كما صليت ، ففعلت ذلك ، والتفتّ فإذا عن يمينه طعام موضوع وماء بارد ، فقال يا ابن أدهم تقدم وكل من فضل اللّه تعالى واشكر ربك على ذلك ، فتقدمت وأكلت من الطعام كفايتى وهو باق على حاله ، وشربت من ذلك الماء وحمدت اللّه تبارك وتعالى ، فقال لي الشيخ يا ابن أدهم اعقل وافهم ولا تستعجل في أمورك فإن العجلة من الشيطان ، واعلم أن اللّه تعالى إذا أراد بالعبد خيرا اصطفاه لنفسه وجعل في قلبه سراجا من نور قدسه يفرّق به بين الحقّ والباطل ، ويبصر به عيوب نفسه ، وإني أريد أن أعلمك اسم اللّه الأعظم ، فإذا أنت جعت أو عطشت فادع اللّه تعالى به فإنه سيشبعك ويرويك . يا ابن أدهم إذا جالست الأخيار والفقراء فكن لهم أرضا يطئونك ، ولا تغضبهم فإن اللّه عزّ وجلّ يغضب لغضبهم ويرضى لرضاهم ، قال ثم علمني الاسم الشريف المنيف ، ثم قال استودعتك اللّه الحىّ القيوم الذي لا يموت ، ثم حجب عنى ، فأخذت الطريق فإذا أنا بفتى حسن الوجه طيب الرائحة مليح البزة ، فسلمت عليه ، فردّ علىّ السلام وقال :
ما حجتك يا ابن أدهم ، ومن لقيت في سفرك هذا ؟ فقلت لقيت شيخا من صفته كذا وكذا ، فبكى الفتى وأبكاني ، فقلت له : يا سيدي أقسمت عليك باللّه تعالى ، من ذلك الشيخ ومن أنت ؟ قال : أما الشيخ فأخى إلياس ، وأنا أبو العباس الخضر عليهما السلام ، قال ففرحت فرحا شديدا والتزمته إلى صدري وقبلت ما بين عينيه وصافحته وسألته الدعاء ، فدعا لي بالثبات والعصمة ، ثم غاب عنى فلم أدر أين ذهب فهذه قصة حالي في ابتداء أمرى رضى اللّه تعالى عنه ونفعنا به آمين * قلت : هذه إحدى الروايتين في بداية أمره ، والرواية الأخرى هي المشهورة ، وهي ما قدمنا في أول الكتاب أنه خرج يصطاد فهتف به هاتف على ما تقدم ، واللّه تعالى أعلم . ( الحكاية الحادية والثمانون بعد الأربع مئة : عن محمد بن يعقوب الخراساني رضى اللّه تعالى عنه ) قال : خرجت من بلدي على نية السياحة والتوكل ، فلم أزل على ذلك إلى أن أتيت بيت المقدس ، ثم وقفت في مغارة في تيه بني إسرائيل ، فمكثت أياما لم أطعم طعاما ولم أشرب شرابا حتى أشرفت على الموت فبينا أنا كذلك إذ رأيت راهبين يسيران وهما أشعثان أغبران ، فملت إليهما وسلمت عليهما وقلت لهما أين تريدان ؟ فقالا لا ندري ، فقلت أفتدريان أين أنتما ؟ فقالا نعم نحن بمملكته وبين يديه ، قال فأقبلت على نفسي بالملامة والمعاتبة أقول لها : يا نفس هذان الراهبان قد ثبتا على التوكل درنك مع كونهما كافرين ، ثم قلت لهما أما تأذنان لي في صحبتكما ؟ قالا يكون خيرا إن شاء اللّه تعالى ، قال فسرنا جميعا ، فلما أمسينا قاما إلى صلاتهما ومعبودهما ، وقمت إلى صلاتي ومعبودى ، فصليت المغرب بالتيمم ، فنظرا إلىّ وقد تيممت بالتراب ، فتبسما ضاحكين ، فلما فرغا من صلاتهما بحث أحدهما الأرض بيده ، فإذا بالماء قد ظهر كأنه اللؤلؤ على الصفا ، فبقيت باهتا ، ثم التفت فإذا بطعام موضوع عن يمينه فتعجبت من ذلك ، فقالا لي مالك باهتا متعجبا ، تقدم وتناول من الطعام الحلال ، واشرب من بارد هذا الماء الزلال ، واعبد ربك الكريم ذا الجلال ، قال فتقدمت وأكلنا جميعا من الطعام وشربنا من الماء ، ثم توضأت للصلاة وقضيت صلاتي ، ثم غار الماء كأنه لم يكن ، فقاما إلى صلاتهما وقمت إلى صلاتي في جانب آخر حتى أصبح الصباح ، ثم قاما يسيران ، فسرت
معهما إلى الليل ، فلما أمسينا تقدم الراهب الثاني فصلى ودعا بدعوات خفية ، ثم بحث الأرض بيده فنبع الماء كما نبع لصاحبه ، وإذا بطعام موضوع عن يمينه ، ثم قال لي تقدم وكل واشرب واعبد ربك ، فأكلنا وشربنا وتوضأنا للصلاة ، ثم غار الماء كأنه لم يكن ، فلما كانت الليلة الثالثة قالا لي يا محمدي الليلة ليلتك والنوبة نوبتك ، قال فاستحييت من قولهما وداخلني من ذلك أمر عظيم ، فقلت لهما يكون خيرا إن شاء اللّه تعالى ، ثم عدلت عنهما إلى جانب وصليت ركعتين وقلت : اللهمّ سيدي ومولاي إنك تعلم أن ذنوبي كثيرة لم تدع لي عندك جاها ولا وجها ولكن أسألك بالوجيه الكريم ذي الجاه الجسيم محمد عليه أفضل الصلاة والسلام أن لا تخجلنى بينهما ؛ فلما فرغت من دعائي التفت فإذا أنا بعين ماء جارية وطعام عن يميني موضوع ، فقلت لهما تقدما وكلا من فضل اللّه تعالى ، فتقدما وأكلنا وشربنا وحمدنا اللّه على كل حال ، ولم نزل على ذلك إلى أن بلغت النوبة الثانية ، فدعوت اللّه تعالى بمثل ما دعوته أولا ، فإذا أنا بالماء قد نبع والطعام قد حضر ، فلما بلغت النوبة الثالثة دعوت اللّه تعالى بمثل ما دعوت به فيما تقدم فإذا بطعام اثنين وشراب اثنين ، فانكسر فلبى فقالا لي يا محمدي من أين حدثت عليك هذه الحادثة ، أما ترى في طعامك وشرابك تقصيرا ؟ فقلت لهما : أما تعلمان أن هذا الأمر مردود إليه ، ونحن تحت حكمه ومشيئته ، وديننا ومذهبنا ، يقتضى ذلك ، أعنى عسرا ويسرا ، وشدة ورخاء ، ومنعا وعطاء ، حتى يجرّب صبرنا ، فقالا لي صدقت يا محمدي إن هذا ربّ عظيم ودين سليم مدّ يدك فنحن نشهد أن لا إله إلا اللّه ، ونشهد أن محمدا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأن دين الإسلام حقّ وما سواه باطل ، فقلت لهما يا إخوتاه هل لكما أن نمضى إلى بعض المدن برسم الجمعة والجماعة ، فالجمعة حجّ المساكين فقالا لي ذلك رأى سديد وفعل رشيد ، فبينما نحن نسير على عزم ذلك إذ أشرفنا على عمارة وكانت ليلة مظلمة ، وإذا نحن ببيت المقدس ، فدخلناه وأقمنا به مدة طويلة نعبد اللّه تعالى ورزقنا يأتينا من حيث لا نحتسب ، إلى أن قضيا نحبهما وقدما على ربهما ، رضى اللّه تعالى عنهما . ( الحكاية الثانية والثمانون بعد الأربع مئة عن معروف الكرخي ) حكى أن معروفا الكرخي رضى اللّه تعالى عنه مرّ على شاطئ الدجلة ، فجلس ليتوضأ ،
فوضع مصحفه وثوبه ، فجاءت امرأة فأخذتهما ، فتبعها معروف حتى لحقها في مكان خال لئلا يهتكها ، فقال لها لا بأس عليك أيتها المرأة أنا معروف الكرخي ، يا أختي هل لك ولد يقرأ ؟ قالت لا ، قال فزوج ؟ قالت لا ، قال فأخ ؟ قالت لا ، قال فادفعى إلىّ المصحف وخذي الثوب وأنت منه في حلّ دنيا وآخرة ، فاستحيت المرأة منه حياء شديدا ، ثم قالت أنا تائبة إلى اللّه عزّ وجلّ لا أعود إلى مثلها أبدا ، ففرح معروف بتوبتها وخصها بدعوة ومضى كل منهما لسبيله ، وحلت عليها بركة معروف رحمة اللّه تعالى عليهما * حكى أن الربيع بن خيثم رضى اللّه تعالى عنه كان ذات يوم قائما يصلى وفرسه مربوطة قدامه ، فجاء سارق فحلّ الفرس وركبها ومضى وهو يراه ، فلم يقطع صلاته وكانت قيمة الفرس عشرين ألف درهم ، فجاءه أصحابه يلومونه ويقولون له يا ربيع إيش هذا التفريط ، تنظر السارق يأخذ جوادك وأنت ساكت ، أما كنت تقطع الصلاة وتسترده منه ثم تعود إلى صلاتك فقال لهم يا قوم كنت فيما هو أهمّ علىّ ، أو قال أحبّ إلىّ من الفرس ومن مئة ألف فرس ، وقد جعلته في سبيل اللّه تعالى ، رضى اللّه تعالى عنه * قلت : وبلغني أن الشيخ الإمام محيي الدين النووي رضى اللّه تعالى عنه خطف سارق عمامته وهرب ، فتبعه الشيخ وصار يعدو خلفه ويقول له : ملكتك إياها قل قبلت ، والسارق ما عنده خبر من ذلك . ( الحكاية الثالثة والثمانون بعد الأربع مئة عن ذي النون المصري ) حكى عن ذي النون رضي اللّه عنه أنه قال : رأيت بعض أصحابي في النوم بعد موته ، فقلت له ما فعل اللّه بك ؟ قال غفر لي ببركتك محبتي فيك ، وأدخلني الجنة ، وعرض علىّ منازلى فيها ، قال ذلك ووجهه حزين ، فقلت له مالي أراك حزينا وقد دخلت الجنة وتنعمت فيها ؟ فتنفس الصعداء ثم قال : يا ذا النون لا أزال حزينا إلى يوم القيامة ، قلت ولم ذلك ؟ قال لما رأيت منازلى في الجنة رفعت لي مقامات في عليين ما رأيت مثلها ، فلما رأيتها فرحت فرحا شديدا وهممت بدخولها ، فناداني مناد من فوقها اصرفوه عنها فليس له هذه ، إنما هذه لمن أمضى السبيل في سبيل اللّه تعالى ، يعنى كلما أصابه شئ من أمور الدنيا قال في سبيل اللّه ثم لا يرجع فيه ، فلو كنت أمضيت السبيل لأمضينا لك النيل رحمه اللّه تعالى * وعن أبي الحسن الدمشقي رحمة اللّه تعالى عليه قال
رأيت منصور بن عمار الواعظ رضي اللّه عنه في المنام ، فقلت له ما فعل اللّه تعالى بك ؟ فقال لي قال ربى جل جلاله وتقدست أسماؤه : يا منصور بن عمار فقلت له نعم يا ربّ ، فقال أنت الذي كنت تزهد الناس في الدنيا وترغبهم في الآخرة ؟ قلت قد كان ذلك يا ربّ ، ولكني ما جلست مجلسا إلا وبدأت بالثناء عليك ، وثنيت بالصلاة على نبيك محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، وثلثت بالنصيحة لعبادك ، فقال صدقت ضعوا له كرسيا يمجدنى في سمائي بين ملائكتي كما كان يمجدنى في أرضى بين عبادي ، رضى اللّه تعالى عنه . قلت هكذا هو في الأصل الذي نقلت منه تزهد الناس في الدنيا وترغبهم في الآخرة ، وقد كنت رأيته في كتاب آخر تزهد الناس في الدنيا وترغب أنت فيها ، وهذا هو المطابق لسياق هذا الكلام ، لأنه مشعر بنوع ملام ، فاستدركه بما ذكر فيه من الأشياء المحمودة المقام رضي اللّه عنه . ( الحكاية الرابعة والثمانون بعد الأربع مئة عن بعضهم ) حكى أنه أمسك الغيث عن بغداد حتى كاد أهلها يهلكون ، فاغتسلوا وتطهروا وخرجوا إلى الصحراء يسألون اللّه عزّ وجلّ أن يسقيهم غيثه يوما بعد يوم فلم يسقوا ، وكان ذلك في خلافة هارون الرشيد رحمه اللّه تعالى ، فبينما هم كذلك يلوذون ويتوسلون إذا برجل قد أقبل من صدر البرية أشعث أغبر ذي طمرين ، ومعه ثلاث بنات عذارى كأحسن البنات ، ووقف في أطراف الناس وسلم عليهم ، فردوا عليه السلام ، فقال يا قوم ما لكم وقوفا مجتمعين ؟ فقالوا يا شيخ إنا دعونا اللّه عزّ وجلّ أن يسقينا غيثه فلم يسقنا ، فقال يا قوم أهو غائب عنكم في المدينة حتى خرجتم إلى الصحراء ، أليس هو سبحانه وتعالى في كل مكان موجودا ، أما قال تبارك وتعالى في محكم تنزيله ( وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) فبلغ هارون الرشيد خبره ، فقال هذا الكلام رجل بينه وبين مولاه سريرة ، ثم قال ائتوني به ؛ فلما حضر بين يديه وتسالما ، فصافحه هارون وأجلسه بين يديه ، ثم قال له يا شيخ ادع اللّه تعالى أن يسقينا عسى أن يكون لك عنده جاه ، فتبسم الشيخ وقال أتريدون أن أدعو لكم إلهي وسيدي ومولاي ؟ فقالوا نعم ، فقال توبوا بنا جميعا إلى اللّه عزّ وجل ، فنودي في الناس بالتوبة ، فتابوا وأنابوا ، ثم تقدم الشيخ فصلى ركعتين خفيفتين ، فلما سلم أخذ بناته عن يساره وعن يمينه وبسط يديه وأسبل دمعته ودعا ، فما استتم الدعاء إلا
والسماء قد تجللت بالسحاب وأرعدت وأبرقت وأسبلت مطرا كأفواه القرب ، فاستبشر الرشيد بذلك واجتمع إليه خواصه وأهل مملكته يهنئونه ويبشرونه ، فقال علىّ بالشيخ الصالح فطلبوه فوجدوه في مكانه ساجدا في الماء والطين للّه ربّ العالمين ، فقالوا لبناته : ما لأبيكن هكذا لا يرفع رأسه ؟ فقلن هذه عادته إذا سجد للّه تعالى لا يفيق ولا يرفع رأسه إلى ثلاثة أيام ، فأخبروا بذلك الرشيد ، فبكى بكاء شديدا وقال اللهم إني أسألك وأتوسل إليك بحرمة الصالحين أن تهبنا لهم وتفيض علينا من جزيل بركاتهم بفضلك وجودك وكرمك يا أرحم الراحمين ، رضى اللّه تعالى عنه ونفعنا به آمين . ( الحكاية الخامسة والثمانون بعد الأربع مئة : عن السرىّ رضى اللّه تعالى عنه ) قال : مررت يوما في بعض البراري مع جماعة من إخواني على قصر قد أناخ عليه الزمان بكلكله ، فهدم أركانه وحطم بنيانه ، وقد بقيت معالمه وأبوابه ، وعلى أبوابه لوح مكتوب ، فنفضت التراب عن ذلك الكتاب ، ثم تأملته فإذا هو مكتوب فيه : هو السبيل فمن يوم إلى يوم * كفرحة النائم المهجوع في النوم إن المنايا وإن أصبحت في شغل * تحوم حولك حوما أيما حوم لا تعجلنّ رويدا إنها دول * دنيا تنقل من قوم إلى قوم قال : فدخلت القصر أنا وأصحابي فإذا بقية في وسطه من الزمرّد الأخضر مرصعة بالدرّ والياقوت والجوهر ، قد علاها الغبار من تطاول السنين والأعمار ، معلقة على أربعة أعمدة من ياقوت ، فتأملناها وأطلنا النظر فيها عليها منقوش هذا المنظر : قف بالقبور وناد المستقرّ بها * من أعظم بليت فيها وأجساد قوم تقطعت الأسباب بينهم * بعد الوصال فصاروا تحت ألحاد واللّه لو تعبروا يوما ولو نشروا * قالوا بأن التقى من أفضل الزاد قال فتأملنا متكأ الملك فإذا عليه مكتوب
لا تأمن الموت في طرف ولا نفس * ولو تمنعت بالحجاب والحرس واعلم بأن سهام الموت نافذة * في كل مدرّع منا ومترس ما بال دينك ترضى أن تدنسه * وثوبك الدهر مغسول من الدنس ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها * إن السفينة لا تجرى على اليبس غيره : كم قد وقفت كما وقفتا * وكم قرأت كما قراتا * قلت : وذكر بعد هذا البيت بيتين ركيكين ملحونين ليس لهما معنى مليح ولا صحيح ، فنظمت عوضهما هذه الثلاثة الأبيات : وكم لهوت بطيب عيش * دهرا نسيت به المماتا والآن مت وأنت أيضا * لابد يوما يقال ماتا فجدوا حذر تكون مثلي * كسبت شرّا وخير فاتا ( الحكاية السادسة والثمانون بعد الأربع مئة : عن الشيخ أبى يزيد القرطبي رضى اللّه تعالى عنه ) قال : سافرنا مرّة ومعنا رجل من البادية من الصالحين ، فجئنا إلى خندق كثير الأشجار ، وكان الرجل له معرفة بالآثار ، فقال هذا الخندق معمور ، فنزلنا الخندق مستوفزين وتعلقنا بالجهة الأخرى ، فلما فارقنا الشجر ، رأينا نفرا بأيديهم السلاح ، وقد نهضوا ليقطعوا علينا الطريق ، فاجتمعنا وقلنا أىّ شئ نعمل ؟ فقال لنا الرجل ردّوا الأمر إلى أصله ألستم خرجتم للّه ؟ قلنا بلى ، قال فاتركوا الأمر على ما هو عليه واتبعوني ، ولا يلتفت منكم أحد يمينا ولا شمالا ، فتقدم الرجل ومشينا وراءه ، والنفر يمشون حذاءنا على غير الطريق ، فخرجنا عنهم بالمشي حتى رجعوا خلفنا ، وكنت أنا وأصحابي ، فالتفت فرأيتهم قد ضايقونا كرمية برمح ، فأعلمت أصحابي بأنهم قد أدركونا ، وكان البدوي لا يلتفت ، فوقف عند كلامي والتفت ، فلما رآهم قال : لا حول ولا قوة إلا باللّه العلىّ العظيم ، اللهمّ أبعد عنا شرّ هؤلاء الشياطين ، فقلت له أبصر أىّ شئ نعمل ؟ فقال وأىّ شئ العمل ؟ قلت ها هو وقت
الضحى وقد جوّز الاجتماع في النافلة ، وأنا أتقدّم وأصلى بكم ، ويمرّ القوم إن شاء اللّه تعالى ، فقال يا أبا يزيد ، وقد احتجنا إلى أن نختفى منهم ؟ قلت أنت أخبر ، فرفع يده وأشار بأصبعين : المسبحة ، والوسطى قفوا ، فلقد رأيت النفر وقفوا ، ولم يقدر أحد منهم يتعدى موضعه ، ولا يدنو من أصحابه ، فمشينا ولم يتكلم الرجل بعد ذلك حتى تعلقنا ببعض الشعوب في مكان آخر يعجزون عنا فيه ، فوقف الرجل ووقفنا معه وقال : انظروا هؤلاء الشياطين وقوف على حالهم ، واللّه لولا تقوى اللّه عزّ وجلّ لمضيت عنهم وتركتهم ، ولكن اللهمّ اجعلنا لهم توبة ثم أشار إليهم أن امضوا ، فما رأيت أحدا منهم إلا وقد قعد على الأرض يتحدث مع صاحبه ، ثم رجعوا في طريقهم من حيث جاءوا ببركة البدوىّ رضى اللّه تعالى عنه ونفعنا به * وقال الشيخ أبو العباس ابن العريف رضى اللّه تعالى عنه : رأيت وليا للّه عزّ وجلّ في بعض المساجد أسرج سراجا ، فجاء فأر فأخذ الفتيلة ، وكان الرجل قد أخذته سنة فانتبه وقال : يا فاسق تحدث شيئا في المملكة أنا أكون سببه ؟ فرأيت الفأر قد عاد إلى السراج ، فنهاه فلم ينته ، فغضب وقال للفأر قع فيه قع فيه ، فجاء الفأر فوضع خرطومه على النار فمات فتعجبت منه ثم سألته عن ذلك ، فقال ما الذي تتعجب منه ؟ ذلك تسليط الشرع عليه ، رضى اللّه تعالى عنه * قلت : لعله يعنى بقوله : تسليط الشرع عليه قوله صلّى اللّه عليه وسلم « خمس يقتلن في الحلّ والحرم » فذكر منهن الفأرة ، وقد سماها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم الفويسقة * وقال بعضهم : سمعت صوفيا وقد قرض الفأر خفه يقول له : * لو كنت من مازن لم تستبح إبلي * قلت : يعنى لو كنت من القوم الشجعان أولى النجدة والسطوة لم تقدر تتسلط على متاعي ، وتمام ما استشهد به : . . . . * لكنني من بنى عمرو بن شيبانا يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة * ومن إساءة أهل السوء إحسانا والمعنى : لو كنت من أهل السيوف الماضية المنتقمين من العدا لخفتنى : أي لو كنت صاحب حال وسيف : أي من قبل الحق سبحانه لم تستطع أن تتعرّض لي ،
لكنني لست من أهل النجدة المذكورين المحميين فأحتاج أتصف بوصف الآخرين المجازين الظلم بالمغفرة والإساءة بالإحسان ، هذا الوصف وإن كان ممدوحا في الشرع مندوبا إليه فليس هو ممدوحا مطلقا عند العرب إذ ذاك يؤدى إلى استيلاء بعضهم على بعض قتلا ونهبا ، بل الحكم عندهم كما قال النابغة : ولا خير في حلم إذا لم يكن له * بوادر تحمى صفوه أن يكدّرا ( الحكاية السابعة والثمانون بعد الأربع مئة : عن الشيخ أبى عبد اللّه القرشي رضى اللّه تعالى عنه ) قال : آخر ما تصوّرت لي الدنيا في صورة امرأة حسناء شابة بيدها مكنسة وهي في المسجد الذي كنت فيه تكنسه ، فقلت لها ما جاء بك ؟ قالت جئت لأخدمك ، فقلت لا واللّه ، قالت لا بد ، فأشرت عليها بعصا كانت معي وعزمت على ضربها ، فعادت عجوزا وجعلت تكنس المسجد ، فلما غفلت عنها ، فعادت مثل ما كانت ، فقمت لأخرجها فاتقلبت عجوزا ضعيفة ، فرحمتها ثم غفلت عنها فعادت شابة ، فتغيرت عليها وانزعجت لذلك ، فقالت لي تطيل أو تقصر هكذا خدمك ، وهكذا خدمت إخوانك ، فمن ذلك اليوم لم يتعذّر علىّ شئ من الأسباب * وقال أيضا : كنت بمنى فعطشت ولم أجد ماء ولا شيئا أشترى به ، فمضيت إلى بئر فوجدت عليه أعاجم ، فقلت لأحدهم ضع لي في هذه الركوة ماء ، فضربني وأخذ الركوة من يدي ورمى بها بعيدا ، فمضيت إليها لآخذها وأنا منكسر القلب ، فوجدتها في بركة ماء حلو ، فاستقيت وشربت وجئت بها إلى أصحابي فشربوا ، وأعلمتهم القصة ، فمضوا إلى المكان ليستقوا منه فلم يجدوا ماء ولا أثرا ، فعلمت أنها آية . * وقال أيضا : كنت مرّة في بدر متوجها إلى مكة وكان هناك رجل معه تمر يبيعه إلى الحجاج على أن يأخذ ثمنه بمكة ، فدفع لي منه شيئا وألحّ علىّ في أخذه وقال وأنا أصبر عليك بثمنه إلى مكة وإن متّ فأنت في حلّ منه ، ولم يزل بي حتى أخذته منه ثم إنه عرض له السفر قبلنا فطالبنى بالثمن فقلت له ما عندي شئ ، وأنت قلت إنك لا تطلب الثمن إلا بمكة ، فقال لا بد من الثمن وضيق علىّ وآذنى وشتمني ، فدخلت مسجد بدر ودعوت وتضرعت إلى اللّه تعالى ، ثم خرجت فلقيني رجل كأنه أعرابىّ وعليه ثياب الإحرام ، فناولني دراهم وعدّها في كفى ،
فذهبت إلى صاحب الدين فقضيته دينه ، فتضاعفت أذيته وجعل يقول : يخبئون الدراهم ويكذبون ويحلفون أن ما معهم دراهم والدراهم معهم ، فسكت ولم أجاوبه بحرف * ومن كلامه رضى اللّه تعالى عنه : من طلب الغايات في المبادى فقد أخطأ الطريق * وقال أيضا رضى اللّه تعالى عنه : الزم الأدب وحدك مع العبودية ، ولا تتعرّض لشئ ، فإن أرادك له أوصلك إليه * وقال رضى اللّه تعالى عنه : يسير العمل مع الرعاية منجح * وقال رضى اللّه تعالى عنه : هجم أهل الشرك ببلاد الأندلس لذلك ، وبلغ الخبر أن الأسارى يرمى لهم الحشيش مع الخيل وهم مكتفون يأكلون بأفواههم كما ترعى البهائم ، قال : فبتّ في بعض تلك الليالي عند الشيخ أبي إسحاق بن طريف رضى اللّه تعالى عنه ، فوضع الطعام بيننا ثم تنفس الصعداء بعد أن قال : بسم اللّه ، ثم قال لي : يا محمد : أما بلغك ما طرأ على المسلمين ؟ فقلت نعم فجعل يقصّ الخبر ويبكى حتى علا بكاؤه ، ثم قال : واللّه لا أكلت طعاما ولا شربت شرابا حتى يفرج اللّه تعالى عن المسلمين ، ثم اعتزل عن الطعام ساعة ، ثم سمعته يقول : الحمد للّه الحمد للّه ، ثم دنا إلى الطعام وقال كل فأكل وأكلت معه ، وعجبت منه كيف تركه ثم عاد إليه بعد قسمه في ساعة ، ثم إن الخبر وصل إلينا بعد ذلك أن الوقت الذي تكلم فيه الشيخ صادف أن النصارى سمعوا رجفة عظيمة اعتقدوا أن عسكر المسلمين دهمتهم ، فركبوا خيولهم ونجوا بأنفسهم وتركوا الغنيمة والأسارى ، فخلص اللّه عزّ وجلّ المسلمين من أيديهم بغير نصب ولا طلب ، ثم إن الأسارى انطلقوا بالغنيمة وأعادوها إلى بلاد المسلمين ، والحمد للّه رب العالمين ، رضى اللّه تعالى عن الجميع آمين . ( الحكاية الثامنة والثمانون بعد الأربع مئة : عن الشيخ أبى عبد اللّه القرشي أيضا رضي اللّه عنه ) قال : كنت في بحر جدّة ومعي صاحب لي فعطش عطشا شديدا ، فسألت من يبيعنا ماء بشملة كانت علىّ لم يكن علىّ سواها ، فلم يبعنا أحد ، فقلت لصاحبي خذ هذه الشملة وامض إلى ريس المركب ، فمضى إليه بركوة معه ، فانتهره وصاح عليه وأخذ الركوة من يده وحذف بها فلم تقع في البحر بل وقعت في المركب ، فرجع إلىّ فرأيت ذله وانكساره وشدة حاجته ، فعلمت أن اللّه تبارك وتعالى لا يتركه ، فأخذت الركوة فملأتها من البحر ،
فشرب حتى روى ، ثم أخذتها منه فشربت حتى رويت وشرب أيضا من كان إلى جانبي ممن ليس معه ماء ، ثم ملأتها ثانية فعجنا الدقيق ، فلما حصل استغناؤنا ملأتها بعد ذلك فوجدتها ملحا على ما نعهد ، فعلمت أن الحاجة إذا تحققت قلبت الأعيان ، رضي اللّه عنه ، وقال بعض الشيوخ : كنا جماعة من الفقراء في بعض الأسفار ، فوصلنا إلى مخاضة من البحر فخضنا حتى توسطنا ، فرأيت شابا من الجماعة يشرب من الماء بكفه ، فقلت في نفسي هل هذا الماء حلو ؟ فأخذت منه وذقته فوجدته ملحا ، فقلت يا بنىّ اسقني ، فقال لي يا عمّ اشرب ، فقلت هو حارّ وأردت بذلك ستر حاله عنه ، فدفعت إليه إناء من الفخار ، فملأه من وسط الماء ، فشربته أنا والجماعة كلهم حلوا ، انتهى كلامه . قلت : يعنى بقوله : وأردت ستر حاله عنه . أي أخفيت عنه ظهور هذه الكرامة منه ، وأوهمته أن الماء حلو لكلّ أحد يشرب ، ولكنه حار أريد أن أبرده في إناء الفخار ، ولما كانت العادة والعرف أن الشبان هم الذين يتولون الخدمة من الاستقاء وغيره ، سأله أن يستقى له في الإناء سترا لحاله عنه ، لئلا يرى أنه مميز عن الجماعة بهذه الكرامة مع كونه حدثا يخشى عليه العجب ، وهذا الشيخ المذكور هو أبو زيد القرطبي رضى اللّه تعالى عن الجميع ونفعنا بهم آمين . ( الحكاية التاسعة والثمانون بعد الأربع مئة : عن الشيخ أبى الربيع المالقى رضي اللّه عنه ) قال : كنت ليلة فقدت من بعض أحوالي شيئا ، فاشتغل سرّى بذلك ، فرأيت ذات ليلة هدهدا جلس قدامي وكلمني بكلام لم أفهمه ، ثم طار وجلس على كتفي الأيسر وكلمني ، فلم أفهم ما يقول ، ثم طار وجلس على كتفي الأيمن ووضع فمه في فمي وجعل يزقنى ، فانتفخت ، ثم سمعت خشخشة في صدري ، فتحمست لذلك وعلمت أنه أمر مراد منى ، ثم ظهر لي شخصان فتقدّم أحدهما ، فشقّ عن صدري وأخرج قلبي ووضعه في طست ، فسمعت أحدهما يقول للآخر احفظ شجرة العلم ، فغسله ثم وضعه في الجانب الأيمن ثم ألحم الشق فلم أر من ذلك الوقت شيئا خارجا عنى ، وأخذت عن نفسي ، فسمعت نداء : سل يا سليمان ، فقلت أسأل رضاك رضاك ، فقال رضيت رضيت ، فمن اليوم فتح علىّ القرآن ورؤية القلب ، فأنا اليوم أرى بقلبي وأسمع القرآن يتلى علىّ من الجانب الأيمن ، رضي اللّه عنه ونفعنا بهم آمين . وقال بعض المكاشفين : كنت
أرى شيطانى في حال الرياضة ضعيفا عريانا شعثا على أسوأ الأحوال ، فإذا هممت به فرّ أمامى ، فلما تزوّجت سامحت نفسي في حق الزوجة بزعمى ، فرأيته في بعض الأيام قد ظهر لي ، فهممت به على العادة فلم يهرب منى ولم يلتفت إلىّ ، ورأيته مكتئبا ، فقلت له متى تغيرت حالتك هذه عما أعهد ؟ فقال منذ تزوجت أنت وتغيرت حالتك ، انتهى كلامه . قلت هكذا يطلعهم اللّه على الزيادة والنقصان ، ليزدادوا من الخير ويشكروا اللّه تعالى عليه ، ويرجعوا عن أسباب النقصان ويتضرعوا إليه ، حتى يزيل عنهم الصفات المذمومات ، ويوفقهم للصفات المحمودات بفضله ورحمته ، فيزكون ويزدادون من الهدى إيمانا مع إيمانهم ، وقد سمعوا قول الحقّ الشافي للقلوب ، والمزيل عنها الصدأ ( وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً » . ( الحكاية التسعون بعد الأربع مئة : عن الشيخ أبى العباس بن العريف رضي اللّه عنه ) قال : كنت يوما قاعدا وإذا برجل غريب قد دخل علىّ المسجد وقال : يا سيدي أنت أبو العباس بن العريف ؟ قلت نعم ، قال راء رأى البارحة رؤيا ، قلت ، له قل ، فقال : كأنه يرى فساطيط صغارا حول العرش ، وعليهن فسطاط عظيم قد اكتنف الجميع ، فقال لمن هذا الفسطاط ؟ فقيل له للفقيه أبى العباس بن العريف ، فقال وهذه الصغار ؟ فقيل لأصحابه ، قال أبو العباس رضي اللّه عنه : فتغيرت عليه وقلت له ما حملك على إتيانك بمثل هذه الرؤيا لرجل مذنب مثلي ، فلما رأى تغيرى قال لي : هوّن على نفسك أيها الشيخ ، فلعلك قنعت بيسير الرزق من اللّه تعالى فقنع منك بيسير من العمل ، قال ثم التفتّ إليه فلم أره ، فقلت لأصحابي هذا أتاكم يعرّفكم فقركم ، رضى اللّه تعالى عنهما ونفعنا بهما آمين . قلت : وبلغني أن الشيخ الإمام شهاب الدين السهروردي رضي اللّه عنه ونفعنا به ذكر بين يديه البلدان ومن فيها من الصالحين حينئذ ، فكأنه أشار إلى أن بعض الجهات ما فيها أحد من الرجال في ذلك الوقت ، فوقف عليه شخصان في الحال من أهل تلك الجهة في زىّ مشاعليين ، وقال له يا سيدنا نشتهي منك أن تشرّفنا بخدمتك ، وكان يومئذ بمكة جاء إلى الحجّ ، فأذن لهما بحمل المشعل وسافر راجعا إلى بلاده ، فكان يقول وهم سائرون إني لأشمّ رائحة الفقر من قبل المشعل فلما بلغوا بعض الطريق سئل عن مسئلة غامضة في علوم المعارف
والأسرار المعروفة بالعلم اللدني لأهل الأنوار ، فأجال ذهنه فيها وتفكر وأمعن النظر وتدبر ، ثم وقف وتحير ؛ فلما وقف حصان علمه المشهور في ميدان الامتحان بالسؤال المذكور وقف الشخصان المذكوران بين يديه وقالا : يا سيدي دستورك نقول شيئا فقال قولا . فقال الجواب واللّه أعلم كذا وكذا ، وكشفا القناع عن وجه محاسن الأسرار في الجواب الشافي للنظار ، فكشف الشيخ شهاب الدين رضي اللّه عنه رأسه وقال : أستغفر اللّه وأنصف فيما صدر منه من الكلام في أهل الجهات المذكورة ، ثم قالا له سلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته ، ورجعا عنه إلى بلادهما ، رضى اللّه تعالى عن الجميع ونفعنا بهم . ( الحكاية الحادية والتسعون بعد الأربع مئة : عن الشيخ الكبير أبى الحسن الشاذلي رضي اللّه عنه ) قال : نمت ليلة في سياحتى على ربوة من الأرض ، فجاءت السباع فطافت بي وأقامت حولى إلى الصباح ، فما وجدت أنسا كأنس وجدته تلك الليلة ، فلما أصبحت خطر لي أنه قد حصل لي شئ من مقام الأنس باللّه ، فهبطت واديا وكان هناك طيور حجل لم أرها ، فلما أحست بي طارت في دفعة واحدة كلها ، خفق قلبي رعبا ، فسمعت قائلا يقول لي : يا من كان البارحة يأنس بالسباع ملك تفزع من خفقان الحجل ؟ ولكنك البارحة كنت بنا والآن أنت بنفسك . وقال رضي اللّه عنه : جعت مرة ثمانين يوما ، فخطر بي أن قد حصل لي نصيب من هذا الأمر ، فإذا أنا بامرأة خارجة من مغارة كأن وجهها ضياء الشمس حسنا وهي تقول منحوس منحوس جاع ثمانين يوما ، فأخذ يدلّ على اللّه بعمله ، وأنا لي ستة أشهر لم أذق فيها طعاما رضي اللّه تعالى عنهما ونفعنا بهما آمين . وقال رضي اللّه عنه : كنت بينا أنا في بعض سياحتى أقول إلهي متى أكون لك عبدا شكورا ؟ فسمعت قائلا يقول : إذا لم تر منعما عليه غيرك ، فقلت إلهي كيف لا أرى منعما عليه غيرى وقد أنعمت على الأنبياء والعلماء والملوك ؟ فإذا قائل يقول لي : لولا الأنبياء لما اهتديت ، ولولا العلماء لما اقتديت ، ولولا الملوك لما أمنت والكلّ نعمتي منى عليك . وقال رضي اللّه عنه : كنت أنا وصاحب لي قد أوينا إلى مغازة نطلب الوصول إلى اللّه تعالى ، فكنا نقول غدا يفتح لنا ، بعد غد يفتح لنا ، فدخل علينا رجل له هيبة ، فقلنا له من أنت ؟ فقال عبد الملك فعلمنا أنه من أولياء اللّه تعالى ، فقلنا له كيف حالك ؟ فقال كيف حال من يقول
غدا يفتح لي ، بعد غد يفتح لي ؟ فلا ولاية ولا فلاح ، يا نفس لم لا تعبدين اللّه للّه ، قال فتيقظنا وعرفنا من أين دخل علينا ، فتبنا واستغفرنا اللّه تعالى ففتح لنا رضى اللّه تعالى عنهم أجمعين . ( الحكاية الثانية والتسعون بعد الأربع مئة عن بعضهم ) حكى أنه عزم على الشيخ الجليل أبى العباس المرسى رضي اللّه عنه ونفعنا به إنسان ، وقدم إليه طعاما يختبره به ، فأعرض عنه ولم يأكل ثم التفت إلى صاحب الطعام فقال له : إنّ الحارث بن أسد المحاسبي رضي اللّه عنه كان في أصبعه عرق إذا مدّ يده إلى طعام فيه شبهة تحرّك عليه فأنا في يدي ستون عرقا تتحرك على إذا كان مثل ذلك ، فاستغفر صاحب الطعام واعتذر إلى الشيخ رضي اللّه عنه . قلت : وقد ذكرت حكاية المحاسبي رضي اللّه عنه في غير هذا الموضع . وقد حكى أيضا عن بشر بن الحارث رضي اللّه عنه أنه كان لا يمدّ يده إلى أكل طعام ليس بطيب . وكذلك بلغني أن بعض السلاطين امتحن بعض الشيوخ بذبائح قدّمها إليه لحم بعضها مذكى ولحم بعضها ميتة ، فشدّ الشيخ وسطه وقال للفقراء أنا اليوم خادمكم في هذا الطعام ، وأخذ يلتقط المذكى ويقرّبه إلى الفقراء ، وينحى الأواني التي فيها غير المذكى إلى الجند ويقول ( الطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ و الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ ) والسلطان حاضر ، فاستغفر اللّه تعالى وحسن اعتقاده في الشيخ رضي اللّه عنه ، ونفعنا به . وكذلك بلغني أن بعض سلاطين الكفار استولى على بعض بلاد المسلمين ، فسفك دماءهم ونهب أموالهم وأراد أن يقتل بعض فقراء المشايخ ، فاجتمع به الشيخ ونهاه عن ذلك ، فقال له السلطان إن كنتم على الحقّ فأظهروا لي برهانا ، فأشار الشيخ إلى بعر الجمال هناك فإذا هي جواهر تضئ ، وأشار إلى الكيزان في الأرض فارغة من الماء ، فتعلقت في الهواء وامتلأت ماء وأفواهها منكسة إلى الأرض ولا يقطر منها قطرة ، فدهش السلطان من ذلك ، فقال له بعض جلسائه لا يكبر هذا في عينك فإنما هو سحر ، فقال له السلطان أرني غير هذا ، فأمر الشيخ بالنار فأوقدت . وأمر الفقراء بالسماع ، فلما عمل فيهم الوجد دخل الشيخ بهم النار ، وكانت نارا عظيمة ، ثم خطف الشيخ ولد السلطان ودار به في النار ثم غاب به ، فلم يدر أين ذهب والسلطان حاضر ، فبقى متفجعا على ولده ، فلما كان بعد ساعة ظهر وفي إحدى كفى ولد السلطان تفاحة وفي الأخرى رمانة ، فقال له
السلطان أين كنت ؟ قال كنت في بستان فأخذت منه هاتين الحبتين وخرجت ، فتحير السلطان من ذلك ، فقال له جلساء السوء وهذا أيضا عمله بصنعة باطلة ، فقال السلطان عند ذلك كل ما تظهره لا أصدق به حتى تشرب من هذه الكأس ، وأخرج له كأسا مملوءة سما تقتل القطرة منه في الحال ، فأمر الشيخ الفقراء بالسماع حتى ورد عليه حال ، فأخذ الكأس حينئذ وشرب ما فيه جميعه ، فتمزقت ثيابه التي عليه ، فألقوا عليه ثيابا أخرى ، فتمزقت الثياب كذلك ، ثم أخرى كذلك مرارا عديدة ثم ترشح عرقا وثبتت عليه الثياب بعد ذلك ولم تنقطع ، فاعتقده السلطان وعظمه وأجله واحترمه ورجع عن ذلك القتل والإفساد ولعله أسلم . وقد حكى أيضا مثل هذه الحكاية عن بعض من ينسب إلى سيدي أحمد الرفاعي قدس اللّه تعالى روحه مع سلطان المغول الذي أخذ بغداد رضي اللّه عنه وعن جميع الصالحين ونفعنا بهم في الدنيا والآخرة . وحكى أن الشيخ الإمام أستاذ الأكابر ، الجامع بين العلم الباطن والظاهر ، والحسيب النسيب والشريف النبوي الفاخر السيد الجليل عبد القادر الجيلاني قدس اللّه روحه ونوّر ضريحه ، طلب من بعض الناس وديعه كانت عنده لبعض الغائبين ، فامتنع من تسليمها إليه وقال له : لو استفتيك بمثل هذا ما أفتيتنى بتسليمها إلى غير صاحبها ، فلما كان بعد ذلك بزمن يسير جاء كتاب صاحبها إلى المودع المذكور وهو يقول سلم الوديعة إلى الشيخ عبد القادر ، فقد صارت للفقراء ، فسلمها إليه ، فعتب عليه الشيخ قال تتهمني في مثل هذا رضي اللّه عنه ونفعنا به . قلت : وإليه ينسب أكثر شيوخ اليمن ، ومنهم من ينتسب إلى الشيخ الكبير العارف الشهير أبى مدين قدس اللّه روحه ونوّر ضريحه ، هذا شيخ المغرب ، والأول شيخ المشرق ، أعنى الشيخ عبد القادر . وهو القائل رضي اللّه عنه : ما في الصبابة منهل مستعذب * إلا ولا فيه الألذّ الأطيب أو في الزمان مكانة مخصوصة * إلا ومنزلتي أعزّ وأقرب وهبت لي الأيام رونق صفوها * فصفت مناهلها وطاب المشرب أنا من رجال لا يخاف جليسهم * ربب الزمان ولا يرى ما يرهب قوم لهم في كل مجد رتبة * علوية وبكل جيش موكب أنا بلبل الأفراح أملأ دوحها * طربا وفي العلياء باز أشهب
رضى اللّه تعالى عنه ونفعنا به آمين . ( الحكاية الثالثة والتسعون بعد الأربع مئة عن بعضهم ) حكى عن بعضهم قال : كنت مع بعض الصالحين خارج بغداد ، فمرّت علينا جنازة ومعها خلق كثير ، فسألنا عن الميت ، فقيل هو رجل من الصالحين ، فقال الرجل الصالح الذي معي : اللّه المستعان هكذا يموت الصالحون ، قلت : فكيف يموتون ؟ قال يموتون على المزابل وتأكلهم الكلاب ، قال فرأيته بعد ثلاثة أيام وهو ميت على مزبلة والكلاب تأكل منه رضي اللّه عنه ونفعنا به آمين . قلت : هذا موت كثير من الأولياء والمحبين والمحبوبين للّه عزّ وجلّ ، الذين ليس لهم في الدنيا غرض ولا أمل . وأما حكايات أهل الرغبة في الدنيا والأمل الطويل فيها فكثير ، من ذلك : ما روى أنه جاء بعض الناس إلى سليمان بن داود عليهما السلام وقال له يا نبىّ اللّه أريد منك أن تأمر الريح تحملني إلى بلاد الهند ، فإن لي فيها حاجة في هذه الساعة وألح عليه في ذلك ، فقال له نعم ، وأمر الريح تحمله ، فلما خرج من عنده التفت سليمان فرأى ملك الموت قائما عنده عليه السّلام ، ورآه مبتسما ، فسأله عن تبسمه ، فقال له : يا نبىّ اللّه تعجبت من هذا الرجل فإني أمرت بقبض روحه في أرض الهند في هذه الساعة ، فبقيت متفكرا كيف يصل إلى بلاد الهند في هذه الساعة فلما سألك أن تأمر الريح تحمله تعجبت من ذلك ، انتهى كلامه وفي هذا المعنى قلت : فمن منا لم تأته المنايا * إلى أوطانه يوما أتاها كما قال الذي عزى نفوسا * وقوى في توكلها قواها ومن كانت منيته بأرض * فليس يموت في أرض سواها قلت : يجب الإيمان بأن أمر اللّه تبارك وتعالى وقدره نافذ على ما سبق في علمه الغامض ، لابد من ذلك وإن بعد في العقول ، ينسب له بعض الأسباب الغوامض ، على ما اقتضيت حكمته البالغة ومشيئته السابقة ، التي إليها يرجع أمر الخاتمة اللاحقة ، نسأل اللّه تعالى الكريم أن يلطف بنا في جميع مقدوره ، وأن يدبرنا بحسن تدبيره والمسلمين آمين . ومن عجب لطف اللّه عزّ وجلّ بعباده ودفعه البلاء عمن لم يحضره
الأجل ببعض عباده المصطفين الخوّاص المعدين للتفريج عند الشدائد والخلاص ما يأتي ذكره في الحكاية الآتية إن شاء اللّه تعالى . ( الحكاية الرابعة والتسعون بعد الأربع مئة عن بعض الشيوخ ) حكى عن بعض الشيوخ الكبار أنه دخل على بعض التجار بثغر الإسكندرية ، فرحب به التاجر وفرح به ، فرأى الشيخ في إيوان يجلس فيه التاجر بساطين مثمنين مستعملين من بلاد الروم على قدر الإيوان ، فطلبهما من التاجر ، فصعب عليه ذلك ، وقال له يا سيدي أنا أعطيك ثمنهما ، فامتنع الشيخ وقال له : ما أطلب إلا هما بعينهما فقال له التاجر إن كان ولا بد من الأخذ فخذ أحدهما ، فأخذ الشيخ أحد البساطين وخرج به ، وكان حينئذ للتاجر ابنان مسافران في بلاد الهند كل واحد منهما في مركب ، فبعد مدة سمع أبوهما أن أحدهما غرق هو ومركبه وجميع من كان فيه ، ووصل الابن الآخر إلى عدن سالما ؛ فلما كان بعد مدة وصل قريب الإسكندرية ، فخرج أبوه في لقائه إلى ظاهر البلد ، فرأى البساط الذي أخذه الشيخ منه بعينه محملا على بعض الجمال ، فسأله عن قصة البساط من أين هو له ؟ فقال له : يا أبت لهذا البساط قصة عجيبة وآية عظيمة ، فقال له أبوه يا بنىّ أخبرني بذلك ، فقال له سافرت أنا وأخي بريح طيبة من بلاد الهند ، كل منا في مركب ، فلما توسطنا البحر عصفت علينا الريح واشتدّ علينا الأمر ، وانفتح المركبان ، واشتغل كل أهل مركب بمركبهم وسلم كل منا أمره إلى اللّه تعالى ، وإذا بشيخ قد ظهر لنا وفي يده هذا البساط ، فسدّ به مركبنا وسرنا بالسلامة أياما ، والمركب مسدود بهذا البساط إلى أن وصلنا بعض المراسى ، فنقلنا ما كان في المركب وأصلحناه وشحنا فيه ، وأما مركب أخي فغرق جميع من كان فيه ولم يسلم منهم أحد ، قال التاجر فقلت له يا بنى أتعرف الشيخ إذا رأيته ؟ قال نعم ، فذهب به إلى الشيخ ، فلما رآه صرخ وصاح صياحا عظيما وقال : هو ذا واللّه يا أبت ، فجعل الشيخ يده على حتى أفاق وسكن ما به ، فقال التاجر للشيخ لم لا عرّفتنى يا سيدي بحقيقة الأمر حتى أدفع إليك البساطين كليهما ؟ فقال : الشيخ هكذا أراد اللّه عزّ وجلّ ، رضى اللّه تعالى عنه ونفعنا به وبجميع الصالحين
الحكاية الخامسة والتسعون بعد الأربع مئة عن بعض الصالحين ) حكى عن بعض الصالحين أنه عقد مع اللّه تعالى عقدا : أنه لا ينظر إلى مستحسنات الدنيا ، فمرّ يوما بسوق الصرف ، فنظر إلى منطقة معلقة ، فجعل يطيل النظر إليها ، فالتفت صاحبها فرآه ينظر إليها ، ثم التفت إلى المنطقة فلم ير شيئا ، فوثب إليه وتعلق به وقال : ما هذه أفعال الصالحين ، فقال له مالك يا أخي ؟ قال أنت صوفي وتسرق ؟ قال له ما الذي سرقت ؟ قال سرقت منطقتى ، قال واللّه ما أخذت لك شيئا ، قال فأكثرن عليه الكلام وساروا به إلى الأمير وقصوا عليه القصة ، فقال له الأمير يا فتى ما هذه أفعال الصالحين ، فبكى وقال واللّه ما أخذت شيئا ، فقال رجل من الحاضرين جرّدوه من ثيابه ، فجرّدوه من ثيابه فإذا المنطقة مطوقة في وسطه ، قال فصرخ صوتا كاد أن يفارق الدنيا وغشى عليه ، فقال الأمير بعد ذلك ائتوني بالسياط ، قال فهتف به هاتف يا عبد اللّه لا تضرب ولىّ اللّه إنما هو مؤدب بكم ، فصرخ الأمير صرخة كادت روحه تفارق جسده وغشى عليه ، فلما أفاق الفتى قال مولاي أسألك الإقالة فقد عرفت ذنبي وجرمي وأنا الخاطئ ، مولاي سهو لحقّ عبدك الخاطئ ، فلا تؤاخذني الأمان الأمان يا حنان ، والخلائق يبكون لبكائه ، ولما أفاق الأمير من غشيته جعل يقبل يديه ورجليه ويقول له : يا حبيبي ما قصتك ؟ فقال له الفتى اعلم أنى كنت عقدت مع اللّه تعالى عقدا أن لا أنظر إلى مستحسنات الدنيا ، فمررت بهذا الرجل في سوق الصرف ، فنظرت منطقة نظرة غفلة ، ولم أعلم ما كان إلا والرجل متعلق بي وهو يوبخني ويقول أخذت منطقتى ولا أعلم قصته ، فهذه واللّه قصتي ، ثم ولى وهو يقول : يا عدّتى في شدّتى * إن لم تكن أنت فمن ينقذنى من الردى * يا صاحب الفعل الحسن طوبى لمن بات بكم * مشرّدا عن الوطن ( الحكاية السادسة والتسعون بعد الأربع مئة عن ذي النون رضي اللّه عنه ) قال : بينما أنا أدور في بعض جبال لكام ، وإذا برجل قائم يصلى والسباع حوله ربض ، فلما أقبلت نحوه نفرت عنه السباع ، فأوجز في صلاته وقال : يا أبا الفيض لو
صفوت لطلبتك الوحوش وحنت إليك الجبال ، قال فقلت ما معنى قولك لو صفوت ؟ قال تكون للّه خالصا حتى يكون لك مريدا ، قال فقلت فبم الوصول إلى ذلك ؟ قال لا تصل إلى ذلك حتى تخرج حبّ الخلق من قلبك كما خرج الشرك منه ، فقلت هذا واللّه شديد علىّ ، فقال هذا أيسر الأعمال على العارفين . ( الحكاية السابعة والتسعون بعد الأربع مئة : عن ذي النون أيضا رضي اللّه عنه ) قال : وصف لي جارية متعبدة فسألت عنها ، فقيل لي إنها في دير خراب ، قال فأتيت الدير فإذا أنا بجارية نحيلة الجسم قد أثر الليل في وجهها بكلكله وذبحها الكرى بسكاكين السهر ، فسلمت عليها ، فردت علىّ السلام ، فقلت لها يا جارية في مسكن النصارى ؟ فقالت يا هذا ارفع رأسك هل ترى في الدارين غير اللّه عزّ وجلّ ؟ قال فقلت لها يا جارية هل تجدين وحشة الوحدة ؟ فقالت إليك عنى فو الذي حشا قلبي من لطيف حكمته ومحبته ، وأوقر خاطري من دقيق الشوق إلى رؤيته ما علمت في قلبي موضعا لغيره ، قال فقلت لها أراك حكيمة فأخرجينى من الضيق وأرشدينى إلى الطريق ، فقالت يا فتى اجعل التقوى زادك ، والزهد منهاجك ، والورع مطيتك ، واسلك طريق الخائفين حتى تأتى بابا ليس ترى دونه حجابا ولا بوّابا ، فعندها تؤمر الخزنة أن لا يعصون لك أمرا ، ثم أنشأت تقول : من يعرف الربّ ولم تغنه * معرفة الربّ فذاك الشقي ما ضر ذا الطاعة ما ناله * في طاعة اللّه وما قد لقى ( الحكاية الثامنة والتسعون بعد الأربع مئة : عن معروف الكرخي رضي اللّه عنه ) قال : رأيت في البادية شابا حسن الوجه وله ذؤابتان حسنتان وعلى رأسه رداء وعليه قميص كتان وفي رجليه نعل طاق ، قال فتعجبت منه ومن زيه في مثل هذا المكان ، فقلت السلام عليك ورحمة اللّه وبركاته ، فقال وعليك السلام ورحمة اللّه وبركاته يا عم ، فقلت يا فتى من أين أنت ؟ قال من مدينة دمشق . قلت متى خرجت منها ؟ قال ضحوة نهارى ، قال فتعجب منه وكان الموضع الذي رأيته فيه بينه وبين دمشق مراحل كثيرة ، فقلت له وأين القصد ؟ قال مكة إن شاء اللّه تعالى ، فعلمت أنه محمول فودعته ومضى ، فلم أره حتى مضت ثلاث
سنين ؛ فلما كان ذات يوم وأنا جالس في منزلي متفكرا في أمره وما كان منه بعدى ، وإذا بالباب يدقّ فخرجت إليه فإذا هو صاحبي ، فسلمت عليه وأدخلته المنزل ، فإذا به حاف حاسر الرأس عليه مدرعة من الشعر ، فقلت له إيش الخبر ؟ فقال يا أستاذ لم يخبرني بما يفعل بمعاملته فمرّة يلاطفني ومرّة يهيننى ومرّة يجيعنى ومرّة يطعمني ، فليته أوقفنى على بعض أسرار أوليائه ثم يفعل بي ما شاء ، وبكى بكاء شديدا ؛ قال معروف رضي اللّه عنه : فأبكانى كلامه ، فقلت له حدثني ببعض ما جرى عليك منذ فارقتني ، قال هيهات أبديه وهو يريد أن يخفيه ، ولكن بدء ما فعل بي في طريقي مولاي وسيدي ، فقلت ما فعل بك ؟ قال جوّعنى ثلاثين يوما ، ثم جئت إلى قرية فيها مقثأة قد نبذ منها الدود ، فقعدت آكل منها ، فنظرنى صاحب المقثأة ، فأقبل إلىّ بسوط وجعل يضرب ظهري وبطني ويقول يا لص ، ما أخرب المقثأة غيرك ، منذ كم أرصدك حتى وقعت بك ؟ فبينما هو يضربني إذا بفارس أقبل مسرعا إليه وجذب السوط من يده ، وقال تعمد إلى ولىّ من أولياء اللّه تضربه وتهينه وتقول له يا لص ، فلما نظر صاحب المقثأة إلى ذلك أخذ بيدي وذهب بي إلى منزله ، فما أبقى من الكرامة شيئا إلا فعل معي وتحلل منى ، فبينما أنا عنده لص صرت وليا كما حدثتك ، قال معروف رضي اللّه عنه : فما استتم كلامه حتى دقّ صاحب المقثأة الباب ودخل ، وكان موسرا ، فأخرج ماله وأنفقه على الفقراء ، وصحب الشاب وخرجا إلى الحجّ فماتا في البرية ، رحمهما اللّه تعالى . ( الحكاية التاسعة والتسعون بعد الأربع مئة عن بعضهم ) حكى أن يحيى وعيسى عليهما السلام اصطحبا في سفر ، فلما كان بعض الأوقات نام يحيى عليه السّلام في سجدة سجدها عيسى عليه السّلام : فأراد عيسى عليه السّلام أن يوقظه ، فأوحى اللّه تعالى إلى عيسى عليه السّلام : يا عيسى إن روح يحى عندي في حضرة قدسي وجسده بين يدي في أرضى ، ولقد باهيت به كرام ملائكتي وأنشدوا : قف على الباب قليلا واجعل * الذكر سبيلا والزم الباب غدوّا وعشيا وأصيلا إن تطعنى * لم تجدني للمطيعين خذولا
إن عندي للمطي * عين شرابا سلسبيلا فاتبعوا اليوم قليلا * تنعموا دهرا طويلا وقال أبو زيد رضي اللّه عنه : جمعت فكرى وأحضرت ضميري ومثلت نفسي واقفا بين يدي ربى ، فقال لي : يا أبا يزيد بأىّ شئ جئتني ؟ قلت يا ربّ بالزهد في الدنيا ، قال يا أبا يزيد إنما كان مقدار الدنيا عندي جناح بعوضة ففيم زهدت منها ؟ فقلت إلهي وسيدي أستغفرك من هذه الحالة ، جئتك بالتوكل عليك ، قال يا أبا يزيد ألم أكن ثقة فيما ضمنت لك حتى توكلت علىّ ؟ قلت إلهي وسيدي أستغفرك من هاتين الحالتين جئتك بك أو قال بالافتقار إليك ، فقال عند ذلك قبلناك . وأنشدوا : دعوه لا تلومه دعوه فقد علم الذي * لم تعلموه رأى علم الهدى فسما إليه وطالب مطلبا لم تطلبوه أجاب دعاءه * لما دعاه وقام بحقه وأضعتموه بنفسي ذاك من ممنوح قرب * وطاعم مطعم لم تطعموه ( الحكاية الخمس مئة : عن بعض الزهاد ) قال : كنت في جماعة من الزهاد وقد حان وقت صلاة الظهر ونحن في برية ليس فيها ماء ، فدعونا اللّه تعالى ، فلم أستتم الدعاء حتى لاح لنا بالبعد شئ ، فقصدناه وطوى اللّه تعالى لنا البعيد ، حتى وصلنا إلى قصر مشيد عال البناء حسن الفناء ، وحوله أنهار وعيون تتفجر ، فشكرنا اللّه تعالى على ذلك وأسبغنا الوضوء فصلينا ، ثم تقدمنا إلى القصر فإذا على حائطه مكتوب هذان البيتان : هذى منازل أقوام عهدتهم * في رغد عيش خصيب ماله خطر دعتهم نوب الأيام فارتحلوا * إلى القبور فلا عين ولا أثر قال : ورأينا في وسط الدار سريرا من ذهب ، وعليه هذه الأبيات : لا زلت تطلب كل ما يردى * وتمعن في الطلب وملكت ما أملت من * أرض الأعاجم والعرب مدت إليك يد الردى * فذهبت فيمن قد ذهب
قال : ورأينا هناك بستانا فيه لوح من رخام عليه مكتوب هذه الأبيات : قد كان صاحب هذا القصر مغتبطا * في ظلّ عيش يخاف الناس من باسه إذا جاءه بغتة مالا مردّ له * فخرّ ميتا وزال التاج عن رأسه فأخرج إلى القصر انظر كيف أوحشه * فقدان أربابه من بعد إيناسه قال فاستحسنا ذلك ورحنا إلى القبة فإذا في وسطها قبر عند رأسه لوح من رخام أبيض ، وعليه مكتوب : أنا رهن التراب في اللحد وحدى * واضعا تحت لبنة الترب خدى غيره لبعضهم : باتوا على قلل الأجيال يحرسهم * غلب الرجال فلم تنفعهم القلل واستنزلوا بعد عزّ عن معاقلهم * وأسكنوا حفرا يابئسما نزلوا ناداهم صارخ من بعد ما دفنوا * أين الأسرة والتيجان والحلل أين الوجوه التي كانت منعمة * من دونها تضرب الأستار والقلل فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم * تلك الوجوه عليها الدود يقتتل قد طالما أكلوا دهرا وما نعموا * فأصبحوا بعد طول الأكل قد أكلوا غيره للمؤلف آنسه اللّه في قبره ، وعامله بلطفه وبرّه ، وأسكنه بحبوحة جنته ، وأعاد على المسلمين من بركته آمين . ركوب النعش أنساهم ركوبا * على الخيل العتيقات النجاب وليل القبر أنساهم لليل * به عرس المليحات النقاب وأنساهم لفرش ناعمات * لها قد زينوا فرش التراب علا الدود الخدود وغاص فيها * أكولا للبهيات التراب غيره لبعضهم : وقفت على البنيان حين رأيته * فكبر للرحمن حين رآني فقلت له أين الذين عهدتهم * حواليك في أمن وخفض زمان فقال مضوا واستودعونى رحالهم * وماذا الذي يبقى على الحدثان
وحكى عن علىّ بن أبي طالب كرم اللّه وجهه ورضي اللّه عنه أنه قال : دخلت مقابر البقيع لأزور الأحباب ، وجعلت أسلم عليهم واحدا واحدا ، ثم وليت وأنا أقول : مالي مررت على القبور مسلما * قبر الحبيب فلم يردّ جوابي يا قبر مالك لا تجيب مناديا * أمللت بعد صحبة الأحباب قال : فأجابني صوت عال : قل للحبيب وكيف لي بجوابكم * وأنا الرهين بجندل وتراب أكل التراب محاسنى فنسيتكم * وحجبت عن أهلي وعن أحبابي غيره لبعضهم : لياليك تفنى والذنوب كثيرة * وعمرك يبلى والزمان جديد وتحسب أن النقص فيك زيادة * وأنت على النقصان حين تزيد غيره لبعضهم وجد مكتوبا على قبر : مقيم إلى أن يبعث اللّه خلقه * لقاؤك لا يرجى وأنت قريب تزيد بلى في كلّ يوم وليلة * وتبلى كما يبلى وأنت حبيب غير لآخر الدنيا : ومن يكن همه الدنيا ليجمعها * فسوف يوما على رغم يخليها لا تشبع النفس من دنيا تجمعها * وبلغة من قوام العيش تكفيها لا دار للمرء بعد الموت يسكنها * إلا التي كان قبل الموت يبنيها فمن بناها بخير طاب مسكنها * ومن بناها بشرّ خاب بانيها فاغرس أصول التقى ما عشت مجتهدا * واعلم بأنك بعد الموت تجنيها
الخاتمة قال المؤلف ختم اللّه له بخير ولوالديه وللمسلمين : قد تمت الحكايات التي وعدت بها في أول الكتاب وقد كنت وعدت هناك بخاتمة تشتمل على فصلين وختام للخاتمة يشتمل على فصل آخر وها أنا أشرع في ذلك إن شاء اللّه واللّه الموفق والمعين . الفصل الأول من الخاتمة في الجواب عن إنكار وقع من بعض الفقهاء المصنفين على الفقراء منهم : أبو الفرج بن الجوزي رحمه اللّه تعالى بالغ في إنكار بعض حكاياتهم * من ذلك : حكاية الشيخ أبى حمزة الخراساني رضي اللّه عنه وقد تقدمت ، ولكن نعيدها ههنا لإيراد الجواب قال رضي اللّه عنه : حججت سنة من السنين ، فبينا أنا أمشى إذ وقعت في بئر ، فنازعتنى نفسي أن أستغيث ، فقلت واللّه لا أستغيث بأحد ، فما استتم هذا الخاطر حتى مرّ برأس البئر رجلان ، فقال أحدهما للآخر تعالى نسد رأس هذا البئر لئلا يقع فيه أحد فأتوا بقصب وبارية ذلك في كل شئ من الضرورات وغيرها ، فلم يتحفظوا من عدوّ ولا سبع ، ولا تسببوا لنفوسهم بسبب من الأسباب حتى كان بعضهم يمرّ بالشجرة فتلزم ثوبه بشوكها ، فلا يتسبب في تخليص الثوب حتى تهبّ الريح فتخلصه * وقد قال قطب المقامات اليقين ، وحجة اللّه على العارفين وطمسوا رأس البئر ، فهممت أن أصيح ثم قلت في نفسي إلى من هو أقرب منهما وسكت ، فبينما أنا بعد ساعة إذا بشئ جاء فكشف عن رأس البئر ، وأدلى رجليه وكأنه يقول تعلق بي في همهمة منه كنت أعرف منه ذلك ، فتعلقت به فأخرجني فإذا هو سبع ، فمرّ وهتف بي هاتف يا أبا حمزة أليس هذا أحسن ، نجيناك من التلف بالتلف ، فمشيت وأنا أقول : نهاني حيائى منك أن أكشف الهوى * فأغنيتنى بالفهم منك عن الكشف تلطفت في أمرى فأبديت شاهدي * إلى غائبى واللطف يدرك باللطف تراءيت لي بالغيب حتى كأنما * تبشرني بالغيب أنك في الكف
أراك وبي من غيبتي لك وحشة * فتؤنسنى باللطف منك وبالعطف وتحيى محبا أنت في الحب حتفه * وذا عجب كون الحياة مع الحتف قلت : وما أنكره المذكور رحمه اللّه تعالى في هذه الحكاية وأن هذا الذي فعله أبو حمزة لا يجوز ليس بصحيح ، لأن أبا حمزة المذكور صدر منه هذا وقد منح يقينا كاملا وقلبا شاهدا وحالا عاليا وحياء زاجرا له وحاجزا عليه أن يلتفت إلى غير مولاه أو يرى معه سواه ، كما قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضى اللّه عنه : إنا لا نرى مع الحقّ أحدا ، إن كان ولا بد فكالهباء في الهواء إن فتشته لم تجده شيئا . * قلت : ولو حصل للمنكر عليهم بعض ما حصل لهم ما أنكر عليهم ، والعجب من المنكر المذكور في إنكار مثل هذا مع أنه يعتقد القوم ويطرر كلامه بكلامهم وحكايتهم وكراماتهم ، وكيف ينكر مثل هذه الحكاية على من صار فانيا عما سوى الحقّ صاحب قلب مشاهد ، لا يرى في الملك والملكوت إلا من هو أقرب إليه من نفسين ، كاشف الضر الإله الواحد ، والعجب كل العجب أن هذا الذي أنكره له شاهد في الشرع أي شاهد ، وذلك ما جاء أن إبراهيم الخليل عليه السّلام لما ألقى في النار عرض له جبريل عليه السّلام في الهواء بأمر اللّه تعالى له ألك حاجة ؟ فقال أما إليك فلا ، قال : فاسأل ربك ، فقال حسبي من سؤالي علمه بحالي ، وقال حسبي اللّه ونعم الوكيل ، فهل كان هذا من إبراهيم عليه السّلام إلا كمال يقين ومقام رفيع مكين . وأيضا فقد ذكر العلماء رضى اللّه تعالى عنهم أن الناس في التوكل على ثلاثة أقسام : القسم الأول قوم سلموا نفوسهم للّه فلم يجلبوا لها نفعا ولا دفعوا عنها من الضرّ دفعا ، وقال أبو محمد سهل بن عبد اللّه رضى اللّه تعالى عنه : أول مقام في التوكل أن يكون العبد بين يدي اللّه سبحانه كالميت بين يدي الغاسل ، يقلبه كيف شاء ، ولا يكون له حركة ولا تدبير .
القسم الثاني من الأقسام الثلاثة : قوم تسببوا في الضرورات دون غيرها جلبا ودفعا ، ضرّا ونفعا ، وهذه الطريقة عليها الجمهور من الأنبياء والأولياء ؛ ومن هذا القبيل ما احتج به المنكر من احتراز النبىّ صلّى اللّه عليه وسلم من الأعداء الكفار في هجرته ، واختبائه في غار ثور وغير ذلك ، فهذه طريقة جمهور الأنبياء عليهم السلام كما ذكرنا ، فليس في ذلك للمنكر حجة ، لأن بعض الأولياء لا يحترزون ولا يتسببون لنفوسهم في شئ أصلا كما قدمنا ، وقد تصدر منهم أشياء في حال من أحوال غالبة عليهم تسلبهم الاختيار ، فلا يقاسوا بغيرهم ولا نقول إن تارك التسبب في الضرورات أفضل من المتسبب فيها من الأولياء ، بل قد يكون الأمر بالعكس ، ولم يكن النبىّ صلّى اللّه عليه وسلم محترزا في كل شئ ، بل قد كان يواجه بعض المخاوف وحده كيوم حنين وغيره ، وكذلك أصحابه رضى اللّه تعالى عنهم ، وكذلك كثير في الأحاديث التي يطول ذكرها . وأما قوة أحوال بعض الأولياء وما أعطوا من اليقين والكرامات فكلها مستمدة من فيض فضله صلّى اللّه عليه وسلم ، ومنسوبة إليه ، وقد كان صلّى اللّه عليه وسلم مشرّعا يسلك الطريق السهلة التي يقوى على سلوكها العام والخاص ، ولو سلك مقدم الركب والقوافل طريقا وغرة يقوى هو على سلوكها دون كثير منهم لم يكن بهم رؤوفا رحيما ، ولكنه صلّى اللّه عليه وسلم كما قال اللّه تعالى ( عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ) جزاه اللّه عنا أفضل الجزاء ؛ وقد يسلك بعض الأقوياء من القوافل بعض الطرق الوعرة لمصلحة ولا يمنعه المقدم . القسم الثالث : من الأقسام الثلاثة في التوكل : قوم دخلوا في الأسباب كلها في الضرورات وغيرها ، لكن مع اعتمادهم على المسبب دون السبب * ومما أنكر المنكر المذكور ما حكى عن بعضهم ، ويقال إنه إبراهيم الخوّاص رضى اللّه تعالى عنه ، وذلك أنه كان لا يقيم في بلد إلا أياما معدودة خوف الشهرة ؛ فلما دخل بعض البلاد اشتهر فيها ، فأراد أن يزيل عنه الشهرة وما يترتب عليها من الضرر ؛ فدخل الحمام فوجد ثياب ابن الملك قد نزعها ووضعها عند الحمامي ثم غفل الحمامي عنها فلبسها الخوّاص ولبس من فوقها ثيابه وخرج يمشى رويدا حتى يلحقوه وينسبوه إلى اللصوصية وتزول عنه شهرة الصلاح ،
فلحقوه وأخذوا منه الثياب وضربوه وسموه في ذلك البلد لصّ الحمام ، فقال لنفسه ههنا طاب المقام ، فزعم المنكر أن هذا الفعل لا يجوز في الشرع لأنه عرّض نفسه للتهمة والعقوبة وفعل فعلا محرّما من وجوه كثيرة * والجواب عن ذلك : ما أجاب به بعض الفقراء لما سأله بعض الفقهاء عن هذه الحكاية بعينها وقال له : أريد أن تقيم على جوازها دليلا ظاهرا من ظاهر الفقه ، ولا أقبل ما يذكره الفقراء ، فقال له الفقير المذكور : ما طلبت من الدليل حاصل مشهور ، قال وما هو ؟ قال أليس يجوز في ظاهر الفقه استعمال بعض المحرمات عند بعض الضرورات ، كاستعمال النجاسات في المداواة ؟ قال الفقيه بلى يجوز ذلك ، فقال الفقير فكذلك في هذه المسئلة ، داوى قلبه بهذا المحرّم ، فاعترف الفقيه وقال : هذا الجواب هو الفقه بعينه * قلت : وها أنا أزيد هذا الجواب بعض بيان ، وهو أن يقال : إذا جاز أن تداوى الأجسام من الأسقام بشئ حرام ، فلأن يجوز أن تداوى القلوب التي هي محلّ المعرفة والنور بشئ محظور أولى وأبعد من المحذور ، وشتان ما بين المرضين ؛ فمرض الأجسام نعمة وحسنات ، ومرض القلوب نقمة وهلكات ، وأين هلاك الأبدان من هلاك الأديان ، ففي هلاك الأديان سخط الملك الديان والبغض من الرحمن والقرب من الشيطان ، وليس كذلك هلاك الأبدان فظهر أن مداواة القلب من مرض ضرر الشهرة وغيرها أولى وأحرى ؛ ثم الأمراض إنما تداوى بأضداد عللها ، فالحرارات تداوى بالبوارد بالحرارة ، فكذلك مرض شهرة الصلاح داواه الخوّاص بدواء شهرة الطلاح ، وهذا واضح لا يحتاج إلى زيادة إيضاح ، وقد نبه النبىّ المكرّم على شرف القلب بقوله صلّى اللّه عليه وسلم « ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب » أخرجاه في الصحيحين * ومن ذلك حكاية الشبلي رضى اللّه تعالى عنه : قال لي خاطري يوما : أنت بخيل ؟ فقلت ما أنا بخيل . فقال بلى أنت بخيل ، فقلت ما أنا بخيل ، فقال بلى أنت بخيل ، فنويت أن أوّل شئ يفتح علىّ أعطيه أول فقير ألقاه ، فما تم هذا الخاطر حتى دخل علىّ فلان سماه ، بخمسين دينارا فأخذتها وخرجت فأول من لقيت فقيرا ضريرا ، أو قال أكمه بين يدي مزين يحلق شعره ، فناولتها
المزين فقال منذ قعد الفقير بين يدىّ عقدت مع اللّه تعالى عقدا أن لا آخذ على حلاقته شيئا ، قال فأخذتها وذهبت بها إلى البحر ورميتها فيه وقلت فعل اللّه بك وفعل ، ما أحبك أحد إلا أذله اللّه ، رضى اللّه تعالى عن الثلاثة ونفعنا بهم * قلت : فالجواب عن اعتراض المعترض وإنكار المنكر وزعمه أن هذه إضاعة مال من ثلاثة أوجه أحدها : أن يكون فعل ذلك في حال ورد عليه وذو الحال الغائب غير مكلف . والثاني : أن يكون شهد سما مهلكا كل من صارت إليه فأتلفها كما تتلف الأفعى والثالث : أن يكون بإشارة مؤذنة بالإذن اضطرّته إلى ذلك بحيث لم يجد عنه محيصا ، واللّه أعلم * ومن ذلك حكاية أحمد بن الحوارى عندما أمره شيخه أبو سليمان الدارانى رضى اللّه تعالى عنه : أن يدخل في التنور وفيه النار لما كلمه وهو مشغول القلب وأكثر عليه من قوله يا أستاذي قد حمى التنور ، فقال اذهب فادخل فيه وكان عاهده أنه لا يخالفه في شئ فدخله ومكث ساعة ، ثم قال أبو سليمان الحقوا أحمد ، فأتوه وأخرجوه ولم يحترق منه شئ فالجواب عن هذا أنه علم بقوّة يقينه أن مراعاته للعهد المذكور وقيامه بالوفاء به يدفع عنه كل مخوف محذور ، وكسى حالا من اللّه تعالى هو فيه عن حرارة النار مستور * وقد روى عن بعض العارفين أنه قال : الصادق تحت خفارة صدقه ، يعنى إذا ارتكب المهالك عن صدق حماه صدقه عن الهلاك ، وانقلب ذلك الهلاك نجاة بإذن اللّه تعالى ، ومن ذلك قوله تعالى : ( قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ ) * ومن ذلك الحكاية التي تقدمت أيضا ، وهي أن بعضهم سافر للحج على قدم التجريد ، وعاهد اللّه سبحانه أن لا يسأل أحدا شيئا ، فلما كان في بعض الطريق مكث مدة لا يفتح عليه بشئ ، فضعف عن المشي ، ثم قال هذا حال ضرورة وقد قال اللّه ( وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ) وإذا لم أسأل انقطعت عن القافلة وهلكت بسبب الضعف المؤدى إلى العجز إلى الانقطاع المؤدى إلى الهلاك ، ثم عزم على السؤال ، فلما همّ بذلك انبعث من باطنه خاطر ردّه عن ذلك العزم ، ثم قال أموت ولا أنقض عهدا بيني وبين اللّه تعالى ، فمرّت القافلة ؟ وانقطع واستقبل القبلة مضطجعا ينتظر الموت ، فبينما هو كذلك إذا بفارس
قائم على رأسه معه إداوة ، فسقاه وأزال ما به من ضرورة ، وقال له أتريد القافلة ؟ قال وأين منى القافلة فقال له قم وسار معه خطوات ، ثم قال له قف ههنا فالقافلة تأتيك ، فوقف وإذا بالقافلة مقبلة من خلفه * قلت : والجواب عن هذه الحكاية هو ما ذكرت من الجواب عن الحكاية التي قبلها بلا فرق . وعلى الجملة ما جاء عنهم مما يخالف العلم الظاهر فله محامل : أحدها : أن لا نسلم نسبته إليهم حتى يصح عنهم . والثاني : بعد الصحة أن يلتمس له تأويل يوافق العلم الظاهر ، فإن لم يوجد له تأويل ، قيل لعل له تأويلا في الباطن يعرفه علماء الباطن العارفون باللّه تعالى ، ويذكر عند ذلك قصة موسى مع الخضر عليهما السلام . والثالث : أن يكون صدر عنهم في حال السكر والغيبة والسكران ، سكرا مباحا غير مكلف في ذلك الحال ، فسوء الظن بهم بعد هذه المخارج من عدم التوفيق ، نعوذ باللّه تعالى من الخذلان وسوء القضاء ومن جميع أنواع البلاء * وبعد هذا كله أقول : اعلموا رحمكم اللّه وإياي أن من امتلأ قلبه إيمانا بأحوال الفقراء الصالحين منهم والصديقين ومحبتهم والعلم بسيرتهم ، سلم لهم ما سمع عنهم وحمل ما جاء عنهم مما لا يمكن حمله على ظاهره على محامل صحيحة ، وأوله تأويلا لائقا بأحوالهم المليحة ، ومن جملة التأويلات هذه الثلاثة المذكورة ، وأما من لم يعرف أحوالهم ولم يشرب مشروبهم ولم يذق من مذوقهم ولم يطلع على علومهم وطريقهم ولم يخالطهم ولم يكمل حسن ظنه بهم ، فإنه بلا شك إن لم يوفق ينكر عليهم أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم ، ولقد أحسن القائل حيث قال : أيقدح فيمن شرف اللّه قدره * وما زال مخصوصا به طيب الثنا رجال لهم سرّ مع اللّه صادق * فلا أنت من ذاك القبيل ولا أنا * وأما من اختلف في تكفيره منهم ، فمذهبي فيه التوقف ووكول الأمر فيه إلى اللّه تعالى ، ولا أرى بمطالعة كلامه مصلحة لا سيما لمن ليس عنده تحقيق لقواعد الشرع ومعرفة الأصل دون الفرع ، وأسأل اللّه الكريم التوفيق لما يحبّ ويرضى ، والعفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة لي ولأحبابى والمسلمين أجمعين * وأما قول بعض المشايخ في بعض الحكايات
التي ذكرتها : رأيت الغوث وهو القطب رضى اللّه تعالى عنه بمكة سنة خمس عشرة وثلاث مئة على عجلة من ذهب ، والملائكة يجرّون العجلة في الهواء بسلاسل من ذهب فقد تبادر فهم بعض الناس إلى إنكار هذا ، وليس ذلك بمنكر ، لأنه لم يفعل ذلك بنفسه ، بل فعله الحقّ سبحانه وتعالى في حقه في عالم الملكوت ، لا في هذا العالم الذي هو محلّ التكليف ؛ فلو أن اللّه تعالى أذن لبعض عباده أن يلبس ثوب حرير مثلا ، وعلم العبد مثلا ذلك الإذن يقينا فلبسه لم يكن منتهكا للشرع * فإن قيل : من أين يحصل له علم اليقين ؟ قلت : من حيث حصل للخضر عليه السّلام حين قتل الغلام وهو ولىّ لا نبي على القول الصحيح عند أهل العلم ، كما أن الصحيح أيضا عند الجمهور منهم أنه الآن حي وبهذا قطع الأولياء ورجحه الفقهاء والأصوليون وأكثر المحدّثين * وممن حكى ذلك عن جميع المذكورين الشيخ الإمام أبو عمرو بن الصلاح رضى اللّه تعالى عنه ، ونقله عنه الشيخ الإمام محيي الدين النووي رضى اللّه تعالى عنه وقرّره . وسأل جماعة من الفقهاء الشيخ الإمام عز الدين بن عبد السلام رضى اللّه عنه قالوا له : ما تقول في الخضر عليه السّلام ، أحىّ هو ؟ فقال ما تقولون لو أخبر عنه ابن دقيق العيد ، يعنى الفقيه الإمام تقى الدين بن دقيق العيد رضى اللّه تعالى عنه أنه رآه بعينه أكنتم تصدقونه أم تكذبونه ، فقالوا بل نصدقه ، فقال قد واللّه أخبر عنه سبعون صديقا أنهم رأوه بأعينهم كل واحد منهم أفضل من ابن دقيق العيد انتهى كلامه * قلت : وهذا هو الصحيح المختار عند المحققين من العلماء الموفقين أن العارفين باللّه تعالى أفضل من العلماء بأحكام اللّه رضى اللّه تعالى عنهم أجمعين وبهذا قال الشيخ عزّ الدين بن عبد السلام المذكور وغيره . وقال الشيخ تقى الدين المذكور بعد أن ذكر بعض الأولياء ممن رآه : هو عندي خير من كذا وكذا فقيها ، وكذا أخبرني بعض الأخيار من العلماء المتمكنين ، وهو القاضي نجم الدين الطبري رحمه اللّه أنه جاء خبر إلى مكة أن السيد العارف باللّه الإمام إسماعيل بن محمد الحضرمي رضى اللّه تعالى عنه توفى ، قال السيد الإمام العارف باللّه أحمد بن موسى بن عجيل رضى اللّه
تعالى عنه وكان حينئذ بمكة أرجو أن يفديه اللّه بمئة فقيه ، ثم جاء الخبر الصحيح أنه حىّ ولم يمت إلا بعد مدة طويلة * رجعنا إلى المقصود : لا شك أن من اعتقد الأولياء وصدّق بكراماتهم وبكلّ ما أخبروا به صدّق بأن الخضر عليه السّلام حىّ ، لأن الصدّيقين رضى اللّه تعالى عنهم لم يزالوا في كل زمان يخبرون أنهم اجتمعوا به ، وذلك مشهور مستفيض عنهم ومروى عنهم في الكتب المشهورة التي رواها العلماء والثقات وقد ذكرت في هذا الكتاب أن جماعة من الشيوخ الكبار اجتمعوا به في حكايات متفرّقة حذفت أسانيدها . وقد روى بعض الشيوخ الكبار أن الشيخ الكبير العارف باللّه سهل بن عبد اللّه رضى اللّه تعالى عنه أقبل على الناس يوما وتكلم بكلام حسن ، فقيل له لو تكلمت كلّ يوم مثل هذا كنا قد انتفعنا ؟ فقال إنما تكلمت اليوم لأنه جاءني الخضر عليه السّلام ، فقال لي أقبل على الناس بوجهك وتكلم عليهم ، فقد مات أخوك ذو النون ، وقد أقمتك مقامه ، فلولا أنه أمرني أستاذ الأستاذين ما تكلمت عليكم . وقال الشبخ الجليل العارف باللّه أبو الحسن الشاذلي رضى اللّه تعالى عنه : رأيت الخضر عليه السّلام في برية عيذاب ، فقال لي يا أبا الحسن أصحبك اللّه اللطف الجميل وكان لك صاحبا في الإقامة والرحيل * قلت وأخبرني بعض شيوخ اليمن أنه يأتيه الخضر عند الشدائد بالفرج . وقد ذكر المشايخ من ذلك ما يتعذّر حصره ، منهم الشيخ الكبير العارف باللّه أبو عبد اللّه القرشي رضى اللّه تعالى عنه ، وخلائق لا يحصون ، وليس في الحديث الذي تعلق به بعض المحققين رضى اللّه تعالى عنهم ، وتطويل الكلام والإطناب يخرجنا عن مقصود الكتاب . وأما قوله في الحكاية المذكورة واسمه أحمد بن عبد اللّه البلخي أعنى القطب الذي رآه على عجلة من ذهب ، فهذا الاسم والنسب المذكوران في ذلك الزمان خاصة ، لأن من المعلوم أن مقام القطبية لا يزال ينتقل من واحد إلى واحد ، وقد تقدم ذكر ذلك في مقدمة هذا الكتاب ، وسمعت الشيخ الجليل العارف باللّه نجم الدين الأصفهاني رضى اللّه عنه خلف مقام إبراهيم الخليل عليه السّلام يذكر أن الخضر عليه السّلام يسأل اللّه عزّ وجلّ أن يقبضه إليه عندما يرفع القرآن * قلت : والظاهر واللّه أعلم أن القطب
والأولياء الموجودين في ذلك الوقت يطلبون الموت أيضا حينئذ ، إذ ليس بعد رفع القرآن تطلب الحياة لأهل الخير * وأما ما قدمت في بعض الحكايات عن الخضر عليه السّلام في الأولياء المعدودين أنهم لا يزالون يبدلون واحدا بعد واحد إلى يوم ينفخ في الصور ، فالمراد إلى قريب يوم ينفخ في الصور ، لأن الساعة لا تقوم على من يقول لا إله إلا اللّه كما جاء في الحديث ، وكما جاء أن أهل القرآن والعلم يموتون ولا ينزع منهم القرآن والعلم انتزاعا . وأما الحديث الوارد في الذين أخبر النبىّ صلّى اللّه عليه وسلم أنهم لا يزالون على الحقّ ظاهرين حتى تقوم الساعة ، فلابد من تأويله جمعا بين الأحاديث ، فيحتمل أن يكون معناه إلى قريب قيام الساعة ، هكذا أوّله العلماء * وأما ما ذكرت في حكاية الشيخ علىّ الكردي رضى اللّه تعالى عنه أن كثيرا منهم جمعوا في التستر بين الوله والتجريد يوهمون الناس أنهم لا يصلون ولا يصومون ويكشفون عوراتهم حتى يساء الظنّ بهم ، ولا ينسبون إلى الصلاح ، وهم يصلون ويصومون في الباطن ، فيما بينهم وبين اللّه تعالى ، وقد شوهد كثير منهم يصلون في الخلوات ولا يصلون بين الناس ، فذلك صحيح ، وهؤلاء لهم مذهب معروف يظهرون المساوى ويخفون المحاسن ، ولا يبالي أحدهم بكونه بين الخلق زنديقا إذا كان عند اللّه صديقا ، لأنهم لم يزالوا يبالغون في نفى رؤية المخلوقين وإسقاطهم من قلوبهم وعدم الاحتفال بمدحهم غير ذمهم استجلابا بالكمال والإخلاص ، واستبراء للنفوس من شوائب الشرك الخفي الذي لا يسلم منه إلا الخواص ومنهم آخرون يصلون بين الناس ولا يرون في الصلاة ، بل يحتجبون عن الناس بأحوالهم ولهم أطوار وراء العقل ، لا تدرك بالعقول وإنما تدرك بالنور ، ويعرفها العارفون * وقد سمعت من بعض أهل العلم الظاهر أن بعض الفقهاء كان ينكر على بعضهم بعض الأشياء المعقولات ، فقال له يا فقيه إن هناك أشياء وراء العقل ، فانظر أين تراني الآن ؟ فنظر إليه فإذا هو في الهواء وإذا هو مكانه أيضا . وكذلك أخبرني بعض أهل العلم أيضا أن بعضهم كان لا يرى يصلى ، فلما كان بعض الأيام أقيمت الصلاة وهو قاعد ، فقال له بعض الفقهاء : قم صلّ مع
الجماعة منكرا عليه ، فقام وأحرم معهم وصلى الركعة الأولى ، والفقيه والمنكر بجنبه ينظر إليه ، فلما قاموا إلى الركعة الثانية نظر الفقيه إليه فرأى غيره يصلى مكانه ، فتعجب من ذلك ، وفي الركعة الثالثة رأى ثالثا غير الاثنين الأولين فازداد تعجبا ، وفي الرابعة رأى رابعا غير الثلاثة ، فاشتدّ عجبه ، فلما سلموا التفت ، فرأى صاحبه الأول الذي أنكر عليه جالسا في مكانه وليس عنده أحد من الثلاثة ، فتحير مما رأى ، فنظر إليه الفقير الموله ثم ضحك وقال : يا فقيه أىّ الأربعة صلى معكم هذه الصلاة ؟ انتهى كلامه * فقلت : ومثل هذه القصة سمعت أنها صدرت من قضيب البان رضى اللّه تعالى عنه ، رآه بعض أصحابه يوم عرفة بعرفة ، ورآه آخر من أصحابه في مكانه لم يفارقه في جميع ذلك اليوم ، فذكر كلّ واحد منهما ذلك لصاحبه ، ثم تنازعا وحلف كل واحد منهما بالطلاق من زوجته أنه كما ذكر ، فاختصما إلى الشيخ ، وذكر كلّ منهما يمينه ، فأقرهما على حالتهما وأبقى كل واحد على زوجته . قال الشيخ صفىّ الدين بن أبي المنصور رضى اللّه تعالى عنه فسألت الشيخ مفرجا رضى اللّه تعالى عنه عن حكمه في هذه القضية بعدم حنث الاثنين مع كون صدق أحدهما يوجب حنث الآخر ، وكان معنا في وقت سؤالي له جماعة فيهم رجال معتبرون ، لهم معرفة بالعلم ، فقال لنا الشيخ قولوا : يعنى تكلموا في هذه المسئلة ، وكان ذلك إذنا منه لنا بأن نتحدث في سرّ هذا الحكم ، فنتحدث كل واحد منهم بوجه غير كاف وكانت المسئلة قد اتضحت لي ، فأشار إلىّ الشيخ بايضاحها ، فقلت الولىّ إذا تحقق في ولايته وتمكن من التصرّف في روحانيته ، يعطى من القدرة في التصوّر في صور عديدة في وقت واحد في جهات متعددة على حكم إرادته ؛ فالصورة التي ظهرت لمن رآها بعرفة حقّ ، والصورة التي رآها في مكانه في ذلك الوقت حق فكل واحد منهما صادق في يمينه ، فقال الشيخ مفرج رحمه اللّه تعالى هذا هو الصحيح ، يشير إلى صحة ما أوضحته في صورة ما حكم به بين المتنازعين في أمره ، رضى اللّه تعالى عنه ونفعنا به * قلت : هذا الجواب يوضح ما يشكل من مثل هذا كما في قضية الأربعة الذين صلوا صلاة واحدة ، كل واحد منهم ركعة ، وقضية الواحد الذي
رآه الفقيه في الهواء وفي الأرض في وقت واحد ، وقضية الشخص الذي كان يتكلم من صورة سهل بن عبد اللّه ويحسب الحاضرون أنه سهل ، وكان سهل في ذلك الوقت في منزله ، وقد تقدمت حكايته رضى اللّه تعالى عنه ، وغير ذلك مما يشكل على غير العارفين باللّه تعالى ؛ فأما العارفون باللّه تعالى فلا يشكل عليهم ولا يمنعهم ما رأوا من التجريب من حسن الاعتقاد في المجرّبين كما تقدم من زيارة الشيخ الإمام أستاذ الأنام شيخ شيوخ الإسلام إمام الطريقة ، الجامع بين الشريعة والحقيقة علما وعملا ومقاما وحالا وسلوكا وذوقا وكشفا وتحققا ، مولانا شهاب الدين السهروردي للشيخ على الكردي رضى اللّه تعالى عنهما ونفعنا بهما ، ومجيئه إليه وتطفله عليه ، مع كبر جلالته وعلوّ منزلته وكونه وحيد دهره وفريد عصره ، ولم يصدّه عنه ما قابله به من كشف عورته ، وما نسب إليه من ترك الصلاة وغير ذلك لما عرف فيه الولاية التي سبقت بها العناية . فانظر رحمك اللّه وإياي إلى حسن اعتقاد هذا السيد وتواضعه ، ومحاسن آدابه ، ومسارعته إلى زيارته مع كون القادم الذي حقه أن يزار لا يزور ، رضى اللّه تعالى عن الزائر والمزور . وانظر إلى كثير من الناس كيف يطعنون في مثل هذا الشيخ علىّ المذكور ، وينسبونه إلى الزندقة والفجور ، إلا الموفقين فإنهم يعتقدونه ، وإن لم يعرفوه كما يعرفه العارفون باللّه تعالى * ولقد سمعت بعض الفقهاء الكبار في بلاد اليمن وقد ذكره في هذا الكتاب ، وذكرت بعض كراماته رضى اللّه تعالى عنه قال : رأيته يفعل بعض الأشياء المنكرة في ظاهر الشرع جهارا ، فقلت في نفسي انظر إلى هذا الفاعل التارك الذي يقال إنه صالح كيف يقدم على هذه المنكرات المحرمات ، فلما كان الليل احترق بيتي بالنار ، انتهى كلامه * قلت : وأهل التوله والتجريب كثير لا ينحصر عددهم ولا تحصى كراماتهم ومجدهم ، ولكن قد يتشبه بهم من ليس منهم ، ويدخل نفسه بالتزوير معهم من هو خارج عنهم ، إذ لم يزل في الناس الكاذب والصادق والطائع والفاسق والصدّيق والزنديق . فإن قلت : فهذا يؤدى إلى الالتباس في اختلاف الناس في الصفات الحقيرات والنفاس ، فكيف يعتقد من لا يدرى إلى أىّ القبيلين يرجع ومن
اعتقاده للنفع ينجع ؟ فما الجواب في ذلك ؟ قلت : الجواب فيما ظهر لي واللّه سبحانه وتعالى أعلم مبسوطا ومختصرا ، فأما المبسوط فأقول : اعلم وفقك اللّه وإياي لأحمد الطريقين ، وجعلنا جميعا من خير الطريقين الذي قال فيهم العليم الخبير ( فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ ) إن حسن الظنّ بالمسلمين فضلا عن الصالحين ، باب كبير من أبواب الخير والنفع في الجلب والدفع ، أعنى جلب المحبوبات المحمودات ، ودفع المكروهات المذمومات في الحياة والممات ، وذلك مشهور معروف عند كل من هو بالخير موصوف ، ولكن لا يمكننا أن نطلق القول باعتقاد كل أحد ، بل لابد من التفصيل لما تقدم من وقوع الالتباس ، ثم التفصيل في ذلك فيه صعوبة وغموض ، إذا لا يطلع على بواطن الخلق إلا الحقّ سبحانه وتعالى ، أو من أطلعه اللّه على ذلك ، ولكني أقول في ذلك بحسب ما ظهر لي وانشرح للقول به صدري ، راغبا إلى اللّه تعالى بالتوفيق للصواب ومستعينا به ومفوّضا إليه أمرى ، وراجعا في ذلك إليه ، ومعتمدا فيما أقصد عليه ، ومتبرّئا من الحول والقوّة إلا به في كل واضح ومشتبه ، وهو حسبي ونعم الوكيل ، فأقول وباللّه التوفيق : الناس على قسمين : معتقد - بكسر القاف - ومعتقد بفتحها ، والقسم الأول على قسمين أيضا : ناظر بنور اللّه تعالى وغير ناظر به ، والقسم الثاني من التقسيم الأول على قسمين أيضا : مرتكب منكر في ظاهر الشرع مصرّ عليه عالم به ، وغير مرتكب لذلك . والقسم الثاني منه المعتقد من غير نور ينظر به كأمثالنا ، نسأل اللّه الكريم أن يتكرّم علينا بجاه الكرام عنده ؛ والكلام في هذا القسم يختلف حكمه باختلاف القسم الثاني ، وهو المعتقد بفتح القاف ، فالقسم الثاني منه هو غير المرتكب للمنكر المذكور يحسن الظنّ به مطلقا . والقسم الأول منه وهو المرتكب على ثلاثة أقسام . الأول منها : من يعتقده العارفون المعروفون بالنور والعلم الباطن ، فهذا يعتقده مثلهم ، والثاني منها : من لا يعتقده المذكورون ، فهذا لا نعتقده لوجهين : أحدهما ارتكابه للمنكر والآخر لموافقة العارفين المذكورين في عدم اعتقاده . والثالث من الأقسام الثلاثة : من لا نعلم هل يعتقدونه أم لا ؟ فهذا على قسمين : الأول منهما : من لم يظهر منه شئ من خوارق العادة ، فهذا نسىء الظنّ
لإصراره على المنكر المذكور مع عدم معارضة كرامته . واعتقاده المذكورين . أو الثاني منهما : من ظهر منه شئ من ذلك ، فهذا على ثلاثة أقسام : الأول منها : من يكون معروفا بالديانة والطاعة والعبادة معرفة موجبة لظنّ مؤكد مستند إلى طول خلطة أو غير ذلك من الأسباب الموجبة للظنّ القوىّ ، فهذا نعتقده لاجتماع الكرامة والدين ونقول ما نسب إليه من المنكر المذكور يحتمل أن يكون له مخرج عنه بأمر باطن خفىّ علينا كما كا للخضر عليه السّلام مع موسى صلّى اللّه عليه وسلم . والقسم الثاني من الثلاثة : من يكون معروفا بالفسق أو السحر أو الكهانة ، فهذا نسىء الظنّ به ، ونقدح فيه وننكر عليه لانتفاء الدين والكرامة جميعا عنه ، لأن هذا الذي أظهره ليس بكرامة بل سحر وكهانة يظهران على يد كل ولىّ للشيطان ، نعوذ باللّه منه ؛ والكرامة تظهر على يد كل ولىّ للرحمن تبارك وتعالى ، وليس الساحر والكاهن من الدين في شئ ، وقد يكون بعض السحر كفر ؛ وكذا المنجم الذي يعتقد أن النجوم مؤثرة بذاتها والطبيب المعتقد أن الطبائع مؤثرة بذاتها كافران ، نسأل اللّه الكريم العافية في الدين والدنيا والآخرة لنا ولجميع المسلمين آمين . والقسم الثالث من الأقسام الثلاثة : من يكون مجهول الحال فيما ذكرناه من الديانة مع ظهور الخارق والمنكر المذكورين منه ، فهذا نتوقف فيه ونمعن النظر ونختبره ونجرّبه ونبحث معه وعنه في الأقوال والأفعال والأعمال والأحوال ، لأجل تعارض فضيلة ورذيلة ، أعنى الخارق المحتمل للكرامة والمنكر المقتضى الملامة . ونلزم معه الأدب في البحث والاختبار والمجالسة ، فإن ظهر لنا ما يقتضى إلحاقه بحكم أحد القسمين اللذين قبله ألحقناه بحكمه ، وعاملناه بمقتضاه ، وإن لم يظهر لنا شئ منه نظرنا في المنكر الذي هو ملابسه . وهو على قسمين : فاحش وغير فاحش : فإن كان فاحشا تباعدنا عنه إلى أن يظهر لنا ما يقتضى القرب منه لأنا على يقين من المنكر في الظاهر ، والكرامة نشك فيها في الظاهر والباطن ، وإن كان غير فاحش قربنا منه إلى أن يظهر لنا ما يقتضى البعد عنه ، لأن الكرامة محتملة ، وتحسين الظنّ بالمسلمين مندوب إليه ، وأما المنكر اليسير فلا يكاد يسلم منه إلا القليل ، ووجود
الطيب الخالص عزيز جدا ، وفي مثل هذا قال القائل : من لك بالمحض وليس محض * يخبث بعض ويطيب بعض فهذه عشرة أقسام ثابتة بعد إسقاط ما تكرر منها . وقد بقي قسم آخر ، وهو كلّ مجهول الحال ظهر منه خارق للعادة من غير ظهور منكر منه ، فهذا نحسن الظنّ به ما لم يظهر لنا ما يقدح فيه ، وهذا المذكور كله الخارق للعادة هو إذا حصل مع عدم التحدّى والدعوى على ما تقدّم في فصل كرامات الأولياء من الشرط والتفصيل والاستثناء . وكل من تعارض فيه موجبا مدح وقدح وتساوى الموجبان ولم يترجح أحدهما وشككنا فيه وخفى علينا حاله توقفنا فيه ولم نحكم فيه بصلاح ولا طلاح ولا مدح ولا قدح ولا اعتقاد ولا انتقاد ، بل نكل أمره إلى العليم الخبير الذي ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) هذا ما ظهر لي من الجواب ، واللّه أعلم بالصواب * وأما المختصر من الجواب وإيجاز البسط والإطناب في هذه التقسيمات والأقسام المذكورات ، فهو أن نقول : الناس على ثلاثة أقسام : قسم نعتقده ، وقسم لا نعتقده ، وقسم نتوقف فيه * فالقسم الأول : نعتقده بأحد ثلاثة أشياء : الأول أن يعتقده أهل الباطن على أىّ صفة كان . والثاني أن لا يصرّ على منكر ظاهر . والثالث أن تجتمع فيه الديانة والكرامة بشرطهما مع الإصرار على بعض المنكرات في الظاهر * والقسم الثاني لا نعتقده باجتماع ثلاثة أشياء : الأول إصراره على منكر في ظاهر الشرع عالما به . والثاني عدم ظهور خارق للعادة منه . والثالث عدم علمنا باعتقاد أهل العلم الباطن فيه . والقسم الثالث نتوقف فيه باجتماع ثلاثة أشياء : الأول ظهور الخارق للعادة منه . والثاني جهلنا بحاله . والثالث إصراره على المنكر المذكور مع علمه به ونبحث معه عنه فإن ظهر لنا ما يقتضى صلاحا أو طلاحا عاملناه بمقتضاه وإلا فإن كان المنكر فاحشا جانبناه وإن لم يكن فاحشا خالطناه ، واللّه أعلم . فهذا مختصر الأول في نحو من سبع كلامه مع استيعاب جميع أحكامه
وهذا الذي ذكرته في المجهول الحال أنه إذا لم يظهر لنا حاله أنا نجانبه أو نخالطه على حسب فحش المنكر وعدم فحشه قلته على جهة الاحتياط ، وإلا فليس يخفى الولىّ الصديق الصادق من الساحر الزنديق والكاهن الفاسق ، بل يعرف هذا من هذا بأدنى مخالطة بل بمجرد رؤيته ، فليس سيما المقرّبين والأبرار كسيما الزنادقة والفجار ، وهذا يعرف بالرؤية ، وليس الآداب كالآداب ، ولا البركات كالبركات ، ولا السكون كالسكون ، ولا الحركات كالحركات ، وهذا يعرف بالمخالطة ، فلو لبس الخبيث بكل ممكن بالطاهر ، فلابد أن يرشح من باطنه ما يميز بين رشح نتنه الخبيث وبين رشح طيب الطيب الفاخر ، فذاك يفوح من باطنه نتن الفجور ويحرق جليسه كنافخ الكير بالنار ، وهذا يفوح من باطنه مسك الطاعة ويجد جليسه من ريحه كحامل المسك العطار * مفرد : يكون أجاجا دونكم فإذا انتهى * إليكم تلقى طيبكم فيطيب ولو أن الشوهاء كل عال وغال من حلىّ وحلل لبست لم تشبه الحسناء ، وإن هي عن الحلىّ والحلل تعطلت ؛ أين تمويه السراب من المورد العذب الشراب ، وأين ظاهر القشر من باطن اللباب ، كل ذلك يعرف ببديهة العقول ، وفي هذا المعنى أقول : لعمرك ما شوها بحلى تزينت * كحسنا وإن كانت عن الحلى عاطله إذا ما ادعت حسنا وتزوير حليها * شهود فدعوى صاحب الزور باطله وهذا التفصيل والتقسيم الذي ذكرته فيمن يعتقد ويعتقد بكسر القاف في الأول وفتحها في الثاني من المذكورين لا أعلم أحدا ذكره ، ولكن أظن أن كلّ موفق يحسن الظنّ في الفقراء من الفقهاء وغيرهم من أهل الرشاد يوافقني على ما ذكرته من الاعتقاد ، اللهمّ إلا أهل مذهب معروف بالتجسيم في بعض البلاد ، فإنه لا مطمع في موافقتهم ، فإنهم لا يزالون يطعنون في الأولياء والصالحين من الصوفية ومن الأئمة العلماء الذين خالف صحيح اعتقادهم باطل اعتقاد الحشوية ، كالحبر المعظم الذي باهى به سيدنا محمد صلّى اللّه عليه وسلم موسى وعيسى ابن مريم عليهما السلام بقوله صلّى اللّه عليه وسلم أفي أمتكما حبر هكذا ؟ فقالا
عليهما السلام لا ، وذلك الإمام حجة الإسلام أبو حامد الغزالي رحمه اللّه تعالى ، روينا ذلك بالإسناد المتصل العالي عن الشيخ الكبير العارف باللّه تعالى أبى الحسن الشاذلي رضى اللّه تعالى عنهما ونفعنا بهما ، وشهد له أيضا الصدّيقون بالصدّيقية العظمى والمقام العالي البعيد المرمى ، وفيه قلت : أبو حامد غزال غزل مدقق * من العلم لم يغزل كذلك بمغزل به المصطفى باهى لعيسى ابن مريم * له قال صدقا خاليا عن تقوّل أحبر كهذا في حواريك قال لا * وناهيك في هذا الفخار المؤثل له في منامي قلت آأنت حجة * لإسلامنا لي قال ما شئت بي قل * وذكر الشيخ العارف باللّه الخبير الشهير اليمنى أحمد بن أبي الخير الصياد رضى اللّه عنه ونفع به العباد كلاما ثابتا عنه بالإسناد ، من جملته أنه رأى في بعض الأيام وهو قاعد أن أبواب السماء مفتحة ، وإذا بعصبة من الملائكة قد نزلوا إلى الأرض ومعهم خلع خضر ودابة من الدواب ، فوقفوا على رأس قبر من القبور وأخرجوا شخصا من قبره وألبسوه الخلع وأركبوه على الدابة وصعدوا به إلى السماء ، ثم لم يزالوا يصعدون به من سماء إلى سماء حتى جاوزوا السماوات السبع كلها ، وخرق بعدها سبعين حجابا ، قال فتعجبت من ذلك وأردت معرفة ذلك الراكب ، فقيل لي هذا الغزالي ، ولا علم لي أين بلغ انتهاؤه رضى اللّه تعالى عنه وعن علماء المسلمين ، وكالإمام الشهير الكبير الولىّ ذي السيرة الحميدة والمناقب العديدة محيي الدين النووي رضى اللّه تعالى عنه ونفعنا به وغيرهما مما لا يحصى عددهم من العلماء المحققين ، والنظار المدققين الصالحين الموفقين ؛ ولم يزل الطاعنون المذكورين يتربصون ببعض ما يعدونه زللا لينتهزوه فرصة يتخذونها ذريعة إلى بلوغ الأغراض في التفكير ، رما قدروا عليه من ثلب الأعراض ، ولو قدروا على عقوبة لبادروا إليها ؛ لا أقدرهم اللّه عليها ؛ حتى إنهم يأتون إلى كلام فيه نوع استعارة أو مجاز أو ضرب من المبالغة أو غير ذلك ، مما يقع في الكلام الفصيح ويكسونه زىّ معنى مليح ، ويعدّه أهل الفضل في العلوم فضلا للذين لم يزالوا لمعرفة
أنواع البلاغة وتحقيق العلوم أهلا ، ويجعلونه هم كفرا وبدعة وجهلا ، ولم يزالوا حريصين على إظهار ما يعدونه مساوى بزعمهم وهي محاسن عند من خبرها ، وباحثين عن بواطن الفقراء ، مترجين انكشاف عورة أمر الشارع بسترها ، وكل من رأوه منفردا عن الناس أو متجرّدا عما عليهم من اللباس أو حافيا أو حاسر الرأس أو غير ذلك من هيئات المشمرين في اللّه الرافضين للدنيا الأكياس ، قالوا هذا خارج عن الكتاب والسنة والإجماع والقياس ، ولم يدروا أن الطريق العليا في الكتاب الأسنى وعزائم السنة الغرّاء وإجماع العقلاء وقياس الفطناء الذين فيهم تقدم قول القائل أولا : إن للّه عبادا فطنا * طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا نظروا فيها فلما عرفوا * أنها ليست لحى وطنا جعلوها لجة واتخذوا * صالح الأعمال فيها سفنا هي رفض الدنيا والإعراض عما سوى اللّه تعالى وليس هي مجرّد الرخص وما فيه لنفوسهم هوى ، كأنهم لم يسمعوا قوله تعالى ( وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ) الآية وغيرها من الآيات الكريمات والواردات في فضل الفقراء ، وذم الدنيا والهوى ، وقوله صلّى اللّه عليه وسلم في الأحاديث الصحيحات والشهيرات في مصعب بن عمير رضى اللّه تعالى عنه وذكراها به وتمزقه ، وفي أويس بن عامر رضى اللّه تعالى عنه وذكر تجرده وسيرته ، وقوله صلّى اللّه عليه وسلم في الأول منهما « دعاه حبّ اللّه ورسوله إلى ما ترون » وفي الثاني « لو أقسم على اللّه لأبرّه » وقوله صلّى اللّه عليه وسلم « إن البذاذة من الإيمان » ، وقوله صلّى اللّه عليه وسلم « يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمس مئة عام » ، وقوله صلّى اللّه عليه وسلم « هذا خير من الأرض مثل هذا » ، وقوله صلّى اللّه عليه وسلم « ثم رجل يعتزل في شعب من الشعاب يعبد ربه » وقوله صلّى اللّه عليه وسلم « كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل » ، والحديث الذي فيه عيادته صلّى اللّه عليه وسلم مع جماعة من أصحابه رضى اللّه تعالى عنهم أجمعين لسعد بن عبادة رضى اللّه تعالى عنه وليس عليهم قمص ولا قلانس ولا نعال ولا خفاف ، وغير ذلك من الأحاديث الواردة في التقشف وترك الزينة وعدم التقيد بهيئة مخصوصة ، وكذلك سيرة الزهاد من الصحابة والتابعين ، وحكايات العباد من السلف الصالحين رضى اللّه تعالى عنهم في التجرّد وترك الدنيا ، والاشتغال بالأخرى
والانعزال عن الورى ، والتخلي لذكر المولى سبحانه وتعالى ، والتغرب عن الأهل والأحباب والأوطان ، والتشتت في السياحات في الفلوات كما قال بعضهم : ومشتت العزمات لا يلوى على * أهل ولا مال ولا جيران ألف السرى حتى كأنّ رحيله * للبين رحلته إلى الأوطان وا عجبا من قوم يطعنون في الصوفية السادات كبارهم وصغارهم ، كيف عموا عن رؤية محاسنهم الزاهرة ، وأنوارهم الباهرة ، ومعالى فخارهم وتزينوا بثلب أعراضهم الطاهرة ، ولم يقفوا على أغراضهم الظاهرة ، ويصدقوا صحيحها ، وصموا عن سماع علومهم البحار الزاخرة ، ومعارفهم العوالي الفاخرة ، فلم يعشقوا مليحها ، وغير ذلك مما ذكره يطول ، وفي هذا المعنى أقول : إذا أنت لم تظهر بها حسن عزّة * وتسمع معاني لفظها حين تنطق أصمّ وأعمى عن سماع ورؤية * وفي ظلمة والنور حولك مشرق وفي ربيعها جار الخيام كغائب * له منزل غرب وعزّة مشرق فما قط تدرى طعم حب جمالها * ولا أنت ممن حسن عزّة يعشق
( الفصل الثاني في بيان عقيدة المشايخ العارفين الربانيين المكاشفين والعلماء المحققين والأئمة المدققين رضى اللّه تعالى عنهم أجمعين مختوما بثلاث قصيدات وذكر شئ من الصفات المحمودات والمذمومات ) روينا عن تاج العارفين باللّه قطب العلوم اللدنية سيد الطائفة الصوفية الإمام الأستاذ أبى القاسم الجنيد رضى اللّه تعالى عنه أنه قال : أول ما يحتاج إليه من عقد الحكمة معرفة المصنوع صانعه والمحدث كيف كان إحداثه ، فيعرف صفة الخالق حينئذ من المخلوق ، وصفة القديم من المحدث ، فيذّل لدعوته ، ويعترف بوجوب طاعته فإن لم يعرف مالكه لم يعترف بالملك لمن استوجبه * روينا عن الشيخ الكبير العارف باللّه قطب المقامات ومعدن الكرامات أبى سهل بن عبد اللّه التستري رضى اللّه تعالى عنه أنه سئل عن ذات اللّه سبحانه ؟ فقال : ذات اللّه موصوفة بالعلم غير مدركة بالإحاطة ولا مرئية بالأبصار في دار الدنيا ، وهي موجودة بحقائق الإيمان من غير حدّ ولا حلول ، وتراه العيون في العقبى ظاهرا ملكه وقدرته ، قد حجب الخلق عن معرفة كنه ذاته ودلهم عليه بآياته ؛ فالقلوب تعرفه والعقول لا تدركه . ينظر إليه المؤمنون بالأبصار من غير إحاطة ولا إدراك نهاية * قلت : وقول سهل هذا في نهاية الحسن والتحقيق والتدقيق لمن تأمل ألفاظه * وروينا عن الشيخ الكبير العارف باللّه لسان الحكمة ذي العلوم والأحوال والكرامات الجمة أبى الفيض ذي النون المصري رضى اللّه تعالى عنه أنه سئل عن التوحيد ؟ فقال : أن تعلم أن قدرة اللّه تعالى في الأشياء بلا مزاج وصنيعه للأشياء بلا علاج ، وعلة كل شئ صنعه ، ولا علة لصنعه ، وليس في السماوات العلا ولا في الأرضين السفلى مدبر غير اللّه تعالى ، وكل ما تصوّر في وهمك فاللّه تعالى بخلاف ذلك * قلت : هذا القول أيضا جمع بين الحسن والتحقيق العزيز ، مع أنه مختصر جامع وجيز * وجاء رجل إلى ذي النون فقال : ادع اللّه تعالى ، فقال إن كنت قد أيدت في علم الغيب بصدق التوحيد ، فكم من دعوة مجابة قد سبقت
لك ، وإلا فإن النداء لا ينقذ الغرقى . وروينا عن الشيخ الكبير الشأن ذي الكرامات والمعارف والأسرار أبى الحسين النووي رضى اللّه تعالى عنه أنه قال لما وصف القرب من اللّه تعالى : أما القرب بالذات فتعالى الملك عنه وإنه متقدس عن الحدود والأقطار ، والنهاية والمقدار ، ما اتصل به مخلوق ، وما انفصل عنه حادث مسبوق ، جلت الصمدية عن قبول الوصل والفصل . فقرب هو في نعته محال . وهو تدانى الذوات . وقرب في نعته واجب ، وهو قرب الفعل باللطف * قلت : وهذا القول أيضا بديع الحسن والتحقيق . وروينا عن الأستاذ أبى القاسم الجنيد رضى اللّه عنه أنه سأله ابن شاهين عن معنى مع ، فقال مع علي معنيين : مع الأنبياء بالنصرة والكلاءة قال اللّه تعالى ( إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى ) ومع العامة بالعلم والإحاطة قال اللّه تعالى ( ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ ) الآية ، فقال ابن شاهين : مثلك يصلح أن يكون دالا للأمة على اللّه عزّ وجلّ * وعن الجنيد أيضا أنه قال : متى يتصل من لا شبيه له ولا نظير بمن له شبيه ونظير ؟ ! هيهات هذا ظنّ عجيب إلا بما لطف اللطيف من حيث لا درك ولا وهم ولا إحاطة ، إلا إشارة اليقين وتحقيق الإيمان . وقال أيضا : تفرد الحقّ بعلم ما كان وما يكون وما لا يكون أن لو كان كيف كان يكون . وقال أيضا : أشرف المجالس وأعلاها مجالس الفكر في ميدان التوحيد . وقال أيضا : التوكل عمل القلب والتوحيد قول القلب ، وهذا هو قول أهل أصول الكلام هو المعنى القائم بالقلب من معنى الأمر والنهى والخبر والاستخبار * وسئل الجنيد عن التوحيد فقال : يقال إفراد الموحد بتحقيق وحدانيته بكمال أحديته أنه الواحد الذي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ، بنفي الأضداد والأنداد والأشباه بلا تشبيه ولا تكييف ولا تصوير ولا تمثيل ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) . وروينا عن الشيخ الكبير العارف باللّه أبى العباس بن عطاء رضى اللّه تعالى عنه أنه قال : لما خلق اللّه الأحرف جعلها سرّا له ، فلما خلق آدم عليه السّلام بث فيه ذلك السرّ ولم يبث ذلك في أحد من ملائكته فجرت الأحرف على لسان آدم عليه السّلام بفنون الجريان وفنون اللغات ، فجعلها صورا لها ، وهذا القول صريح من ابن عطاء رحمه اللّه تعالى بأن الحروف مخلوقة
وروينا عن الشيخ الكبير العارف أبى بكر الشبلي رضى اللّه تعالى عنه أنه قال : جلّ الواحد المعروف قبل الحدود وقبل الحروف ، وهذا صريح من الشبلي بأن القديم سبحانه وتعالى لا حدّ لذاته ولا حروف لكلماته . وسئل عن قوله تعالى ( الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى ) فقال : الرحمن لم يزل والعرش محدث والعرش بالرحمن استوى * وروينا عن الإمام الجليل ذي المناقب والجد الأثيل سلالة النبوّة معدن الفضائل والعلوم والفتوّة ، جعفر الصادق رضى اللّه تعالى عنه أنه قال : من زعم أن اللّه سبحانه وتعالى في شئ أو من شئ أو على شئ ، فقد أشرك باللّه إذ لو كان على شئ لكان محمولا ، لو كان في شئ لكان محصورا ، ولو كان من شئ لكان محدثا ، تعالى اللّه عن ذلك . وسئل الشيخ العارف جعفر ابن نصير رضى اللّه تعالى عنه عن الاستواء فقال : استوى علمه لكل شئ ، فلا شئ أقرب إليه من شئ . وقال كثير من الأئمة الكبار العارفين أهل الأنوار والأصوليين النظار : استوى ، معناه استولى ، كما قال الشاعر : قد استوى بشر على العراق * من غير سيف ودم مهراق وذكروا تأويلات أخر يطول ذكرها في معنى الاستواء * وقيل للشيخ أبى الحسن الشاذلي رضي اللّه عنه أعرشىّ أنت أم كرسىّ ؟ فقال الطينة أرضية ، والنفس سماوية ، والقلب عرشىّ ، والروح كرسىّ ، والسر مع اللّه بلا أين * قلت : وهذا القول صريح في نفى الجهة عن خالق الجهات ، المتعالى عن الحركات والسكنات وسائر سمات المخلوقات * وروينا عن الشيخ العارف الواعظ لسان الحكمة يحيى بن معاذ الرازي رضي اللّه عنه أنه قيل له : أخبرنا عن اللّه تعالى ، فقال إنه واحد ، فقيل كيف هو ؟ فقال ملك قادر ، فقيل أين هو ؟ فقال بالمرصاد ، فقال السائل لم أسألك عن هذا ؟ فقال ما كان غير هذا فهو صفة المخلوق ، فأما صفته فما أخبرت عنه * وقال الشيخ الكبير العارف الأستاذ أبو علىّ الدقاق رضي اللّه عنه قيل لصوفى أين اللّه ؟ فقال أسحتك اللّه تطلب مع العين أين . وقال محمد بن محبوب خادم الشيخ العارف أبى عثمان المغربي رضى اللّه تعالى عنهما قال لي أبو عثمان : يا محمد لو قال لك أحد أين معبودك إيش تقول ؟ قال كنت أقول حيث لم يزل . قال : فإن قال : فأين كان في الأزل ؟ إيش تقول
قال : قلت أقول : هو الآن ، يعنى أنه كما كان ولامكان ، فهو الآن على ما عليه كان ، قال فارتضى ذلك منى ونزع قميصه وأعطانيه * وروينا عن الشيخ الكبير العارف باللّه تعالى أبى عثمان المذكور رضى اللّه تعالى عنه أنه قال : كنت أعتقد شيئا من حديث الجهة ، فلما قدمت بغداد زال ذلك عن قلبي ، فكتبت إلى أصحابنا بمكة إني أسلمت جديدا * وروينا عن الأستاذ الإمام أبي إسحاق الأسفرايني رضى اللّه تعالى عنه أنه قال : لما قدمت بغداد كنت أدرس في جامع نيسابور مسئلة الروح وأشرح القول في أنها مخلوقة ، وكان الشيخ أبو القاسم النصراباذى قاعدا متباعدا عنا يصغى إلى كلامنا ، فاجتاز بنا من بعد ذلك بأيام قلائل ، فقال لمحمد الفرّاق : أشهد أنى أسلمت على يد هذا الرجل ، وأشار إلىّ * قلت : وهذا القول من الشيخ أبى القاسم المذكور تواضع وإنصاف ورجوع إلى الحقّ واعتراف مع جلالة قدره ، فإنه كان شيخ وقته ، وكذلك قول الشيخ أبى عثمان السابق وكل هذا يدلّ على أنهم مطهرون من الحظوظ النفسية ، متصفون بالصفات الزكية أهل الحضرة القدسية * وقال الشيخ الجليل العارف أبو بكر الواسطي رضى اللّه تعالى عنه : ما أحدث سبحانه شيئا أكرم من الروح ، فهذا صريح منه بأن الروح مخلوقة . وقال الشيخ العارف الكبير الرباني أبو القاسم النصراباذى رضى اللّه تعالى عنه : الجنة باقية ببقائه ؛ وهذا القول في غاية التحقيق ، فإن مذهب أهل الحقّ أن صفات ذات القديم باقية ببقائه ، وأفعاله باقيات بإبقائه ، فهو تعالى عالم بعلم ، قادر بقدرة ، مريد بإرادة ، متكلم بكلام ، سميع بسمع ، بصير ببصر ، حىّ بحياة ، باق ببقاء ، فهذه الصفات وسائر صفاته باقية ببقاء ذاته أزلا وأبدا ؛ وأما أفعاله كالجنة والنار وغيرهما فباقيات بإبقائه لها . وخالفت المعتزلة في الصفات فقالوا : عالم بغير علم ، قادر بغير قدرة ، باق بغير بقاء ، وكذا سائر الصفات . وخالفت الفلاسفة في الأفعال الواقعة تحت القدرة فزعموا أنها قديمة ، ولزم على قولهم الحكم بقدم العالم ، تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا .
وروينا عن الشيخ العارف ذي الكرامات والمعارف والمواهب واللطائف ، أبي إسحاق إبراهيم بن محمد الخوّاص رضي اللّه عنه أنه قال : انتهيت إلى رجل وقد صرعه الشيطان ، فجعلت أؤذن في أذنه ، فناداني الشيطان من جوفه : دعني أقتله فإنه يقول : إن القرآن مخلوق * وقال الأستاذ أبو القاسم الجنيد رضي اللّه عنه : سئل بعض العلماء عن التوحيد ، فقال : هو اليقين ، قال السائل بين لي ما هو ؟ فقال هو معرفتك أن حركات الخلق وسكونهم فعل اللّه وحده لا شريك له ، فإذا عرفت ذلك فقد وحدته * وقال الشيخ الكبير العارف الرباني أبو علىّ الروذباري رضي اللّه عنه وقد سئل عن التوحيد ؟ فقال : هو استقامة القلب بإثبات مفارقة التعطيل ، وإنكار التشبيه وإثبات التوحيد في كلمة واحدة كلّ ما تصورته الأوهام والأفكار ، فاللّه سبحانه وتعالى بخلافه لقوله تعالى ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) قلت وهذه الأقوال رواها الشيخ الإمام أبو القاسم القشيري رضي اللّه عنه في رسالته المشهورة ما خلا ألفاظا يسيرة رواها بعض الأئمة العارفين غيره ، ثم إن هذه الأقوال تدل على ما ذكره الإمام القشيري المذكور ، قال رضي اللّه عنه : اعلموا رحمكم اللّه تعالى . أن شيوخ هذه الطائفة بنوا قواعد أمرهم على أصول صحيحة في التوحيد ، وصانوا عقائدهم عن البدع ، ودأبوا بما وجدوا عليه السلف الصالح وأهل السنة من توحيد ليس فيه تمثيل ولا تعطيل ، عرفوا ما هو حقّ القدم وتحققوا ، بما هو نعت الموجود عن العدم ، فلذلك قال سيد هذه الطائفة الجنيد رضي اللّه عنه : التوحيد إفراد القدم من الحدوث ، وأحكموا أصول العقائد بواضح الدلائل ولائح الشواهد كما قال الشيخ أبو محمد الجريري رضي اللّه عنه : من لم يقف على علم التوحيد بشاهد من شواهده زلت به قدم الغرور في مهواة من التلف ، يريد بذلك أن من ركن بقلبه إلى التقليد ولم يتأمل دلائل التوحيد سقط عن سنن النجاة ، ووقع في أسر الهلاك . قال الأستاذ أبو القاسم القشيري رضي اللّه عنه : ومن تأمل ألفاظهم وتصفح كلامهم ، وجد في مجموع أقاويلهم ومتفرقاتها ما يثق بتأمله بأن القوم لم يقصروا في التحقيق عن شأو ، ولم يعرّجوا في الطلب على تقصير : قال شيوخ هذه الطريق على ما يدل عليه متفرّقات كلامهم ومجموعاتهم ومصنافتهم في التوحيد ، أن الحق سبحانه
وتعالى موجود قديم واحد حكيم قادر عليم قاهر رحيم مريد سميع مجيد رفيع متكلم بصير متكبر قدير حىّ باقي صمد ، وأنه لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ، وأنه عالم بعلم ، قادر بقدرة ، مريد بإرادة ، سميع بسمع ، بصير ببصر ، متكلم بكلام ، حىّ بحياة ، باق ببقاء ، وله يدان هما صفتان يخلق بهما ما يشاء على التخصيص ، وله الوجه ؛ وصفات ذاته مختصة بذاته ، لا يقال هي هو ، ولا هي أغيار له ، بل هي صفات أزلية ونعوت سرمدية ، وأنه أحدى الذات ليس يشبه شيئا من المصنوعات ، ولا يشبهه شئ من المخلوقات ، وليس بجسم ولا بجوهر ، ولا صفاته أعراض ، ولا يتصور في الأوهام ، ولا يتقدر في العقول ، ولا له جهة ولامكان ، ولا يجرى عليه وقت ولا زمان ، ولا يجوز في وصفه زيادة ولا نقصان ، ولا تخصه هيئة ولا قدرة ، ولا تقطعه نهاية ، ولا حدّ ولا يحله حادث ، ولا يحمله على الفعل باعث ، ولا يجوز عليه لون ولا كون ، ولا ينصره مدد ولا عون ، ولا يخرج عن قدرته مقدور ، ولا ينفك عن حكمه مفطور ، ولا يعزب عن علمه معلوم ، ولا هو على فعله كيف يصنع وما يصنع ملوم ، ولا يقال له أين ولا حيث ولا كيف ، ولا يستفتح له وجود فيقال متى كان ، ولا ينتهى له بقاء فيقال استوفى الأجل والزمان ، ولا يقال لم فعل ما فعل إذ لا علة لأفعاله ، ولا يقال ما هو إذ لا جنس له فيتميز بأمارة عن أشكاله ، يرى لا عن مقابلة ، ويرى لا عن مماثلة ، ويصنع لا بمباشرة ومزاولة ؛ له الأسماء الحسنى ، والصفات العلى ، يفعل ما يشاء ، ويحكم ما يريد ، ويذلّ لحكمه العبيد ، لا يجرى في سلطانه إلا ما يشاء ، ولا يحصل في ملكه إلا ما سبق به القضاء ، ما علم أنه يكون من الحادثات أراد أن يكون ، وما علم أنه لا يكون مما جاز أن يكون أراد أن لا يكون ، خالق أكساب العباد خيرها وشرّها . ومبدع ما في العالم من الأعيان والآثار قليلها وكثيرها ، ومرسل الرسل إلى الأمم من غير وجوب عليه ، ومتعبد الأنام على لسان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بما لا سبيل لأحد باللوم والاعتراض إليه ، ومؤيد سيدنا ونبينا محمدا صلّى اللّه عليه وسلم بالمعجزات الظاهرة والآيات الزاهرة ، بما أزاح به العذر وأوضح به اليقين والذكر ، وحافظ بيضة الإسلام بعد وفاته صلّى اللّه عليه وسلم بخلفائه ، ثم حارس الحقّ وناصره بما يوضحه من حجج الدين على ألسنة
أوليائه ، عصم الملة الحنيفية ، عن الاجتماع على الضلالة ، وحسم مادة الباطل بما نصب من الدلالة ، وأنجز ما وعد من نصرة الدين بقوله عزّ وجلّ ( لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) * * قال الإمام الأستاذ أبو القاسم القشيري رضى اللّه تعالى عنه : دلت هذه المقالات على هذا المقدار خشية خروجنا عما أردناه من الاختصار ، انتهى كلام القشيري رحمه اللّه تعالى * وقال الشيخ الإمام أبو عبد اللّه محمد بن إبراهيم الخبرى ، بفتح الخاء المعجمة وسكون الباء ، الموحدة وكسر الراء ، الفارسي رضى اللّه تعالى عنه : أجمعت أئمة هذه الطريقة وسادات شيوخ الصوفية أولى الحقيقة ، على ما دلت عليه متفرّقات أقوالهم ومجموعات أنفاسهم في مصنفاتهم في التوحيد ، وتأسيسهم قواعد العقائد على أصح الأصول وأوضح السبيل المصون عن التشبيه والتمثيل ، والنفي والتعطيل ، بما عرفوا ما هو حقّ القدم ، وتحققوا بما هو نعت الحادث من العدم ، على أن العالم بأسره جواهره وأعراضه وأجسامه لطيفة وكثيفة حادث ؛ ومعنى العالم كل موجود سوى اللّه عزّ وجلّ ، والعالم في وجوده مفتقر إلى محدث مخصص أحدثه وخصصه بالوجود الجائز ، وأن محدثه هو اللّه تعالى ، الذي لا إله غيره ، الموصوف بالصفات الواجبة أزلا وأبدا ، وأن صفاته على مراتب ثلاث : المرتبة الأولى : الصفات النفسية ، وهو أن اللّه تعالى موجود قديم واحد قيوم ، أحد فرد قائم بنفسه ، لا يشبه شيئا ، ولا يشبهه شئ . المرتبة الثانية : الصفات المعنوية ، وهو أن اللّه تعالى حىّ بحياة ، عالم بعلم ، قادر بقدرة ، مريد بإرادة ، متكلم بكلام ، سميع بسمع ، بصير ببصر ، باق ببقاء ، لم يزل ولا يزال ، وهذه الصفات معان قديمات كالذات قائمات بذاتها إنها للّه تعالى ، ولا يقال فيها إنها هو ولا أغيار له ، لا يشبه شئ منها شيئا من صفات ما سواه . المرتبة الثالثة : الصفات الفعلية المستندة إلى الصفات المعنوية على حسب ما وردت في الكتب المنزلة ، وجرت بها ألسنة ذوى النبوّة عليهم الصلاة والسلام ، انتهى كلام الخبرى رحمه اللّه تعالى . وقال الشيخ الإمام المحقق السالك الناسك العارف باللّه تعالى شيخ
شيوخ الإسلام شهاب الدين السهروردي رضى اللّه تعالى عنه : اللّه لا إله إلا هو لا ضدّ له ، ولا ندّ له ، ولا شبيه له ، ولا مثل له ، ولا ولد له ، ولا والد له ، ولا وزير له ، ولا نظير له ، لا تدرك كنه عظمته الأوهام ، ولا تبلغ شأو كبريائه الأفهام ، ولا يعترى ذاته المقدسة التأثر والآلام ، والتغير والأسقام ، والسّنة والمنام ، والافتراق والالتئام ، جلّ عما يحلّ به الوسواس ، وعظم عما تكتنفه الحواس ، وكبر عما يحكم به القياس ، لا يصوّره خيال ، ولا يشاكله مثال ، ولا ينوبه زوال ، ولا يشوبه انتقال ، ولا يلحقه فكر ، ولا يحصره ذكر ، قيوم أزلىّ ديموم سرمدىّ ، لا تحد أزليته بمتى ، ولا تقيد أبديته بحتى ، لا يطلق عليه التعيين ، ولا يتطرّق إليه التأيين ، إن قلت أين فقد سبق المكان ، وإن قلت متى فقد تقدّم الأزمان ، وإن قلت كيف فقد جاوز الأشباه ، والأمثال والأقران ، وإن طلبت الدليل فقد غلب الخبر العيان ، وإن رمت البيان فذرّات الكائنات بيان وبرهان ، أوّل آخر ، ظاهر باطن ، تفانت الأوائل والأواخر في أزليته ، تفرّد في أزليته وأبديته تفرّد في الأزل بنعت العظمة والجلالة قبل الكون والمكان ، والدهر والأزمان ، والحين والأوان ، فالمكان جواهر وأجسام خلقها ، والدهر أوقات وأزمان قدّرها ، كل ذلك مرسوم بالحدوث ، عرفنا المكان والزمان بتعريفه إيانا ، ولو شاء كوّننا ولم نعرف زمانا ولا مكانا ، وكوننا في المكان ، لو شاء كوننا ولامكان ، فعلمنا بأنا لا نكون إلا في مكان من قضايا عقلنا ، وهذه القضايا هيأها لنا نعقل بها المعقول ، ونعلم المعلوم ، ولو شاء هيأ لنا غير هيآتنا ، فعوالم قدرته غير محصورة ، وغرائب مشيئته غير منكورة ، وما نحن فيه من العالم بما نحن فيه من العقل والعلم ، عالم من عوالمه ، ولا يستبعد قولي ، ولو شاء كوّننا في غير مكان ، فقد كون المكان لا في مكان إذ لو كان في مكان لتسلسل فلا تحصر القدرة بعقلك ، إذ العقل قوته أن يحصر الحكمة ، فأما القدرة فلا يحصرها ، فحدث عن البحر ولا حرج ، ومن هذا الأساس تمشت القدرة ، وثبتت الأمور الأخروية وعلمها من علمها ، وأنكرها من عجز عقله عن إدراكها ، فمن يكون المكان والمكون فيه ، والزمان والمقدر فيه ، عالما من عوالمه ، ويسيرا من عظيم قدره ، كيف يحصره الزمان والمكان ، فما أظهر في عالم الملك والشهادة
عالم الحكمة والعقل الموهوب لنا الذي نتصرّف به موكل بهذا العالم ، وهذا العالم من العرش إلى الثرى مع العقل الذي فهمه وعقله وعلمه وقسمه أجساما وجواهر وأعراضا عالم من عوالمه فصوّر العالم وكل ما حواه ، وهو العالم الذي عقله العقلاء بما فيه من الأرض والسماء ، والماء والنار والهواء ، والعرش والكرسي ، والجنّ والإنس والأفلاك والأملاك والألوان والأكوان والأجرام والاصطكاك والشمس والقمر والنجوم إلى أعماق أطباق التخوم ، بالنسبة إلى العظمة الإلهية أقلّ وأحقر من خردلة بالنسبة إلى جميع العالم ، ففرغ بالك عند ذلك من قياسك أنه سبحانه وتعالى داخل العالم أو خارج العالم ، فما أحقرك وأحقر علمك ، فلو فتحت عين بصيرتك استحييت من قياسك وفكرك ووهمك وخيالك ، أيها المحدود المحصور لا ينتج فكرك إلا محدودا محصورا ، وأيها المحيط به الجهات لا يحكم علمك إلا بالجهات ، فالجهات من جملة العالم ، وقد علمت نسبته إلى عظمة اللّه ، فتبارك اللّه ربّ العالمين * قلت : هذا الكلام من عقيدة الشيخ الجليل الإمام الحفيل شرف العارفين وإمام المعرّفين ، قدوة المرادين وسرّ عباد اللّه المريدين ، عالي المقامات وغالى الكرامات ، الحسيب النسيب أبى عبد اللّه محمد بن أحمد القرشي الهاشمي ، قدس اللّه تعالى روحه ونوّر ضريحه ونفعنا والمسلمين ببركته آمين ، وقد أجمع على فضلها كلّ من وقف عليها من أهل السنة من المشايخ العارفين المحققين والعلماء الفاضلين المدققين ، قال رضى اللّه تعالى عنه وأرضاه : الحمد للّه الذي تقدّست عن سمة الحدوث ذاته ، وتنزّهت عن التشبيه بالمحدثات صفاته ، ودلت على وجوده محدثاته ، وشهدت بوحدانيته آياته ، الأول الذي لا بداية لأزليته ، الآخر الذي لا نهاية لسرمديته الظاهر الذي لا شك فيه ، الباطن الذي ليس له شبيه ، الحىّ الذي لا يموت ولا يفنى القادر الذي لا يعجز ولا يعيا ، المريد الذي أضلّ وهدى وأفقر وأغنى ، السميع الذي يسمع السرّ وأخفى ، البصير الذي يدرك دبيب النمل على الصفا ، العالم الذي لا يضل ولا ينسى ، المتكلم الذي لا يشبه كلامه كلام موسى ، كلم موسى ، بكلامه القديم المنزه عن التأخير والتقديم ، لا بصوت يقرع ، ولا بنداء يسمع ، ولا بحروف ترجع ، كل
الحروف والأصوات والنداء محدثة بالنهاية والابتداء ، جلّ ربنا وعلا ، وتبارك وتعالى ، له العظمة والكبرياء ، وله القدرة والثناء ، وله الأسماء الحسنى والصفات العلى ، حياته ليس لها بداية ، فالبداية بالعدم مسبوقة ، قدرته ليست لها نهاية ، فالنهاية بالتخصيص مخلوقة ، إرادته ليست بحادثة ، فالحادثة بالأضداد مطروقة ، سمعه ليس بجارحة ، فالجارحة مخروقة ، بصره ليس بحدقة ، فالحدقة مشقوقة ، علمه ليس بكسبىّ ، فالكسب بالتأمل ، والاستدلال يعلم ، ولا بضروري فالضرورة على الإرادة والإلزام تلزم كلامه ، ليس بصوت فالأصوات توجد وتعدم ، ولا بحروف فالحروف تؤخر وتقدم ، جلّ ربنا عن التشبيه بخلقه ، وكل خلقه عاجز عن القيام بكنه حقه ، بل هو القديم الأزلىّ ، والدائم الأبدىّ ، الذي ليس لذاته قد ، ولا لوجهه حد ، ولا ليده زند ، ولا له قبل ولا بعد ، ليس بجوهر ، فالجوهر بالتحيز معروف ، ولا بعرض فالعرض باستحالة البقاء موصوف ، ولا بجسم ، فالجسم بالجهة محفوف ، هو خالق الأجسام والنفوس ، ورازق أهل الجود والبوس ، ومقدر السعود والنحوس ، ومدبر الأفلاك والشموس ، هو اللّه الذي لا إله إلا هو الملك القدوس ، على العرش استوى من غير تمكن ولا جلوس ، ولا العرش له من قبل القرار ، ولا التمكن من جهة الاستقرار ، العرش له حد ومقدار والرب لا تدركه الأبصار ، العرش تكييفه خواطر العقول وتصفه بالعرش والطول وهو مع ذلك محمول ، والقديم لا يحول ولا يزول العرش بنفسه هو المكان وله جوانب وأركان ، وكان اللّه ولامكان ، وهو الآن على ما عليه كان ، ليس له تحت فيقله ، ولا فوق فيظله ، ولا جوانب فتعدله ، ولا أمام فيحده ، ولا خلف فيسنده ، جل عن التحديد والتكييف والتقدير والتأليف والتعبير والتصوير والشبيه والنظير ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) وصلى اللّه على سيدنا محمد البشير النذير السراج المنير ، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا * قلت فجميع هذا الذي ذكرت معتقد الشيوخ العارفين الأولياء المقرّبين ، أهل العلوم اللدنية والأنوار الساطعة ، ومعتقد الأئمة العالمين النظار المحققين ، أهل الحجج القوية والبراهين القاطعة ، وكلا الفريقين لا يحصى عددهم ولا يجهل مجدهم ، وقد ذكرت جماعة من الفريق الأول .
وأما الفريق الثاني ، فعقائدهم معروفة لا تجهل ، وهي في مصنفاتهم مذكورة ، وفضائلهم في العلم والدين مشهورة ، مثل الإمام أبى الحسن الأشعري ، والإمام أبى إسحق الإسفراينى ، والإمام أبى بكر الباقلاني ، والإمام أبى بكر بن فورك ، والإمام أبى المعالي إمام الحرمين ، والإمام حجة الإسلام أبى حامد الغزالي ، والإمام فخر الدين الرازي والإمام ناصر الدين البيضاوي ، والإمام عزّ الدين بن عبد السلام والإمام محيي الدين النووي وغير هؤلاء العشرة الأئمة ممن لا يحصى من علماء الأمة من السلف والخلف من أهل السنة ، رضى اللّه تعالى عنهم أجمعين ، لكن بعضهم تكلم في تأويل الظواهر ، وبعضهم اعتقد خلاف الظواهر ولم يتكلم في التأويل وممن حكى ذلك عنهم الإمام محيي الدين النووي رضى اللّه تعالى عنه ، مع كونه من جملة المحدثين العارفين والفقهاء الفاضلين الورعين الزاهدين الجامعين بين العلم والدين ، حكاه في شرح صحيح مسلم في الحديث الذي قال فيه صلّى اللّه عليه وسلم « ينزل ربنا إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول : من يدعوني فأستجب له ، من يسألني فأعطيه ، من يستغفرني فأغفر له » الحديث ، قال محيي الدين المذكور : هذا الحديث من أحاديث الصفات وفيه مذهبان مشهوران للعلماء ، ومختصرهما أن أحدهما : وهو مذهب جمهور السلف وبعض المتكلمين . أنه يؤمن بأنها حقّ على ما يليق باللّه تعالى وأن ظاهرها المتعارف في حقنا غير مراد ولا نتكلم في تأويلها مع اعتقادنا تنزيه اللّه تعالى عن صفات المخلوق وعن الانتقال والحركات وسائر سمات الخلق . والثاني : مذهب أكثر المتكلمين وجماعة من السلف وهو محكى عن مالك والأوزاعي رضى اللّه تعالى عنهما أنها تتأول على ما يليق بها بحسب مواطنها ، فعلى هذا تأولوا هذا الحديث تأويلين : أحدهما : تأويل الإمام مالك بن أنس وغيره معناه : ينزل رحمته تبارك وتعالى عنه : ما أسهل على العارف إرشاد الجاهل بأن يقول : إن كان المراد من النزول : إلى سماء الدنيا ليسمعنا فما سمعنا ، فلا فائدة في النزول وقال أيضا : الاستواء على العرش بطريق القهر والاستيلاء كما قال غيره من الأئمة . قال : واضطر أهل الحقّ إلى هذا التأويل كما اضطر أهل الباطن إلى تأويل قوله تعالى ( وَهُوَ
مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ ) إذ حمل بالاتفاق على الإحاطة والعلم ، وحمل قوله صلّى اللّه عليه وسلم « قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن » على القدرة والقهر ، وحمل قوله صلّى اللّه عليه وسلم « الحجر الأسود يمين اللّه تعالى في أرضه » على التشريف والإكرام ، إذ لو ترك على ظاهره للزم منه المحال ، فكذلك الاستواء لو ترك على الاستقرار والتمكن للزم كون المتمكن جسما مماسا للعرش إما مثله أو أكبر أو أصغر ، وذلك محال ، وما يؤدى إلى المحال محال ، تعالى اللّه عن ذلك المقام . * قلت : وهذا الذي قاله الإمام حجة الإسلام أبو حامد الغزالي رضى اللّه تعالى عنه ، هو نحو مما قاله الإمام حجة الإسلام شيخه الإمام المحقق الناقد المدقق النجيب ابن النجيب أبو المعالي إمام الحرمين رضى اللّه تعالى عنه حيث قال : فإن قالوا : ما الذي حملكم على تأويل الظاهر ؟ قلنا : الذي حملكم على تأويل الظاهر أيضا في قوله تعالى ( وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ ) ، وقوله صلّى اللّه عليه وسلم « قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن » ، وقوله صلّى اللّه عليه وسلم « الحجر الأسود يمين اللّه في أرضه » يعنى الذي ألجأكم إلى تأويل هذه المذكورات لاستحالة ظاهرها في العقل ، ألجأنا إلى تأويل غيرها لاستحالة ظاهرها أيضا في العقل الذي به عرف اللّه عزّ وجلّ ، وبه تعلق التكليف إذ اعتقاد الظواهر يلزم منه التجسيم والحدوث وغير ذلك من النقص الذي هو من سمات المخلوقين ، ولا يجوز على الخالق الملك القدوس الموصوف بالجلال والكمال الذي ليس كمثله شئ ، المتعالى عن النظير والمثال . وسئل الإمام البارع أبو المعالي صاحب البرهان القاطع إمام الحرمين رضى اللّه تعالى عنه ببغداد : هل الباري سبحانه على العرش ؟ فقال : في الجواب : خلق العرش من درّة ، وهو بالنسبة إلى قدرته أقلّ من ذرّة ، فكيف يكون مستقرّه * قلت لقد أجاد رضى اللّه عنه بهذا الجواب الوجيز البالغ المفحم الدامغ ، فالعرش وإن كان أعظم المخلوقات فهو لا شئ في جنب عظمة الخالق عزّ وجلّ . وقال الإمام مفتى الأنام عزّ الدين بن عبد السلام رضى اللّه تعالى عنه في عقيدته الجليلة النفيسة الجميلة بعد ما ذكر اعتقاد أهل الحقّ في مسائل الأصول واحتج بالمعقول والمنقول قال : هذا إجمال من اعتقاد الأشعري رحمه اللّه تعالى واعتقاد السلف وأهل الطريقة
والحقيقة نسبته إلى التفصيل الواضح كنسبة القطرة إلى البحر الطافح . يعرفه الباحث من خلقه * وسائر الناس له منكر غيره : لقد ظهرت فلا تخفى على أحد * إلا على أكمه لا يعرف القمرا انتهى كلامه . وقوله : أهل الطريقة والحقيقة : يعنى بهم الصوفية ، وعقيدته مشهورة معروفة بالفضيلة بحسن التصرف في العلوم ونجابة الفروسية في ميدان مبارزة الخصوم ، والعقيدة القدسية للإمام حجة الإسلام أبى حامد الغزالي رضى اللّه تعالى عنه جمعت بين الملاحة والفصاحة والترتيب العجيب والأسلوب الغريب ، والفوائد الكثيرة في الألفاظ اليسيرة والعبارة البارعة ، والبراهين القاطعة ، وغير ذلك من المحاسن الفائقة والمعاني الرائقة . فهاتان العقيدتان من ملاح عقائد العلماء الفاضلين وعقيدتان أخريان من ملاح عقائد الأولياء العارفين عقيدة الشيخ أبى عبد اللّه القرشي ، والشيخ شهاب الدين السهروردي رضى اللّه تعالى عنه ، وجميع ما ذكرته في هذا الفصل هو معتقد أئمتنا من الأولياء والعلماء رضى اللّه تعالى عنهم ، وهو مذهب أهل السنة من السلف والخلف ، وقد صنف أئمتنا في ذلك مصنفات كبيرات جليلات نفيسات مبسوطات ومختصرات معروفات مشهورات أقاموا فيها الدلائل الظاهرات والبراهين القاطعات عن المعقولات والمنقولات وهذا الكتاب عن إيرادها يضيق بل كثرة الطعن والمجادلات به لا تليق إذ هو موضوع للترقيق والتشويق ، ولكن إذ قد ذكرت عقائد أئمتنا رضى اللّه تعالى عنهم ، فأنا أذكر الآن عقيدتي معهم على جهة الاختصار وحذف حجج الأصوليين النظار ، فأقول وباللّه التوفيق : الذي نعتقده أن أحاديث الصفات ليست على ظاهرها وأن لها تأويلات تليق بجلال اللّه تعالى ولا نقطع بتعيين تأويل منها ، بل نكل ذلك إلى العليم الخبير ، الذي ليس كمثله شئ وهو السميع البصير ، وكذلك نعتقد ما اعتقده العارفون والعلماء العاملون أنه سبحانه وتعالى استوى على العرش على
الوجه الذي قاله ، وبالمعنى الذي أراده ، استواء منزها عن الحلول والاستقرار والحركة والانتقال ، لا يحمله العرش بل العرش وحملته محمولون بلطف قدرته ، لا يقال أين كان ولا كيف ولا متى كان ولامكان ولا زمان ، وهو الآن على ما عليه كان تعالى عن الجهات والأقطار والحدود والمقدار ، لا يحله شئ ولا يحلّ في شئ كل يوم هو في شأن ، في أفعاله ، لا في ذاته وصفاته ، لا تهتدى عقول العقلاء إلى إدراك معرفة كنه ذاته المقدسة وصفاته العظمى ، يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما * وقد جمعت المسائل المعتمدة من العقائد في ثلاث من القصائد ، وأودعتها الكتاب المسمى بكتاب الدرر ، وسأذكر في الفصل الأخير من هذا الكتاب واحدة منها جامعة للعقيدة وغيرها ، وبها ختمت كتاب الإرشاد ، لكونها محتوية على التوحيد وصحيح الاعتقاد ، وذكر الجنة والنار والوعظ وتشويق الزهاد والعباد ، وأقدم عليها في هذا الفصل القصيدتين المسماتين : مفاخر الفريقين هداة الطريقين الصوفية العارفين والعلماء العاملين ، والقصيدة المسماة معالى المسالك في مدح المجذوب والسالك * القصيدة الأولى : المسماة راح الإسكار في اجتلاء عرائس الأنوار ، من بيض المعارف الأبكار الغانيات للنظار من خلف الأستار ، الكاشفات الخمار للأولياء الأخيار رضى اللّه تعالى عنهم ونفعنا بهم آمين : ملوك البرايا ليس يشقى جليسهم * لهم بيض رايات العلا في المواقف حبوا وحظوا خصوا اصطفوا ثم قربوا * وولوا علوا من فوق كل الطوائف كما جاهدوا للنفس في معرك الهوى * وجادوا بها مهرا لبيض المعارف أنيلوا المنى صافي الهنا عندما اجتلى * بسمر القنا بيض العلا كلّ عارف عرائس أنوار بدا من بهائها * لمن يجتليها كالبروق الخواطف شموس بدت من مشرق الحسن والبها * بنور جمال للمحبين شاغف محاسنها خلف الستور فواتن * فكيف بها عند اجتلاء لكاشف
شموس الهدى في حضرة القدس تجتلى * شموس إليها إشراق أكفى شرائف سكارى ولم يسقوا مداما وإنما * سقوا حبّ حسن جلّ عن وصف واصف تراهم غدا بالحبّ سكرى وغيرهم * سكارى بأهوال عظام المخاوف فسكر عقار الهول يرحل بعدما * يشيب به الولدان من كل راجف وسكر مدام الحبّ دام مقامه * بريع ندامى الراح من كل راشف جمال حميا حبها من يشمها * تميل به قبل ارتشاف المعارف فهم بين مشتاق وباك وضاحك * سرورا وصراخ وراج وخائف لذكر اللقا والهجر والوصل والجفا * وقرب وبعد ناشر جمع لأقف وحلت بوادي طور قلب مقدس * خيام نديم بالمعاني اللطائف معارف تهدى في بهاها لسادة * هداة إليها بالسلوك عوارف كنوز الهدى مجرى المعارف والندى * جلاء الصدى شيخى الطواشى المكاشف دعاوى الهوى دع للذين ارتياحهم * إلى الحق يا مرتاح نحو المعارف سكارى بمولاهم وأنت بجيفة * فقس رخما بالباز عند التناصف القصيدة الثانية : المسماة عقدة الدر الأسنى على جيد الحسنى ، في مدح العلماء العامليين السنية أهل المناقب العلية السنية رضى اللّه تعالى عنهم : بدور الهدى ورّاث علم نبوّة * أناروا دجى الظلما بنور المعالم فكم فتقوا رتقا بغامض مشكل * وكم رتقوا فتقا بطعن مخاصم عن السنة الغرا يذبون بالقنا * وبيض من العلم الشريف صوارم وقد حملوا أعلام علم وألبسوا * لباس التقى خيل الرضا في الملاحم فولى عداهم من أسنة سنة * بجيش هدى جيش الضلالة هازم كمثل الإمام الشافعي ومالك * وأحمد والنعمان أهل المكارم
أئمة علم يجتلون بمجده * لبيض العلا الغيد الملاح النواعم وأصحابهم غرّ نجاب لها اجتلوا * وقد ضحكت منها ملاح المباسم ونعم أبو إسحاق شيخا مبجلا * إماما جلا لتنبيه نفع الملازم وغنت بغزالى العلا وتغزلت * به حجة الإسلام نور العوالم وذو المجد محيى سنة ذو إفادة * أجاد النواوىّ البحر أكرم بعالم ثلاثتهم أصحاب زهد وعفة * لهم سيرة حسناء يا أمّ سالم كذاك الإمام الرافعي محمد * أبو القاسم المشهور حاوي المكارم له السنة الغرّا أمالت لثامها * فكان لها بالفهم أعظم لاثم تغنى بهم جهرا ونوحى بحبهم * ولا تسمعي عذلا ولا ثلم ثالم فمن ذا الذي في الخلق يسلم عرضه * من الخلق والرحمن ليس بسالم تصانيفهم حسنا عليها سعادة * بها النفع في ذا العصر والمتقادم مباركة والكلّ منهم مبارك * إمام نجيب عابد غير سائم لهم ورع يحكى عظيم وحلية * تحلّوا بها يحلو بها نظم ناظم كعقد من الدرّ المنظم قدرها * على جيد حسنا قد سبت لب هائم لذكر الأحبا في فؤادي حلاوة * محبتهم شيبت بلحمي وفي دمى كشيخى الفقيه العالم الصالح الرضى * محمد النصال أحسن بخاتم القصيدة الثالثة : المسماة معالى المسالك في مدح المجذوب والسالك ، وبيان أقسامها : وهي أربعة أقسام : الأول : سالك بعد الجذب . الثاني : مجذوب بعد السلوك . الثالث : مجذوب غير سالك . الرابع : سالك غير مجذوب ، ويقتدى بالأولين دون الأخيرين عند شيوخ الطريقة العارفين المحققين ، وأوّل الأولين أفضل من ثانيهما على الأصح عندهم ؛ والسالك قبل الجذبة متحمل مشقات ذكرها يطول وحملها يهول ، والسالك بعدها محمول يسهل عليه السلوك ويهون ، وقد أشرت إلى الأخير منها حيث أقول
عهدتكم قدما على خير حالة * بها اليوم أنتم سادة وملوك أتاكم من الرحمن جذب عناية * فهان عليكم للوصول سلوك ومعنى الجذب : أنه يفاجئ المجذوبين من أمر الملكوت ما يأخذهم عن نفوسهم ويدهش العقول ، وللّه درّ القائل الذي يقول ، وباللّه التوفيق ، وحسبنا اللّه ونعم الوكيل : وإني لألقاها أريد عتابها * وأوعدها بالهجر ما طلع الفجر فما هو إلا أن أراها فجاءة * فأبهت لا عرف لدىّ ولا نكر وهذه هي القصيدة الموعود بها : هنيئا لقوم يجتلون معارفا * بأنوارها يهدى الطريق نجابها بها قد هدى الهادون من بعد ما هدوا * فهم للهداية أهلها وصحابها مشوا في طريق بالعنا سالكينها * ولما يرعهم حزنها وخرابها إلى أن بدت بيضا سلوك نقية * وأفنى عداها طعنها وضرابها فسالكهم بعد اجتذاب وعكسه * فنى نفسه بعد السلوك اجتذابها هما دون غير صالحان للاقتدا * يبين إذا دلّ الطريق صوابها ومحمول جذب لا يدلّ فما درى * طريقا بها القطاع وعر عقابها ولا سالك من بعد جذب فيجتلى * معارف مرخىّ دون تلك حجابها يفوق بهاها بالجمال إذا بدت * شموسا بدت لما تنحى سحابها بفضل وجذب مع سلوك تفاوتوا * ونيل عطيات عزيز جنابها فكم بين من في جنة الحبّ سالك * ويسقى كؤوس الوصل حال شرابها وآخر من بعد الشقا فاز باللقا * وعذب المحبة بعد ولى عذابها
وآخر وافته السعادة نائما * فجاءت به للوصل يجرى ركابها وآخر في وعر الطريقة سالك * يقول ونار الشوق فيه التهابها إذا فاز أصحابي بوصل ولم أفز * يحق لنفسي أن يطول انتحابها * قلت : هؤلاء الأربعة الأقسام هم أهل الذوق الذي حدا بهم إلى موطن القرب حادي الشوق ، وقد تأملت الناس المشار إليهم ، فرأيتهم ثلاثة أقسام : القسم الأول : الصوفية وهم أهل الحب والشوق والحال والذوق ، وهم مجذوب وسالك على ما قدمنا ذكره وتفصيله في ذلك . والقسم الثاني : الفقهاء المشتغلون بالدرس والتدريس والبحث في العلم الشريف المبرزون من محاسنه كل فقه دقيق المعنى لطيف ، ولكنهم فيهم جمود على ظاهر الفقه ويبس ، ولم يدخل قلوبهم عند ذكر الأحباب والأوطان لين هوى نعمى ونعمان ، كما دخل قلوب القسم الأول المذكور الذي فيه أقول : تذكرهم عيشا بنعمان ناعما * حمام الحمى ثغرى نسيم العواصف تثير الصبا من كل صبّ صبابة * فيصبوا إلى عهد الصبا والمآلف فهم بين مشتاق وباك وضاحك * سرورا وصراخ وراج وخائف والقسم الثالث : متوسط بين القسمين المذكورين ، أعنى بتوسطهم أن مزجوا شغل القسم الثاني ، وهو العلم بشغل القسم الأول ، وهو الزهد والورع والعبادة ، فجمعوا بين العلم والعمل ، وداخلهم الخوف والوجل ، ودخل في قلوبهم الشجية لين هوى نجد ولكن لم يتمكن منها تمكنه من قلوب الصوفية الذين خلعوا العذار ، ومال بهم الوجد عن ذكر الأحباب والديار وحنت قلوبهم وأنت ، واتصفوا بما قلت فيما تقدم من الأشعار : وحنت وأنّت من جوى لوعة الهوى * وذكر الأحبا للمحبين شائق إذا ذكرت وادى العقيق وجيرة * بذى سلم فاضت دموع سوابق وإن ذكرت جيران سلع تمايلت * بوجد وطعم الوجد يدريه ذائق
قلت : والقسم الثالث المذكور المتوسط بين القسمين المذكورين على طريقة حسنة محمودة عند كلا القسمين ، ليس عليها اعتراض ، ولا فيها طعن من الطرفين ، وعليها أكثر السلف الصالح السادة لزوم العلم العمل الذي هو الورع والزهد وأنواع العبادة ، وهذه الطريقة الوسطى المذكورة وإن كانت بالحسن المذكور مشهورة فليست كطريقة الصوفية التي هي بالجمال العالي مشهورة ، لأنهم خرجوا للّه تعالى عن نفوسهم بالكلية ، ورضوا بكلّ مقدور وصبروا على كل بلية ؛ أعنى الصادقين منهم والصديقين كما قال بعضهم : حقيقة المحبة أن تهب كلك لمن أحببت ، فلا يبقى لك منك شئ . وقال آخر : الرضا سرور القلب بمرّ القضاء . وقال بعضهم : لو جعلني في الدرك الأسفل من النار كنت أشد رضا ممن في الفردوس . قال آخر : الراضي من سرّته المصيبة كما تسرّه النعمة . قال قائلهم : إذا أنعمت نعمى علىّ بنظرة * فلا أسعدت سعدى ولا أجملت جمل فنافس ببذل النفس فيها أخا الهوى * فإن قبلتها منك يا حبذا البذل فمن لم يجد في حبّ نعمى بنفسه * وإن جاد بالدنيا إليه انتهى البخل * قلت : ، من لم يحصل له جذب من الحقّ سبحانه وتعالى وأخذ عن نفسه ، لم يقدر على التخلص من صفات نفسه ، ولم يحصل له من المعرفة باللّه تبارك وتعالى ، والاطلاع على الملك والملكوت والمشاهدة ، وتجلى صفات ذي العزّة والجبروت ما حصل لمن جذبه الحىّ القيوم الذي لا يموت ، فمواهب اللّه تعالى وفضله العظيم عزّ وجلّ لا يقاس بمثله كسب ولا يساويه عمل ، فليس السالك والطالب كالمجذوب المطلوب ، ولا المعنّى المحبّ كالمنعم المحبوب . وفي ذلك أقول على لسان المحب المعنّى وأنوب : أنا طالب والغير مطلوب من أنا * بها مغرم أهريق في حبها دمى معنّى بها والغير فيها منعم * وكم بين مشغوف معنّى وناعم فلا نلت من نعمى نعيم وصالها * ولا كنت من بلوى هواها بسالم
كم بين الاجتباء والعناية وبين الإنابة والهدايا ، وقد فاوت الحقّ سبحانه بينهما في العطاء والنصيب ، فقال عزّ من قائل ( اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ ) ، لما فاجأ الحق سبحانه وتعالى المجذوبين بالأمر العظيم الذي هالهم أخذهم عنه ، فبقوا به بلاهم ، ودكدك جبال قلوبهم ، ونقض بناءها ثم هدم ، ثم بناها بناء ثانيا أكمل وأجمل وأعلى وأتم ، وطهرهم من الصفات المذمومات وصفاهم من الكدر ، وحلاهم بأجمل الحلى وأحسن المحاسن ، وأحيا قلوبهم ونوّر أبصارهم ، وحلاهم بحلى محاسن الصفات المحمودات ، بعد أن طهرهم من مساوى رذائل الصفات المذمومات ، كالحقد والحسد والرياء والسمعة والعجب والخيلاء والكبر والغش والغلّ وخوف الفقر وسخط المقدور ، وطلب العلوّ والرياسة والمحمدة وحبّ الجاه في الدنيا ، والغضب والحمية والأنفة والعداوة والطمع والبخل والشحّ والرغبة ، والرهبة من قبل المخلوق ، والأشر والبطر ، وتعظيم الأغنياء والاستهانة بالفقراء ، وحبّ الدنيا والفخر والمباهاة والتنافس فيها ، والإعراض عن الخلق استكبارا والخوض فيما لا يعنى . وكثرة الكلام والصلف واختيار الأحوال ، والتذلل والتملق والمداهنة ، والمدح والذمّ للمخلوقين والتزين لهم ، وحبّ المدح بما لم يفعل ، والاشتغال بعيوب الناس ، ونسيان النعم ، وخلو القلب من الحزن ، والانقياد للهوى ، والمشاركة له في تدبير أمور اللّه تعالى ، والاقتدار في أمر اللّه ، والاتكال على الطاعة والمكر والخيانة والمخادعة والحرص وطول الأمل والتبختر وعزّة النفس ، والمغالبة لأمر اللّه جل وعلا ، والأنس بالمخلوقين والسكون إليهم والثقة بهم والخوف منهم ، والطيش والعجلة وقلة الحياء وقلة الرحمة ، والأمن من مكر اللّه تبارك وتعالى ، والغيبة والنميمة ، والكذب والتصنع والنفاق ، وخشية الإملاق ، وغيرها من الأوصاف الرذائل المبعدة عن اللّه عزّ وجلّ وعن نيل الفضائل . وأما أوصاف المحاسن التي حلاهم بها ، فكالتوبة والتقوى والقناعة والزهد والورع والتوكل والتفويض وحسن النية ورؤية المنة والخوف والرجاء والصبر والرضا والاحتساب والإحسان وحسن الظن وحسن الخلق وحسن الطاعة والصدق والإخلاص والمحبة والمعرفة وغيرها من أوصاف الفضائل
المقربة من اللّه تعالى وإلى عالي المقامات والمنازل * قلت : فمن تطهر بتوفيق اللّه تعالى من المساوى المذكورات الرذيلة ، وتحلى بالمحاسن المذكورات الجميلة ، فذلك عبد اصطفاه اللّه تعالى ، ولا يقدر على ذلك إلا من أعانه اللّه وجذبه وتولاه وقرّبه إليه وأدناه ، وأولئك هم في الحقيقة عباد الرحمن ، وغيرهم كأمثالنا عبيد الهوى والهوان ، وقد مدح الرحمن عزّ وجلّ عباده في القرآن ، وأضافهم إلى اسمه الشريف فنالوا الشرف الأكمل . وفي ذلك قلت نائبا عن لسان حالهم مستعيرا للبيت الأول : كفى شرفا أنى مضاف إليكم * وأنى بكم أدعى وأرعى وأعزف إذا بملوك الأرض قوم تشرّفوا * فلى شرف منكم أجلّ وأشرف وفي مطلبهم العزيز الغالي قلت مستعيرا للبيت الثاني : أيا ساكنا بالحب في جانب الحمى * بعالى مقام فيه غالى المطالب فديتك حدثني عن الجانب الذي * تقدس أن يحظى به كل طالب
الفصل الأخير : هو ختام الخاتمة في توحيد الرحمن ، وطرف من طرف الجنان مختوم بمدح خاتم الأنبياء وتاج الأصفياء محمد صلّى اللّه عليه وسلم وشرف وكرم مصدّرا بالقصيدة الرابعة المباركة إن شاء اللّه تعالى الجامعة المسماة شمس الإيمان في توحيد الرحمن عقيدة أهل الحق والإيقان ، والتشويق إلى الجنان والحور الحسان . والتخويف من النيران ، ووعظ الإخوان . وأسأل اللّه تعالى الكريم المنان أن ينفع بها ويمنّ علينا بالتوفيق والغفران والفضل والإحسان مع سائر الأحباب والإخوان والمسلمين أجمعين آمين ، وهي هذه : تبارك من شكر الورى عنه يقصر * لكون أيادي جوده ليس تحصر وشاكرها يحتاج شكرا لشكرها * كذلك شكر الشكر يحتاج يشكر ففي كلّ شكر نعمة بعد نعمة * بغير تناه دونها الشكر يصغر فمن رام يقضى حقّ واجب شكرها * تحمل ضمن الشكر ما هو أكبر فسبحان من لا قطّ يبلغ مدحه * بليغ ومن عنه الثنا متعذر ففي الفعل فضل عن جميل صفاته * وعن ذاته كلّ البرايا تحيروا تسبحه الحيتان في الما وفي الفلا * وحوش وطير في الهواء مسخر وفي الفلك والأملاك كل مسبح * نهارا وليلا دائما ليس يفتر تسبح كل الكائنات بحمده * سماء وأرض والجبال وأبحر جميعا ومن فيهنّ والكل خاضع * لهيبته العظمى ولا يتكبر له كل ذرّات الوجود شواهد * على أنه الباري الإله المصوّر دحا الأرض والسبع السماوات شادها * وأتقنها للعالمين لينظروا وأبدع حسن الصنع في ملكوتها * وفي ملكوت الأرض كي يتفكروا
وأوتدها بالراسيات فلم تمد * وشقق أنهارها بها تتفجر وأخرج مرعاها وبثّ دوابها * وللكلّ يأتي منه رزق مقدّر من الحبّ ثم الابّ والقضب والكلا * ونخل وأعناب فواكه تثمر فأضحت بحسن الزهر تزهو رياضها * وفي حلل نسج الربيع تبختر وزان سماء بالمصابيح أصبحت * وأمست بباهى الحسن تزهو وتزهر ثراها إذا جنّ الدجا قد تقلدت * قلائد درىّ لدر تحقر فيا ناظرا زهر البساتين دونها * أظنك أعمى ليس للحسن تبصر ويا من لها إن المحاسن كلها * بدار بها ما لا على القلب يخطر ولا سمعت أذن ولا العين أبصرت * وما تشتهيه النفس في الحال يحضر تزيد بهاء كلّ حين وعيشها * يزيد صفاء قط لا يتكدر من الدرّ والياقوت تبنى قصورها * ومن ذهب مع فضة لا تغير وما يشتهى من لحم طير طعامها * وفاكهة مما له يتخير ومشروبها كافورها ورحيقها * وتسنيمها والسلسبيل وكوثر ومن عسل والخمر نهران جوفها * ونهران ألبان وماء يفجر وغالى حرير فرشها ولباسها * وحصباؤها والترب مسك وجوهر ومن زعفران نبتها وحشيشها * ومن جوهر أشجارها تلك تثمر فواكه تكفى حبة لقبيلة * أديمت أبيحت لا تباع وتحجر وأكوابها من فضة لا كبيرة * على شارب منها ولا هي تصغر بها الكأس يبقى ألف عام على فم * فلا نافد هذا ولا ذاك يضجر ومن ذهب زاهى الجمال صحافها * يلذّ بها عيش به العين تقرر
ومركوبها خيل من النور والبها * ومن جوهر والبخت نور تصوّر ركاب من الياقوت والسرج عسجد * أزمتها درّ تضى حيث ينظر وأزواجها حور حسان كواعب * رعابيب أبكار بها النور يزهر هراكيل خودات وغيد وخرّد * مدى الدهر لا تبلى ولا تتغير نشت عربا أتراب سنّ قواصر * لطرف كحيل للملاحة يفتر غوالي الحلى والحلى عين فواخر * زكت طهرت من كل ما يتقذر ثوت في خيام الدرّ في روضة البها * على سرر الياقوت تغدو وتحضر وبين جواريها تهادى إذا مشت * على كثب المسك الذكىّ تبختر ملاح زهت في رونق الحسن والبها * وكلّ جمال دونه المدح يقصر وما المدح فيمن نشرها وابتسامها * يضئ الدياجى والوجود يعطر ومن يعذب البحر الأجاج بريقها * ومن حسنها للعالمين يحير ومن لو بدت من مشرق ضاء مغرب * ومات الورى من حسنها حين تظهر ومن زوجها يغشى بأول نظرة * إلى وجهها لولا البقا كان يقبر ومن مخها من خلف سبعين حلة * يرى كيف يقوى مدح تلك ويقدر ومن هي من نور ومسك وجوهر * فماذا لسان المدح عنها يعبر وما المدح إلا أن يشبه دانيا * بأعلى فأما العكس من ذاك يحقر وليس لحور والجنان مشابه * ولا عشر معشار ولا شئ يذكر فخير من الدنيا جميعا خمارها * فأحسن بمن تحت الخمار مخمر وأحقر بربات المحاسن والتي * بتشبيه أوصاف الجنان تصدر فما الفضة البيضاء شيبت بعسجد * وما البيض مكنون النعام المستر
بهاء وحسنا ما اليواقيت في الصفا * وفي رونق ما اللؤلو الرطب ينثر وما الدرّ ما الرمان ما الريم ما المها * وما البدر ما زبد وشهد وعنبر ثنايا وكعب ثم جيد ومقلة * ولون ولين ريقها والمعطر هل الريم في جيد من القد والبها * كمن جيدها نور ومسك وجوهر وهل للمها عين كبحر مزاجه * مدام وشهد للمشاهد يسكر وهل يشبه الرمان نهدين صوّرا * من النور واللّه العظيم المصوّر وما شبه الرحمن من بعض وصفها * ببيض وياقوت فذلك يذكر على جهة التقريب للذهن إذ لنا * عقول عليها فهم ما ثمّ يعسر تبارك منشى الخلق عن سرّ حكمة * هو اللّه مولانا الحكيم المدبر إذا ما تجلى في جمال جلاله * تعالى لكلّ المؤمنين لينظروا وقد زينت جنات عدن وزخرفت * نسوا كلّ ما فيها لما منه أبصروا جمالا ووصفا جلّ ليس كمثله * وفضلا وإنعاما يجلّ ويكبر نعيم ولذّات وعزّ ورفعة * وقرب ورضوان وملك ومفخر بمقعد صدق في جوار مليكهم * هنيا لمسعود بذلك يظفر أيا ساعة فيها السعادات يجتلى * على وجهها درّ العنايات ينثر ويا ساعة فيها المفاخر ترتقى * علاها وخلعات الكرامات تنشر سألتكما باللّه هل مع أحبة لنا * فيكما يوم التزاور محضر وهل أنعمت نعمى بنعمان باللقا * لنا أم نوت في سرمد الليل تهجر فإن واصلتنا فالمكارم وصفها * وإن قاطعتنا نحن أدنى وأحقر ألا عاشقا يشتاق من يسكن الحمى * وعيشا هنيا صافيا ليس يكدر
ألا مشتر جنات خلد وخيرها * وحورا حسانا في الملاحة تفخر ألا بائع الفاني الحقير بباقي * خطير وملك ليس يبلى ويدمر ألا مفتد من حرّ نار عظيمة * ألوف سنين تلك تحمى وتسعر لها شرر كالقصر فيها سلاسل * عظام وأغلال فغلوا وجرجروا عصاة وفجار وسبع طباقها * وسبعين عاما عمقها قد تهوّروا وحياتها كالبخت فيها عقارب * بغال وضرب والزبانى ينهر غليظ شديد في يديه مقامع * إذا ضرب الصمّ الجبال تكسر ومطعومهم زقومها وشرابهم * حميم بها أمعاؤهم منه تندر ويسقون أيضا من صديد وجيفة * تفجر من فرج الذي كان يفجر وقد شاب من يوم عبوس شبابهم * لهول عظيم للخلائق يسكر فيا عجبا ندري بنار وجنة * وليس لذي نشتاق أو تلك نحذر إذا لم يكن خوف وشوق ولا حيا * فماذا بقي فينا من الخير يذكر ولسنا لحرّ صابرين ولا بلا * فكيف على النيران يا قوم نصبر وفوت جنان الخلد أعظم حسرة * على تلك فليتحسر المتحسر فأف لنا أف كلاب مزابل * إلى نتنها نغدو ولا نتدبر نبيع خطيرا بالحقير عماية * وليس لنا عقل وقلب منوّر فطوبى لمن يؤتى القناعة والتقى * وأوقاته في طاعة اللّه يعمر ومن بعد حمد اللّه هذى عقيدة * عن السنة الغرّاء والحقّ تسفر وتهدى إلى نهج الصواب متابعا * لها وعقيدات المذاهب تهجر لها السبل الوسطى الحميدة منهج * شعار الهدى للأشعرية تشعر
وكم في حضيض الحشو يهبط لكونها * طريقا بها القطاع تسبى وتأسر ولا ارتفعت عالي علوّ اعتزالهم * ففيها ذئاب ثم وعر يكسر مشت مع سواد معظم أهل مذهب * عزيز بحمد اللّه ما زال ينصر له بيض رايات العلا مع أئمة * شموس الهدى تعدادهم ليس يحصر فكم حبر تحقيق العلوم وعارف * لأسرار غيب والحقائق أبحر وهاهى لها ألفت في خمس عشرة * وعشرين تجزى من لها يتدبر علا ربنا عن كيف أو أين أو متى * وعن كلّ ما في بالنا يتصوّر ونقص وشبه أو شريك ووالد * وولد وزوجات هو اللّه أكبر قديم كلام حين لا حرف كائن * ولا عرض حاشا وجسم وجوهر مريد وحىّ عالم متكلم * قدير على ما شا سميع ومبصر بسمع وعلم مع حياة وقدرة * كذلك باقيها بلى الكلّ مصدر وليس عليه واجب بل عقابه * بعدل ، وعن فضل يثيب ويغفر محكم شرع دون عقل وقد قضى * بخير وشرّ للجميع يقدر ورؤيته حقّ كذاك شفاعة * وحوض وتعذيب بقبر ومنكر وبعث وميزان ونار وجنة * وقد خلقا ثم الصراط وتصدر عظيم كرامات عن الأوليا وقد * محى شرعنا العالي الزكىّ المطهر شرائع كلّ المسلمين وأحمد * خيار الورى المولى الشفيع المصدّر وأصحابه خير القرون وخيرهم * على وفق ما قد قدموا ثم أخروا نجوم الهدى كلّ عدول أولو الندى * فضائلهم مشهورة ليس تنكر وأفضلهم صدّيقهم صاحب العلا * ورابعهم في الفضل ذو الفضل حيدر
وتخليد نار ليس إلا لكافر * وقبلتنا من أمها لا يكفر سوى من بتأثير الكهانة قائل * كذلك من قال النجوم تؤثر بذاتهما أو ربنا غير قادر * كذا غير مختار إذا ليس بعذر وغير قدير قال أو غير عالم * أو العلم بالموجود ما الغير يحبر أو الكليات الرب يعلم لا سوى * وفي جزيئات علمه متعذر ومثبت منفى وناف لمثبت * من الوصف إجماعا له الجل كفر ومن باتحاد أو حلول يقول أو * قديم يقول العالم الكفر يظهر وأهل إباحات كذا باطنية * ومن عنه إسقاط التكاليف يذكر ومن من غلاة الرفض قال نبينا * علىّ وهذاك النبي المبشر ولكنما جبريل أخطا بوحيه * بذا المارق الراضي هو النحس يفسر ومن ينسب الفحشا لعائشة وقد * لها برأ الرحمن عنها يطهر فها هي حوت مع صغرها ما عساه لا * يرى في كثير من عقائد تكبر ويا أيها الإخوان من كلّ سامع * له فهم قلب حاضر يتذكر ألا إن تقوى اللّه خير بضاعة * لصاحبها ربح بها ليس يخسر وطاعته للمتقى خير حرفة * بها يكتب الخيرات والسعي يشكر إذا أصبح البطال في الحشر نادما * يعضّ على كف أسى يتحسر فطوبى لمن يمسى ويصبح عالما * على كلّ شئ طاعة اللّه يؤثر بها يعمر الأوقات أيام عمره * يصلى ويتلو للكتاب ويذكر ويأنس بالمولى ويستوحش الورى * ويشكر في السرّا وفي الضرّ يصبر ويسلو عن اللذّات بالدون قانع * تقى له قلب نقىّ منور
حزين نحيل جسمه ضامر الحشا * يصوم عن الدنيا على الموت يفطر ويرتاح شوقا للأحبة واللقا * وخدّيه من فرط الغرام يعفر إذا ذكرت جنات عدن وأهلها * يذوب اشتياقا نحوها ويشمر ويعلو جواد العزم أدهم سابقا * وأبيض مجنوبا عن النور يسفر فأدهم يسقى ماء عين وأبيض * لصبر على قطع الفيافي مضمر ويركض في ميدان سبق إلى العلا * ويسرى إلى نيل المعالي ويسهر فمجد العلا ما ناله غير ماجد * يخاطر بالروح الخطير فيظفر وإني إلى أمر أنا فيه آمر * لأحوج من غيرى إليه وأفقر فهذى قصيدى شمس إيمان اسمها * موحدة عما سوى الحق تزجر مشوّقة نحو الجنان وحورها * مخوّفة النيران عنها تنفر وواعظة الإخوان من كلّ مسلم * لهم في التقى والدين نصحا تذكر وليست تراها أهل هذا وإنما * دعاها إلى ذاك القضاء المقدر لها من حلى التوحيد والحور حلية * ومن طيبه طيب به تتعطر وفت مائة أبياتها حين أجملت * وستين واللّه الكريم الميسر سألت الذي عمّ الوجود بجوده * ومن منه فيض الفضل للخلق يغمر يمنّ بخلعات القبول مزين * لها وجزيل الأجر والنفع يثمر ويرزقنا التوفيق ثم استقامة * وغفران زلات وما فات يجبر وفي روضة العرفان يحيى قلوبنا * ويسكننا روض اليقين ويجبر ولي مشتكى إن بث طال وإن يدع * فأنت الذي بالحال يا ربّ تخبر بحقك عاملنا بما أنت أهله * فأنت الذي تهدى وتعطى وتغفر
وأحبابنا والمسلمين جميعهم * ولا يا كريم العفو بالكلّ تمكر وصلّ على الهادي النبىّ وآله * وأصحابه ما لاح في الأفق نير صلاة تبارى المسك عرفا مسلما * سلاما لأكناف الوجود يعطر وقد آن للشمس الغروب وقاربت * وآن لكم تستغفروا ثم تعذروا لناظمها من في البلاغة قاصر * ومن هو في كلّ الحقوق مقصر مسئ جرىء يافعى مخلط * فباللّه ادعوا اللّه يعفو ويستر وتمت وفاح الحمد للّه ختمها * شذى دونه في العرف مسك وعنبر * قلت : وهذا التشويق والتخويف المذكوران في هذه القصيدة إنما هو لعموم الناس الذين يشتاقون إلى الجنان والحور الحسان ، ويخافون من النيران وسائر أنواع العذاب والهوان . وأما الخواصّ العارفون باللّه تعالى ، فاشتياقهم إلى النظر إلى وجه اللّه الكريم لا يشتاقون إلى نعيم الجنة ولا يخافون من عذاب الجحيم . كما يروى عن ذي النون المصري رضى اللّه عنه قال : بينما أنا في بعض البراري إذا أنا بشاب قد خطّ عارضاه ، فلما رآني ارتعد واصفرّ لونه وولى هاربا ، فقلت له إنسي مثلك ؟ فقال وهل الهرب إلا منكم ، قال فلحقته وأقسمت عليه أن يقف لي ، فوقف فقلت له أراك في هذه البرية وحدك ، ما معك أنيس أما تفزع ؟ فقال بلى معي أنيس ، فقلت أين هو ؟ فقال : هو عن يميني وعن شمالي ومن خلفي ومن أمامى ، فقلت له ، فما معك زاد ، فقال بلى ، فقلت أين هو ؟ قال الذي رزقني في بطن أمي صغيرا تكفل برزقي كبيرا ، فقلت له لا بد لك من شئ تستعين به على القيام بالليل وصيام النهار وخدمة الملك العلام وأكثرت عليه ، فولى هاربا وهو يقول : ولىّ اللّه لا تأويه دار * ويكره أن يكون له عقار يفرّ من القفار إلى جبال * فتبكى حين تفقده القفار صبورا في قيام الليل جدّا * وصوّاما إذا طلع النهار
يقول لنفسه جدّى وكدّى * فما في خدمة الرحمن عار يناجى ربه والدمع جار * إلهي إن قلبي مستطار إلهي ما منائى منك دار * من الياقوت يسكنها الحوار ولا جنات عدن يا إلهي * ولا شجر تزينه الثمار ولكن وجهك الباقي منائى * به فامنن ففي ذاك الفخار * قلت : وإنما كان الأمر كذلك ، لأن كل أحد إنما يشتاق إلى محبوبه ؛ فمن غلبت عليه محبة اللّه في الدنيا لم يشتق إلا إلى لقائه ، والنظر إلى وجهه الكريم ؛ ومن غلب عليه حبّ الحظوظ من المطعم والمشرب والمنكح والملبس والمسكن كأمثالنا ، اشتاق إلى الجنة ونعيمها الذي هو محبوبه ، فلمثل هذا يقال : تفكر يا أخي في أهل الجنة كيف يسقون من رحيق مختوم ، جالسين على منابر من الياقوت الأحمر ، في خيام اللؤلؤ الرطب الأبيض ، فيها بسط من العبقري الأخضر متكئين على آرائك منصوبة ، على أنهار تجرى بالخمر والعسل ، محفوفة بالغلمان والولدان ، مزينة بحور عين خيرات حسان ، كأنهنّ الياقوت والمرجان ، قاصرات الطرف لم يطمثهنّ إنس قبلهم ولا جان ، يرى مخ ساقها من وراء سبعين حلة من حلل الجنان ، وينظر الزوج وجهه في صدرها أصفى من المرآة ، لبهاء نورها لمعان ، ويطاف عليهم وعليهنّ بأكواب وأباريق وكأس من معين ، ويطوف عليهم خدام وولدان كأمثال اللؤلؤ المكنون ، جزاء بما كانوا يعملون ، يأكلون من أطعمتها ، ويشربون من أنهارها لبنا وخمرا وعسلا ، في أنهار أرضها فضة ، وحصباؤها مرجان ، وترابها مسك أذفر ، ونباتها زعفران ، وكثبانها كافور ، وأكوابها من فضة مرصعة بالدرّ والياقوت والمرّجان ، فيها الرحيق المختوم الممزوج بالسلسبيل العذب ، تشرق الأكوان نورا من ضياء جوهرها ، يبدو الشرب من ورائها برقته وحمرته وصفائه وبهجته ، في كف خادم يحكى وجهه ضياء الشمس ، لهم فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذّ الأعين ، مما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر ، ينظرون إلى وجهه الكريم وقد أشرقت في وجوههم نضرة النعيم
ينسون بلذة النظر جميع لذات الجنان ، يتنعمون بذلك على الدوام ، لا يزالون بين أصناف النعيم ، يتردّدون ، وهم من زوال النعم آمنون * وقد روى في تفسير قوله تعالى ( وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ) * أنه قصر من لؤلؤة بيضاء ، في ذلك القصر سبعون دارا من ياقوتة حمراء ، في كل دار سبعون بيتا من زمردة خضراء في كل بيت سرير ياله من سرير ، على كل سرير سبعون فراشا من كل لون ، على كل فراش زوجة من الحور العين ، في كل بيت سبعون مائدة على كل مائدة ، سبعون لونا من الطعام ، وفي كل بيت سبعون وصيفة ، ويعطى المؤمن في كل يوم من القوّة ما يأتي على ذلك كله * وروى « إن الرجل من أهل الجنة ليتزوّج خمس مئة حوراء وأربعة آلاف بكر وثمانية آلاف ثيب ، يعانق كل واحدة منهنّ مقدار عمره في الدنيا ، وإن في الجنة حوراء يقال لها العيناء إذا مشت مشى عن يمينها وعن شمالها سبعون ألف وصيفة ، وهي تقول أين الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر ، وإن في الجنة طيرا كأمثال البخاتي ، وإن المؤمن ينظر إلى الطير في الجنة فيشتهيه فيخرّ بين يديه مشويا * وروى في تفسير قوله تعالى ( يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ ) فإنه يطاف بسبعين صحفة من ذهب فيها لون ليس لون هو في الأخرى ، وفي تفسير قوله تعالى ( خِتامُهُ مِسْكٌ ) أنه شراب أبيض مثل الفضة يختمون به شرابهم ، لو أن رجلا من أهل الدنيا أدخل يده فيه ثم أخرجها لم يبق ذو روح إلا وجد ريح طيبها ، وفي قوله تعالى ( وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ ) أن ما بين الفراشين كما بين السماء والأرض ، ولو أن امرأة من نساء الجنة اطلعت إلى الأرض لملأت ما بينها ريحا لنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها : يعنى خمارها ، وعلى كلّ واحد من أهل الجنة سبعون حلة تتلوّن كلّ حلة منها في كل ساعة سبعين لونا ، يرى الرجل وجهه في وجه زوجته وفي صدرها وفي ساقها ، وترى هي أيضا وجهها في وجهه وفي صدره وفي ساقه * قلت : وألوان الحلل المذكورة ترى جميعها لا تستر كل حلة منها ما تحتها من الحلل ، والطير إذا أكل منه وجد طعم أحد جانبيه مطبوخا والآخر مشويا ، فيأكل ما يشاء ، ثم يعود طيرا كما كان ، ويصفق بجناحيه ويطير إلى رأس الأغصان من أشجار الجنان ، ليأكل من طيبات الثمار ، ويشرب من
طيبات الأنهار ، ويجدون في كل لقمة من طعامهم لذّة غير ما يجدون في الأخرى ، وفي كل شربة من شرابهم لذّة لا يجدونها في الأخرى . * وروينا عن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم « إن أهل الجنة يؤذن لهم في مقدار جمعة من أيام الدنيا ، فيزورون ربهم سبحانه وتعالى ، ويبرز لهم عرشه يتبدّى لهم في روضة من رياض الجنة ، فتوضع له منابر من نور ، ومنابر من لؤلؤ ، ومنابر من ياقوت ، ومنابر من زبرجد ، ومنابر من ذهب ، ومنابر من فضة ، ويجلس أدناهم وما فيهم دنىء على كثبان المسك والكافور ، وما يرون أهل الكراسي بأفضل منهم مجلسا » وهذا بعض حديث طويل . وفي كتاب الترمذي أيضا عن سعد بن أبي وقاص رضى اللّه عنه ، أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال « لو أن رجلا من أهل الجنة اطلع فبدا سواره لطمس ضوء الشمس كما تطمس الشمس ضوء النجوم » . وفي كتاب الترمذي أيضا عن أبي سعيد الخدري رضى اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « أدنى أهل الجنة الذي له ثمانون ألف خادم ، واثنتان وسبعون زوجة ، وينصب له قبة من لؤلؤ وزبرجد وياقوت كما بين الجابية إلى صنعاء ، وإن أدنى لؤلؤة من تيجان أهل الجنة تضئ ما بين المشرق والمغرب » قوله « الجابية » بالجيم : مكان في الشام وصنعاء معروفة في اليمن . وهذه عشرة أحاديث رويناها في الصحاح في وصف الجنة وأهلها اقتصرت عليها في هذا الفصل الآخر ختام خاتمة الكتاب ، كما اقتصرت أيضا على عشرة أحاديث من الصحاح في الفصل الأول من مقدمة الكتاب . الحديث الأول : روينا في الصحيحين عن أبي هريرة رضى اللّه تعالى عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر ، ثم الذين يلونهم على أشدّ كوكب درىّ في السماء إضاءة ، لا يبولون ولا يتغوّطون ولا يتمخطون ، وأمشاطهم الذهب ، ورشحهم المسك ، ومجامرهم الألوّة ، وأزواجهم الحور العين ، على خلق رجل واحد ، على صورة أبيهم آدم عليه الصلاة والسلام ستون ذراعا في السماء » قوله الألوة بفتح الهمزة : عود الطيب ؛ والحور جمع حوراء ، والحور شدة سواد العين مع شدّة بياضها ، وقيل الحور شدة
بياض في الوجه ؛ والعين بكسر العين المهملة جمع عيناء ، وهي الواسعة العين ، وفي رواية البخاري ومسلم « آنيتهم فيها الذهب ، ورشحهم المسك ، ولكل واحد منهم زوجتان يرى مخ سوقهما من وراء اللحم من الحسن ، لا اختلاف بينهم ولا تباغض ، قلوبهم بقلب واحد يسبحون اللّه تبارك وتعالى بكرة وعشيا » . وفي رواية الترمذي « على كل زوجة سبعون حلة ، يرى مخ ساقها من ورائها » . الحديث الثاني : روينا في الصحيحين أيضا عن أبي هريرة رضى اللّه تعالى عنه عن النبىّ صلّى اللّه عليه وسلم قال : « إن أهل الجنة ليتراءون الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدرىّ الغابر في الأفق من المشرق والمغرب لتفاضل ما بينهم ، قالوا : يا رسول اللّه تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم ، قال بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا باللّه وصدّقوا المرسلين » . الحديث الثالث : روينا في الصحيحين أيضا عن أبي سعيد الخدري رضى اللّه تعالى عنه أن النبىّ صلّى اللّه عليه وسلم قال : « إن في الجنة شجرة يسير الراكب الجواد المضمر السريع مئة سنة ما يقطعها » وفي الصحيحين أيضا من رواية أبي هريرة رضى اللّه تعالى عنه « يسير الراكب في ظلها مئة سنة لا يقطعها » . الحديث الرابع : روينا في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري رضى اللّه تعالى عنه أن النبىّ صلّى اللّه عليه وسلم قال « إن في الجنة للمؤمن لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوّفة طولها في السماء ستون ميلا ، للمؤمن فيها أهلون ، يطوف عليهم المؤمن ولا يرى بعضهم بعضا » . الحديث الخامس : روينا في صحيح مسلم رحمه اللّه تعالى عن أنس رضى اللّه تعالى عنه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال « إن في الجنة سوقا يأتونها كل جمعة ، فتهبّ ريح الشمال فتحثو في وجوههم وثيابهم فيزدادون حسنا وجمالا ، ويرجعون إلى أهليهم وقد ازدادوا حسنا وجمالا ، فيقولون لهم أهلوهم : واللّه لقد ازددتم حسنا وجمالا ، فيقولون وأنتم واللّه لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا » . الحديث السادس : روينا في الصحيحين عن أبي هريرة رضى اللّه تعالى عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « قال تعالى : أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين
رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، واقرءوا إن شئتم ( فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ) » . الحديث السابع : روينا في الصحيحين عن ابن مسعود رضى اللّه تعالى عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « إني لأعلم آخر أهل النار خروجا منها وآخر أهل الجنة دخولا الجنة رجل يخرج من النار حبوا ، فيقول اللّه عزّ وجلّ له : اذهب فادخل الجنة ، فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى ، فيقول يا ربّ وجدتها ملأى ، فيقول اللّه تبارك وتعالى اذهب فادخل الجنة ، فإن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها ، أو إن لك مثل عشرة أمثال الدنيا ، فيقول أتسخر بي أو أتضحك بي وأنت الملك ؟ قال فلقد رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه صلّى اللّه عليه وسلم فكان ذاك أدنى أهل الجنة منزلة » . الحديث الثامن : روينا في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضى اللّه تعالى عنهما أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال « إذا دخل أهل الجنة الجنة ، نادى مناد : إن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا ، وإن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا ، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا ، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا » . الحديث التاسع : روينا في الصحيحين عن جرير رضى اللّه تعالى عنه قال « كنا عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فنظر إلى القمر ليلة البدر وقال : إنكم سترون ربكم عيانا كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته » . الحديث العاشر : روينا في صحيح مسلم عن صهيب رضى اللّه تعالى عنه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « إذا دخل أهل الجنة الحنة يقول اللّه تبارك وتعالى . تريدون شيئا أزيدكم ؟ فيقولون ألم تبيض وجوهنا ، ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار ؟ فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم تبارك وتعالى » جعلنا اللّه الكريم منهم ومن الذين قال اللّه تعالى فيهم ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ ، وَآخِرُ
دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ) « سبحان اللّه وبحمده سبحان اللّه العظيم » وصلى اللّه على سيدنا محمد خاتم النبيين وإمام المرسلين وسيد العالمين ، وعلى آله الكرام الطيبين وأصحابه الغرّ المنتخبين ، وأزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين ، أفضل صلوات اللّه عدد معلومات اللّه ، كلما ذكر الذاكرون وكلما غفل عن ذكره الغافلون ، وعلى جميع النبيين والمرسلين وآل كلّ والملائكة المقرّبين وسائر الصالحين آمين : وسبحانك اللهمّ ربا مقدّسا * لك الدهر كلّ الكائنات تسبح بحمدك أشهد أن لا إله سواك قط * تعاليت بل أنت الإله المسبح وغفرانك اللهمّ تب ومجالسى * فكفر كما جاء الحديث المصحح عن الصادق المختار صلّ مسلما * على روحه ما غرّد المترنح وبالفضل عاملنا ومعروفك الذي * به أنت معروف تجود وتمنح وقابل بإحسان إساءتنا فلم * تزل يا كريم العفو تعفو وتصفح وأسبل جميل الستر يا ذا العلا على * فعال وأقوال تسوء وتقبح وزن بجمال من جمالك قبحها * فذو القبح إن يكسى جمالك يمنح فأقوالنا ما زانها حسن حلية * من الفعل فيها تجتلى وتوشح ولا كسيت غالى لباس من التقى * خيار لباس فيه تغدو وتسرح ولا أنزلت عالي مقام مزين * بجوهر صدق فيه تمسى وتصبح فيا ربّ أصلحنا بإصلاح مضغة * بإصلاحها كلّ الجوارح تصلح وبالخير فاختم ثم جمل فلم تزل * بكل جميل من صفاتك تمدح وصلّ على مسك الختام محمد * سراج الهدى يهدى بنور ويصلح وتمت وللّه المحامد كلها * بها يختم القول الحميد ويفتح
قال ( العبد الفقير إلى عفو الكريم ولطفه ورحمته وعطفه ، عبد اللّه بن أسعد اليافعي اليمنى الشافعي نزيل الحرمين الشريفين ، عفا اللّه عنه وكان له ، وبلغه من الخيرات أمله ، وختم بالصالحات عمله ووالديه وأحبابه ومحبيه والمسلمين آمين . وهذه قصيدة أنشأتها وسميتها مهيجة الأشجان في ذكر الأحباب والأوطان ، ومدح المصطفى من ولد عدنان ، والبيت المعظم الجناب والأركان الجامعة بين شرفى الممدوحين النبىّ المكرّم والبيت المعظم ، وشرفى المكان والزمان ، الحرم الشريف المحترم ورجب المبارك المحرم ، ختمت بها كتاب روض الرياحين في حكايات الصالحين ، ورضى اللّه تعالى عنهم أجمعين ، وهي هذه : إذا لعلع البرق الحجازىّ بلعلع * تأجج نيران الجوى بين أضلعى وإن حملت نشر الخزامى من الحمى * نسيم الصبا صبت سواجم أدمعى وإن غنت الورقاء في الأيك أو بكت * شجتنى وشاقتنى إلى خير مرتع وأغرت غرامى بالأحبة حيثما * أقاموا وهاجت لوعتى وتولعى تذكرنى جيران سلع ورامة * وخيف منى والمنحنى والأجيرع سقى اللّه حيا خيموا بين رامة * وبين المصلى جوف أطيب موضع حيا قد ثروا بين الأباطح والصفا * صفا عندهم عيش المحب المولع بحسناء في الديباج تجلى موشحا * مقبلها عنه أماطت لبرقع فدونك قبل للتي عزّ وصلها * وحمّ في حماها عن هوى غير مبدع فما ذاق طعم الوصل من يدعى الهوى * فبثّ الجوى سرّا هنالك واخضع وقم بمصلى هاتها بحجرها * وللّه فاسجد شاكر الفضل واركع ولذ بالجناب العالي ما بين بابها * إلى ركنها والذيل فالزمه واخشع ضع الخد والصدر الكئيب لصدرها * وبثّ غراما بالتواضع ترفع وقف بحماها ثم شاهد جمالها * وذق طيب عيش ناعم وتمتع تفز بنعيم ثم منّ ورحمة * وأمن وإحسان وخير مجمع
وقم باكيا قف شاكيا ذا تضرّع * على الباب والزمه ليفتح واقرع وقل هجركم يولى الشقا وتوسلي * إليكم بكم يا ساداتي وتشفعى فإن تسعدوا بالوصل فالفضل عرفكم * عرفتم به في شرع كل مشرع وإن تهجروا فالذنب أوجب هجركم * لعبدكم والعدل ما تفعلوا معي أنا المذنب الجاني المسىء جواركم * ولكن رجائي في نداكم ومطمعى وأنتم أولو الإحسان والعفو تكرموا * لجار الحمى الرحب الجناب الموسع وطف بالحمى ودع ربع عزّة * بجسم وكن بالقلب غير مودع وزر ربع ليلى فالمحاسن والندى * لدى ربعها الممدوح في كل مجمع فلا عيش إلا عيش ليلى وعزّة * بوصلهما الغالي العزيز الممنع هما سقتا راح الهوى كلّ عاشق * غدا من حميا الحب سكران لا يعى فكم سبتا بالحسن عقلا لمغرم * وكم شغفا بالحب قلبا لمولع وكم تيما كم هيما ذا صبابة * معنّى وذا قلب من البين موجع فلولاهما لم نذكر الخيف أو قبا * ولا كان ذكر للعقيق ولعلع ولم يأت من فجّ عميق ضوامر * بطول السرى تطوى فيافى بلقع إذا طيبة الغرّا رأيت جمالها * وحسن البها في نورها المتلمع فقبل رباها واسقها وابل الشجى * وخلعة أهل الحب صفرا تدرع وزر روضة كم جنة الخلد جوفها * مصلى حبيب فيه قم بتخشع هناك لذيذ العيش فانعم مشاهدا * لملبوس أنوار على الأفق مخلع تنزه وطالع في بهاء ربوعها * وحسن رباها ثم بعد التطلع ترى في الوجود النور من قبة البها * بدا طالعا من مطلع خير مطلع سراج الهدى الماحي بأنوار وجهه * ظلام الطغى الغوث الشفيع المشفع
محمد الحاوي المحامد قام في * مقام علا كلّ الأنام مرفع إمام الورى مولى البرايا مخصصا * بفضل وسرّ فيه للّه مودع إذا زرت مولانا الحبيب وجئته * وقمت حذا مغنى أهيل وممرع فباللّه قبل لي ثرى أرض ربعه * وسلم وقل بعد البكا والتضرع : عبيدك ذاك اليافعىّ مؤمل * نداك الذي قد عمّ للخلق أجمع عليك صلاة اللّه يا معدن الندى * ويا ملجأ للخلق في كلّ مفزع وتسليمه داما يضوعان مندلا * ومسكا بقبر للمكارم منبع مدى الدهر ما لاحت بوارق في دجى * وزمجر فيه صوت رعد مقعقع وباتت عيون المزن تبكى بدمعها * على ثغر زهر ظلّ يضحك مربع وآل وصحب أهل مجد ونجدة * بيض وبيض كم بها من مقطع وسمر عوال كم علوا من علائها * وكم مزقت من مازق جوف مصرع إذا هاجت الهيجا علوا كل أكمة * للقيا القنا شوقا تطير بأربع وقد لبسوا في الناس من نسج صانع * لبوسا لها غير داود يصنع وما منهمو في كل خوف وغفلة * وجهد وفقر في المجاعة مدقع سوى أسد في الحرب في الليل عابد * وفي العلم مصباح وفي المحل مشبع ضراغم كم ذا قد غدت في الوغا فلم * تدع كل قرن ثم غير ممزع إلى أن علا دين الهدى بأولى الندا * وزال الصدا عن نوره المتشعشع فأمسوا نجوما حول بدر متمم * بأعلى سما المجد الأثيل المرفع ولا سيما زهر إذا غاب بدرها * أضاءت بها الظلماء كلّ موضع كصدّيقهم ذي الجد سابقهم إلى * علا كل فضل نافيا كل مبدع مقام نبىّ قام يوم ارتداد من * مشى القهقرى لم يعط حقا ويسمع
فضاءت بهم ظلما دياجى ارتدادهم * رجوعا إلى دين الهدى خير مرجع له مفخر في الغار حيا ومفخر * له ميتا في مضجع خير مضجع وكم مفخر كم من مناقب كم علا * وكم سؤدد في فضله المتنوّع وفاروقهم نافى الطغى منه بالوغا * بقيصر أو عاد وكسرى وتبع ومن عجب أن الملوك تهابه * وتخشاه ناه في قميص مرقع لها عن لذيذ العيش مجدب منزل * وغيث نداه مخصب كلّ مربع سراج جنان الخلد محمود سيرة * نطوق بحق خائف متورّع وذي النور والبرهان والحلم والندا * خشوع وللقرآن تال مجمع قنوت الدياجى والعيون هواجع * بلذّة عيش في التهجد مولع لقدمته تستحى ملائكة السماء * فما ضرّه إذا بالسيوف مبضع وليث العدى نور الهدى معدن الندى * جلاء الصدا بحر العلوم المنقع مفيد المعالي ذي المكارم والعلا * مبيد الأعادى بالكميت المقنع مطلق دنياه ثلاثا ومن أتى * طلاقا ثلاثا لم يراجع ويرجع وسبطين من عليا المفاخر توّجا * بتاج على الرأس الممجد مخلع وعمين أيضا عمما بعمامة * من المجد من فخر الصفىّ المشرّع كذلك باقي عشرة سادة أولى * مناقب جلت سابقى كل مسرع وزهراء زهت بالفخر مع كل زوجة * من العزّ في العليا بأشرف موضع وماذا عسى مدحي بنظم قصيدة * فضائل كم نوع لها متنوّع وكل من الأنواع أصل لمفخر * وللأصل كم فرع كثير التفرع وكلّ من الكلّ استمد بغرفة * من الفخر من بحر الفخار المشفع سيدرى أبو جهل إذا جمع الورى * لمن شرف العليا بأعظم مجمع
إذا ما لواء الحمد أحمد شاله * ولم يبق ذو مجد له غير متبع وكلّ الكرام الرسل تحت لوائه * غياث الورى من كل هول مروّع ثنيت عنانى والوجود فخاره * وما سرت في مدحي له قدر أصبع فها هي للتقصير أرخت من الحيا * على وجهها الميمون زهىّ برقع وكانت نوت من جوهر اللفظ تجتلى * بدرّ بياقوت المعاني مرصع ولفّ ونشر مستعير موشح * مدائح تطريز الطباق المرجع مقابل جنس ردّ صدرا موشحا * على عجز بالالتفات مصرع وربّ مليح من حلىّ ومن حلا * ومن حلل سامى التقى المتورّع وكان لها وقت شريف وموضع * منيف عزيز لا يرى بمضيع بأيام بيض غرّ شهر محرّم * دعىّ رجب الميمون شهر التطوّع حذا كعبة غرابها اليمن قبلة * لكلّ الورى من ساجدين وركع وفت مئة أبياتها الزهر ضمنها * لدا الحبّ كم ساج لعينيه مدمع مهيجة الأشجان تغرى ذوى الهوى * بشوق إلى ربع الأحبا مزعزع إذا ما بها غنى الحداة تمايلوا * وهان بعيد في ذهاب ومرجع فإن كنت مثلي عادم الشوق والهوى * فأصغى عسى يشتاق قلبك واخشع فيا ربّ أصلحنا وزين قصيدتي * بحسن قبول واغفر الذنب وانفع بها ناظما مع حافظيها وكاتب * وقارئها والحاضر المتسمع كذلك راويها وها قد أجزتها * ومالي من نثر ونظم مسجع ومن كتب ألفتها أو قرأتها * وما حاز راو عن مجيز ومسمع
لمن صار يرويها وكلّ محصل * لأصل على شرط ذاك مجمع ختمت بها روض الرياحين ذاك في * حكايات فضل الصالحين مجمع وتمت وحمد اللّه مسك ختامها * وغفرانك اللهمّ يا خير من دعى قال مؤلف هذا الكتاب كان اللّه تعالى له ، وبلغه من الخيرات أمله ، وختم بالصالحات عمله وأحبابه والمسلمين آمين : قد حصل والحمد للّه في هذا الكتاب بشارات خير إن شاء اللّه تعالى سرني بها جماعة من أهل الخير والصلاح ممن أعتقدهم وألتمس بركتهم ، فينبغي أن يتعظ بهذا الكتاب ويتبرّك بسماع ذكر من فيه من السادة ويحسن السامع الظن ، ولا ينكر ما فيه من أحوالهم الخارقة للعادة . وها أنا أذكر بعض الجماعة المذكورين أنه حين كان الناس يسمعون علىّ هذا الكتاب بقرب الروضة الشريفة ، كان قاعدا يسمع ، فأخذه ما يأخذ الفقراء من الوجد والغيبة ، فرأى ثلاثة قد خرجوا من القبة الشريفة العالية المنيفة ، وأحدهم وجهه كالقمر ، فجلس في الروضة وجلس أحد صاحبيه عن يمينه والآخر عن يساره ، واستقبلوا الجماعة الحاضرين للسماع ، ولم يزالوا كذلك إلى آخر المجلس ، وذكر أنى لما فرغت من الدعاء التفت الأوسط بوجهه المنير إلى صاحبه الذي عن يمينه وتبسم ، ثم قاموا فدخلوا في القبة ، والحمد للّه على ذلك حمدا كثيرا كما هو أهله ، وجزى اللّه سيدنا محمدا صلّى اللّه عليه وسلم عنا أفضل الجزاء ، وأولاه أفضل الصلاة والتسليم * وكذلك أخبرني أيضا آخر أنه رأى في المنام كأني مع جماعة من مشايخ الصوفية الفضلاء في الحرم الشريف المبارك وهم يسمعون هذا الكتاب ، فقال وعليك ثياب بيض ، فاستغربت ذلك ، فأراد بعض الشيوخ أن يتكلم على هذا الكتاب ، فقال له الجماعة أو بعضهم : دعه يتكلم ، وأشاروا إليك بالكلام * ، كذلك أخبرني أيضا آخر أنه رأى في المنام كأني مع بعض المشايخ الصالحين في الروضة المباركة الشريفة ومعنا بعض الأصحاب ، ونحن مجتمعون على هذا الكتاب * كذلك أرسل إلىّ وقت تأليف هذا الكتاب بعض الأولياء من البلاد البعيدة يبشرني ببشارة أرجو ممن فضل اللّه العظيم المؤمل حصولها إن شاء
اللّه عزّ وجلّ ، وصلى اللّه على سيدنا محمد النبي الكريم ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، والحمد للّه ربّ العالمين . تم كتاب « روض الرياحين في مناقب الصالحين » للشيخ الإمام العالم العامل الزاهد الورع ولىّ اللّه تعالى عفيف الدين عبد اللّه بن أسعد اليافعي الشافعي اليمنى قدّس اللّه تعالى روحه ونوّر ضريحه ورضى اللّه تعالى عنه وأرضاه . وجعل الجنة مأواه . ورحم سلفه . وكان الفراغ من تعليقه يوم الجمعة المباركة قبل صلاة الجمعة بالمسجد الحرام تجاه الكعبة المشرّفة بيت اللّه الحرام ، زاده اللّه تعالى شرفا وتعظيما ، سلخ رجب المعظم سنة ثلاث وخمسين وثمان مئة ، والحمد للّه ربّ العالمين أولا وآخرا ، وباطنا وظاهرا ، وسلام اللّه على عباده الذين اصطفى ، وصلى اللّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . تم الكتاب المبارك بعون اللّه تعالى
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)